المقالات

رجال من التاريخ

الشيخ /  محمود ريان


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

أحكي لكم قصة........

 

قصة واقعية، حدثت من ألف عام، تحديدًا عام 429 من الهجرة

 

في مكان بعيد، في جنوب المغرب الأقصى. إنها قصة دولة.

 

دولة أقامها الله عز وجل وأمَدّ لها من عمر الزمان وقتًا وحمى بها أممًا، ونشر بها دينًا. دولة قامت على أكتاف رجل... وأي رجل! إنه عبد الله بن ياسين وإنها دولة المرابطين.

 

المكان: جنوب المغرب الأقصى بالقرب من السنغال

 

الزمان: عام 429 هجرية

 

الحدث: تولى يحيى بن إبراهيم زعامة قبيلة كدالة (وهي واحدة من القبائل الكبيرة في البربر)

بداية الأمر: عند عودة يحيى ابن إبراهيم من الحج فكر في استجلاب فقيه أو طالب علم لكي يساعد قومه من قبيلة كدالة وبقية القبائل الأخرى في التعرف على دينهم ومعرفة أوامر ربهم حيث إن القوم قد أسلموا ولم يكن في دينهم قوة ولم يكونوا على علم كاف بتعاليم الإسلام

 

قذف الله في قلب يحي بن إبراهيم زعيم القبيلة أن يمر في عودته من الحج على القيروان في تونس، إذ كانت أكبر المدن وقتها في المغرب، بحثًا عمن يرغب في الذهاب معه إلى بلده لتعليم قومه تعاليم الإسلام.

 

ذهب يحيى في بادئ الأمر إلى الفقيه أبي عمران الفاسي وطلب منه أن يرسل معه من يساعده في مهمته.

 

فلم يقبل أحد من طلبة الفقيه الذهاب مع يحيى إلى قومه، فالمهمة شاقة، والقوم اشتهروا بتقلب مزاجهم وشدتهم، فأرسله إلى فقيه آخر فعرض الأمر على أحد طلبته وهو بطل قصتنا "عبد الله بن ياسين".

 

وهو واحد من طلبة الشيخ، رجل عادي يطلب العلم ويتعلم أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، لعله ما كان يفكر أبدًا ولا يحدث نفسه أن الله سيختاره لهذه المهمة وأنه سيذهب ويزور هذه البلاد.

وافق الرجل على أداء هذه المهمة، وافق ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً، وافق لأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

 

وافق على مهمة رفضها كل من كان قبله من أمثاله من طلبة العلم. وكأن لسان القدر يقول له أنت أنت. أنت ولا غيرك.

 

ذهب عبد الله بن ياسين مع أمير القبيلة يحيى بن إبراهيم إلى بلدته وقبيلته ليعلم الناس، وقد كانت قبيلة يحيى بن إبراهيم في أقصى جنوب المغرب الأقصى، وكان لزامًا عليهم أن يمروا على قبائل مجاورة في طريقهم إلى وجهتهم.

 

توقفوا في منتصف الطريق وسأل الناس يحيى عن ضيفه، فعلموا أنه أتى ليعلمهم دينهم، فطلبوا منه أن يمكث معهم قليلاً من الوقت فوافق، وعلمهم دينهم، ولم يكتف بالكلام بل أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، غيّر المنكر بلسانه وبقلبه وبيده ما استطاع لذلك سبيلاً.

 

وكانت النتيجة المحتومة المقدورة أن عاداه بعض الأكابر من الأشراف الذين ما اعتادوا أن يأمرهم أحد وينهاهم، الذين نسوا وازع الدين، الذين استكبروا عن الانقياد لأوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، الذين اعتادوا الكبر والبطر والإسراف والبغي في الأرض بغير الحق. فحرقوا بيته وطردوه من جوارهم.

 

فكّر عبد الله، وهمّ بالرجوع إلى شيخه ليستكمل طلب العلم ويعتذر عن أداء المهمة التي أتى من أجلها, ولكن هيهات...

 

إن الله عز وجل إذا أراد أمرًا هيأ له أسبابه، وإن العبد إذا كانت له منزلة مكتوب له عند الله بلوغها فمهما فرّ منها فإن الله سيهيئ له من الأسباب ما يدفعه إليها دفعًا.

 

أقنع يحيى بن إبراهيم الشيخ عبد الله بن ياسين بمواصلة الرحلة والذهاب إلى وجهتهم التي كانوا ينتوون الذهاب إليها من البداية، إلى قبيلته في أقصى الجنوب، فوافق الرجل على مضض، وافق وهو ينوي الرباط في مكان بعيد عن الناس يتعبد فيه، فمن أراد تعلم دينه فليأته. وخرج عبد الله بن ياسين من هذه القبيلة في تسعة نفر اتبعوه رغبةً في الخير وطلبًا للعلم النافع والعمل الصالح.

 

وصلوا بالفعل إلى موطن يحيى بن إبراهيم وقرر عبد الله بن ياسين أن يرابط* في جزيرة في نهر السنغال يعبد ربه فيها بعيدًا عن الناس. وعاش مع التسعة الذين صحبوه حياة زهد وعبادة. وقد حرص على أن يبث في أتباعه التسعة حياة الورع والتقوى والالتزام بدين الله عز وجل.

 

تسامع الناس في القبيلة بهذا العابد الزاهد وأتوْا إليه طالبين العلم على يديه وراغبين في معرفة دينهم، فكثر أتباع الرجل وصاروا ألفًا.

 

بعد أن كان فردًا..... صارت لهم شوكة ومنعة، وقذف الله في قلب عبد الله بن ياسين أن ارجع إلى من طردوك وآذوك في الله عز وجل وادعهم وأمرهم بأمر الله وخذ بأيديهم، فكان ما قدّر الله أن يكون.

 

وفتح الله عز وجل به وعلى يديه قلوبًا وبلادًا التزمت بتعاليم الإسلام وأذعنت لأمر الله الواحد القهار، وكانت هذه نشأة دولة المرابطين، التي رفعت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله بعد أن كادت أن تنكس.

 

التي حمى الله بها عباده المسلمين في الأندلس من بطش الصليبيين ونكالهم. دولة المرابطين التي قدمت رجالاً وأبطالاً قاتلوا تحت راية لا إله إلا الله.

 

قامت الدولة على يد الرجل.

 

فليت شعري، أي علاقة بين هذا العبد وبين ربه حتى يستعمله في نصر وفتح كهذا!

 

أي تدبير هذا الذي دبره الله لعبده ليتبوأ هذه المكانة وليذكر اسمه في سجل الفاتحين المسلمين على مدار الزمان!

 

إنها إرادة الله عز وجل التي لا تخطئ أهلها في الحياة الدنيا.

 

إن من عاش يبتغي وجه الله، على مراد الله، فتح الله له وأعطاه بغير حساب.

 

إننا بحاجة لغرس هذا اليقين في قلوب كل منا، أن الله إذا أراد أمرًا هيئ له أسبابه، وأن الأمر كله يرجع إلى الله الواحد القهار. إن السنن لا تتبدل ولا تتغير ولا تحابي أحدًا.

 

ألا ليت شعري مَنْ عبد الله بن ياسين هذا الزمان؟، ربما تكون أنت، ربما يكون ولدك.

 

أحسن ظنك بالله تعالى وهيئ نفسك لقبول منح الرحمن، هيئ نفسك بتزكيتها لتكون أهلاً لعطايا الله. وأحسن الظن بربك واطمح فيما عنده، فأنت لا تدري ما الذي أعده الله عز وجل لك.

 

ولكن لا تحِد عن طريق الحق.

 

* (مصطلح يطلق على من يقيم في مكان ما ولا يبرحه إما طلبًا للتعبد والانقطاع عن الناس وإما طلبًا لحماية بلاد المسلمين على الحدود مع المشركين)

                                                         والحمد لله رب العالمين

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع