المقالات

بلاغة النظم القرآنى - أولا - الكناية في القرآن الكريم

الشيخ /  محمود ريان


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد ...

 

فقد جرت العادة أن يؤيد الله عز وجل كل رسول بمعجزة من جنس ما نبغ فيه قومه، فهذا عيسى نشأ في قوم نبغوا في الطب فكانت معجزته من الله أن أبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله، وهذا موسى نشأ في قوم نبغوا في السحر فكانت معجزته من الله أن انقلبت العصا حية تسعى بأمر الله سبحانه وتعالى، أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد نشأ في قوم نبغوا في استخدام اللغة وبلغوا الغاية في الإلمام بفنون الشعر والنثر وغيره من فصيح الكلام، فجاءت معجزة هذا النبي الخالدة من جنس ما نبغ فيه القوم كذلك، قرآنًا أعجز القوم بفصاحته وبلاغته ونظمه وتأليفه، فلا يستطيع أحد أن يبدل آية مكان آية أو أداةً مكان أداة.


وحديثنا اليوم يتعلق بالكناية، هذا الأسلوب البلاغي الذي استخدمه العرب في كلامهم واستخدمه الله عز وجل في كلامه، وشتان بين استخدام واستخدام.


أولاً : الكناية هي أن تقصد وصف شيء أو شخص أو صفة فتستخدم معنى مرادفًا لما تريد أن تصفه به، لصيقًا به .

كأن تقول في وصف رجل كريم، هذا رجل ما في يده ليس ملكًا له، أو تقول مثلاً واصفًا رجلا متشائمًا "إنه ينظر للحياة بمنظار أسود"، وكأي أسلوب من الأساليب البلاغية لابد من وجود معيار نقيس به جودة هذا الأسلوب، ومن معايير جودة أسلوب الكناية أن تكون العلاقة خالدة قوية بين المعنى الأصلي المراد وهو في هذا المثال الأخير معنى التشاؤم وبين المعنى المستعمل الدال عليه وهو المنظار الأسود.


ونحن إذا نظرنا إلى هذه الكناية الأخيرة "ينظر إلى الحياة بمنظار أسود" لوجدنا أنها لا تصلح للاستعمال في كل زمان ومكان، فهب أنك قلتها قبل ألفي عام مثلاً في زمن لم يتم اكتشاف المناظير فيه بعد، أو هب أنك قلتها في زمن من الأزمان يكون اللون الأسود فيه دليلاً على السعادة مثلاً، فوقتها لن تُفهم هذه الكناية.


ولنأخذ مثالاً من الأدب الجاهلي حينما كان الشاعر يفتخر بنفسه ويصف نفسه بالكرم قائلاً

 

وما يك فيّ من عيب فإني                        جبان الكلب مهزول الفصيل

 

وكما نرى فقد افتخر الشاعر في الشطر الثاني بأن كلبه جبان وأن فصيله وهو ولد الناقة الصغير هزيل وضعيف

فهل هذا موطن فخر؟


لكي نفهم حقيقة هذه الصورة الكنائية لابد أن نعرف أنها قيلت في زمن كان العربي يضع كلبه على باب خيمته في الصحراء فيمر الضيف الغريب عابر السبيل في الصحراء فينبح الكلب فيخرج صاحبه فيزجره ويأتي بالضيف فيكرمه ويطعمه، وكلما مر ضيف غريب نبح الكلب فخرج صاحبه وزجره وأكرم الضيف حتى صار الكلب جبانًا يخشى إذا رأى ضيفًا أن ينبح فيخرج صاحبه ويزجره ويضربه، وهذه عادة الكرام، أما اللئام فكانوا يرسلون كلابهم لكي تفتك بكل غريب عابر سبيل فلا يكرمونه.

 

وكذلك هزال الفصيل هذا كان وصفًا للكرم إذ إن الكريم في هذا الزمان يأخذ لبن الناقة فيسقيه للضيف، فلا يجد ولد الناقة أو فصيلها لبنًا يشربه فيصير هزيلاً، أو قد يبلغ بصاحبه الكرم إلى أن يذبح أم هذا الفصيل إكرامًا للضيف.

 

إذًا فمن الواضح أن هذه الكناية لم تبلغ الغاية في درجة البلاغة فهي لا تناسب كل زمان وكل مكان، أما إذا نظرت في الكنايات في القرآن الكريم ترى أن الله عز وجل ضرب أروع الأمثلة وأبلغها في الكنايات في كتاب الله العزيز، فهي كناية يسمعها من نزل هذا القرآن في زمانهم فلا يحتاجون إلى توضيح أو شرح لمعناها، ونسمعها نحن كذلك بعد أكثر من ألف عام فلا نحتاج إلى توضيح أو شرح لمعناها، ويسمعها من بعدنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها فلا يحتاجون مزيد شرح أو توضيح، وإلا فقل لي بالله عليك أتحتاج إلى مزيد شرح حينما تسمع قول ربك سبحانه وتعالى { وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } لتفهم أن هذه كناية عن الذل، أو حينما تسمع قول ربك عز وجل { وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا } لتفهم أن هذه كناية عن الخوف الشديد، أو حينما تسمع قول ربك عز وجل {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} لتفهم أن الكناية هنا تقصد معنى البخل ومعنى التبذير والإسراف.

 

إن الكنايات في القرآن الكريم كنايات خالدة فاقت معنى الزمان والمكان فهي تصلح في كل زمان ومكان، وكيف لا وهو كلام رب البشر الذي علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. {  أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا }.

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى

اللهم فقهنا في دينك وعلمنا تأويل كتابك العزيز.

  1. صفية عابدين August 23, 2012

    جزاكم الله خيرا مقال طيب

  2. محمد عبيد August 25, 2012

    بارك الله في الكاتب وما كتب. لمحة طيبة وفائدة جميلة عن بلاغة القرآن وجمال التدبر فيه. أحسن الله إليك.

  3. زوزو مدحت November 27, 2012

    لازم يكون فى تعمق اكثر من كدا فى الموضوع

  4. محمد أبوزهرة April 12, 2013

    مقال تحفة ، جزاك الله كل خير

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 4+4=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع