المقالات

عاشوراء يوم الشكر

الشيخ /  سيد علام


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.


فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا اليوم الذي تصومونه؟" قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"نحن أحق وأولى بموسى منكم"
 فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه (رواه مسلم).



هذا الحديث فيه فوائد منها:

فضل صيام يوم عاشوراء، نجاة موسى عليه السلام وقومه وإغراق فرعون، الشكر على النعمة، دعوة الأنبياء واحدة، تعظيم الشعائر، ومع الأسف الشيعة يتخذونه مأتمًا.
 
أولاً: فضل صيام يوم عاشوراء

يُكَفِّر السنة التي قبله

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : "صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ" (رواه مسلم).

ومعنى "يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ" أي تكفيرُ جميع الصغائرِ, فإن لم يكن له صغائر رُجيَ له تخفيفُ الكبائر, فإن لم يكن رفعت له الدرجات، وعلى هذا تحملُ جميع الأحاديث الورادة في تكفير الذنوب، فإن الكبائر لا تمحوها إلا التوبة لله عزوجل.


وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ – يعني يَوْمَ عَاشُورَاءَ - وَهَذَا الشَّهْرَ، يَعْنِي: شَهْرَ رَمَضَانَ (رواه البخاري)، ومعنى "يتحرى" أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه، (فتح الباري:).


وكان بعض السلف يصوم عاشوراء حتى في السفر، قالوا: رمضان له عدة من أيام أخر وعاشوراء يفوت.


وعاشوراء هو اليومُ العاشر من شهرِ الله المحرمِ، وقد جيءَ به على وزنِ "فاعولاء" ولم يأتِ في لغةِ العرب على وزنِهِ غير (تاسوعاء وضاروراء وساروراء ودالولاء من الضَّراء والسَّراء والدَّلال)، وهو بالمدِّ "عشوراء وعاشوراء" كتاسوعاء؛ وحُكيَ قصرهما، وسمِّي عاشوراء بذلكِ لمقتضى الاشتقاق من كونِهِ العاشر، وقيل: هو معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم الفعل، واليوم مضاف إليها، فإذا قيل (يوم عاشوراء) فكأنه قيل (يوم الليلة العاشرة) قاله القرطبي.


 والصيام في شهر المحرم أفضل الصيام بعد الفريضة، وشهر المحرم هو من الأشهر الحُرُم التي عظَّمها الله تعالى وذكرها في كتابه فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [سورة التوبة 63].


وفي الحديث "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل" (رواه مسلم عن أبي هريرة).


قوله : "شهر الله" إضافة الشّهر إلى الله إضافة تعظيم.


قال ابن رجب: وقد اختلف العلماء أي الأشهر الحرم أفضل؟ فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، ورجحه طائفة من المتأخرين، ويدل على هذا ما أخرجه النسائي وغيره عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الليل خير وأي الأشهر أفضل؟ فقال: "خير الليل جوفه وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم".


ويستحب صيام التاسع معه لمخالفة اليهود


لحديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : "فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ"، قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (رواه مسلم).


قال النووي رحمه الله: ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي حِكْمَةِ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ تَاسُوعَاءَ أَوْجُهًا :


(أَحَدُهَا) أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ فِي اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْعَاشِرِ, وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .


(الثَّانِي) أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَصْلُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمٍ, كَمَا نَهَى أَنْ يُصَامَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ.


(الثَّالِثَ) الاحْتِيَاطُ فِي صَوْمِ الْعَاشِرِ خَشْيَةَ نَقْصِ الْهِلالِ, وَوُقُوعِ غَلَطٍ فَيَكُونُ التَّاسِعُ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْعَاشِرُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ . انتهى


وأقوى هذه الأوجه هو مخالفة أهل الكتاب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: نَهَى صلى الله عليه وسلم عَنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي عَاشُورَاءَ : "لَئِنْ عِشْتُ إلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ" (الفتاوى الكبرى ج6).


وقيل يستحب صيام التاسع والعاشر والحادي عشر، وورد في ذلك حديث ابن عباس : "خالفوا اليهود وصوموا قبله يوماً وبعده يوماً"، ولكنه حديث ضعيف. 
 
ثانياً: نجاة موسى عليه السلام وقومه وإغراق فرعون


تكبر فرعون وكفر، ونكَّل ببني إسرائيل، فجمع موسى عليه السلام قومه للخروج، وتبعهم فرعون، فجاء الوحي في ذلك اليوم العظيم بأن يضرب موسى عليه السلام البحر بعصاه {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء : 61-63]، فلما رأى فرعون هذه الآية العظيمة لم يتعظ، واستمر في طغيانه ومضى بجنوده يريد اللحاق بموسى عليه السلام وقومه، فأغرقه الله عز وجل، ونجى موسى ومن معه من بني إسرائيل، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِين} [الدخان : 30].


وفي هذه القصة فوائد جَمَّة منها:


 - الثقة واليقين بنصر الله عز وجل مهما كانت الأسباب.


-  { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ} [المدثر 31]، وقد تابعنا إعصار ساندي الذي هز أمريكا في سويعات معدودة


-  مع الأسف أحياناً كثيرة ننسى في حساباتنا قدرة اللهَ عز وجل.


-  {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران 126].


-        التأمل في هذا اليوم الذي نجَّى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وقومه يبعث في النفس أملاً كبيراً، وكلما تدبر المسلم آيات القرآن الكريم التي تحكي لنا الشدة التي كان فيها موسى عليه السلام وقومه، وكيف نجاهم الله تعالى في مشهد عظيم، ينشرح صدره ويطمئن إلى وعد الله تعالى الدائم بنصر المؤمنين، ونجاتهم من عدوهم، قال تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِين} [يونس: 103].
 
ثالثاً: شكر النعمة عبادة
كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "فصامه موسى شكراً"


وقال تعالى:{اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، وقال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم 7].


والشكر يكون بالعمل الصالح، كالصلاة والصيام والصدقة والبر والإحسان والدعوة إلى الله عز وجل وغير ذلك من الأعمال الصالحة، وهي بفضل الله كثيرة في هذه الأمة.
 
رابعاً: دعوة الأنبياء جميعاً واحدة
ويظهر ذلك جلياً في قوله صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق وأولى بموسى منكم"


وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، الدين واحد والشرائع مختلفة" (رواه البخاري).


فبالرغم من أنه يوم بعيد جداً عنا ذلك اليوم الذي نجَّى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وقومه، ولكن مع ذلك فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم به، ولما رأى اليهود يصومونه أمر بصيامه؛ لأن أولى الناس بموسى فرحاً بنجاته هم مَن على الإسلام، لا مَن حرَّفُوا الدين، قال في الفتح: وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى.


فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُشَغل بحدث كان فيه نجاة للمؤمنين مضى عليه مئات السنين، بل بأكثر من ذلك فقد ورد أن في هذا اليوم كان نجاة نوح عليه السلام، وأن موسى عليه السلام نفسه كان يصومه شكراً لله على نجاة نوح عليه السلام من الطوفان، قال الحافظ ابن حجر: وقد أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس زيادة في سبب صيام اليهود له وحاصلها أن السفينة استوت على الجودي فيه، فصامه نوح وموسى شكراً، وكأن ذكر موسى دون غيره هنا لمشاركته لنوح في النجاة وغرق أعدائهما.


فكيف يغفل عن هذا بعض المسلمين، ولا يعبأ بما يحدث لمسلم آخر أصابته شدة، ولا يعبأ بالمسلمين أصابهم خير أم شر، في حين يغضب بعض النصارى في عدد من دول أوروبا ويندد بما يحدث في فلسطين أو في العراق أو في غيرهما، وقد يبخل عدد غير قليل من المسلمين على إخوانه بنصرة أو صدقة أو دعم أو دعاء، فمن أولى بالمسلم وأحق به! 


الفرح للمسلم والحزن له علامة من علامات المسلم وصفة من صفاته، وفي الحديث: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى" (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
ونحن قد أُمرنا بالتأسي بالأنبياء كما قال سبحانه بعد ذكر ثمانية عشر نبياً في سورة الأنعام: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام 90].


فنحن نحب أنبياء الله تعالى أكثر من أتباعهم وممِّن يدَّعُون أنهم أتباعهم ويصفونهم بصفات الألوهية أوأنه ابن الإله......


ويدخل في ذلك تعظيم شعائر الله عز وجل {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج 32].
 
خامساً: الشيعة يتخذونه مأتمًا


قال ابن رجب – رحمه الله – في (لطائف المعارف):


وأما اتخاذه مأتمًا كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما فهو من عمل من ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يُحسِنُ صنعًا، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ مصائب الأنبياء وموتهم مأتمًا فكيف بمن دونهم؟.اه


فهل ما يفعله الشيعة - من اللطم وشق الجيوب وجرح أنفسهم وأولادهم - دين؟!!!


قال بن كثير: وقد كان مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في يوم عاشوراء من شهر المحرم على المشهور ( البداية والنهاية: (8/137) ).
 قال شيخ الإسلام بن تيمية فانقسم الناس إلى طائفتين:


طائفة تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود، وشق الجيوب، والتعزي بعزاء الجاهلية، وإنشاد قصائد للحزن، ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير، والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب، وإثارة الشحناء والحرب، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام، والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين، وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام ( مجموع الفتاوى لابن تيمية: (25/165-166) ).


وطائفة أخرى من الجهال تمذهبت بمذهب أهل السنة، قصدوا غيظ الطائفة الأولى، وقابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الأحاديث في فضائل عاشوراء، والأحاديث في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء. ( الموضوعات من الأحاديث المرفوعات: (2/567)؛ مجموع الفتاوى: (25/166) ).


والطائفتان مبتدعتان خارجتان عن السنة، ونحن براء من الفريقين، فأهل السنة يفعلون في هذا اليوم ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع. ( الموضوعات: (2/567)؛ المنار المنيف في الصحيح والضعيف: (89) ).

وأما حديث التوسعة على الأهل: "من وسع على عياله وأهله يوم عاشوراء، أوسع الله عليه سائر سنته"، قال فيه الألباني: طرقه كلها واهية، وبعضها أشد ضعفا من بعض (ضعيف الترغيب والترهيب: (1/313) ).
 

والحمد لله رب العالمين.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 4+4=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع