المقالات

شهر رجب بين السنة والبدعة

الشيخ /  سيد علام


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد.

 

فقد قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}[1].

 

وَمَعْنَى الْحُرُمِ: أَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِيهَا أَشَدُّ عِقَابًا، وَالطَّاعَةَ فِيهَا أَكْثَرُ ثَوَابًا، وَالْعَرَبُ كَانُوا يُعَظِّمُونَهَا جِدًّا حَتَّى لَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، فهي أشهر يسود فيها السلام، ويحرم فيها القتال.

 

وعن أبى بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعةٌ حُرمً، ثلاثاً متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مُضر الذي بين جُمادى وشعبان"[2].


والله عز وجل يفضل ما شاء من الأشخاص أو الأماكن أو الأزمان.


يقول قتادة – رحمه الله – كما في تفسير الطبري وابن كثير – رحمهما الله -: إن الله اصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسولاً، ومن الكلام ذكره، ومن الأرض المساجد، ومن الشهور رمضان والأشهر الحرام، ومن الأيام يوم الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر، فعَظِّمُوا ما عظم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم والعقل.

 

لماذا سميت هذه الأشهر الأربعة بالأشهر الحُرم ؟

 

-  قيل إنما سميت حُرماً لتحريم القتال فيها، قال تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ}[3].

 

- وقيل: سميت هذه الأشهر الأربعة بالأشهر الحرم لحرمة الذنب فيها، كما قال تعالى:

 

{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}[4].

 

أي: فلا تظلموا أنفسكم بارتكاب المعاصي أو ترك الطاعة في هذه الأشهر الحرم، وقيل: بل في جميع شهور السنة.


قال قتادة رحمه الله: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحُرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يُعظم من أمره ما يشاء[5].

 

فإذا كانت السيئة تعظم في الأيام العادية – كما قال بعض السلف: لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت - فكيف بالأشهر الحرم .

 

وشهر رجب من الأشهر الحرم وكانت تعظمه العرب في الجاهلية، ومعانيه في اللغة تدور حول التعظيم والمهابة، ومن عجب أن يمتد تعظيمه إلى يومنا هذا من قِبَلِ كثير من الناس.

 

فكان هذا الشهر مُعَظَّماً في الجاهلية؛ ولذلك كانوا يسمونه بعدة أسماء منها:-


الأصبُّ: لقولهم أن الرحمة تٌصب فيه، ويسمونه الأصم: لأنهم لا يسمعون فيه قعقعة السلاح، ويسمونه رَجَم: لأن الشياطين تُرجم فيه، ويسمونه الشهر الحرام، ويسمونه الهَرِم: لأن حُرمتُه قديمة، ويسمونه المقيم: لأن حرمته ثابتة، ويسمونه شهر العتيرة: لأنهم كانوا يٌذبحُون فيه، ويسمونه مُنصِّلُ الأسنة: لأنهم كانوا ينزعون الحديد من السلاح، ويسمونه مُنَفس، ويسمونه مُطهر، ويسمونه المُعَلَّي: لأنه رفيع عند أهل الجاهلية، ويسمونه الفرد، ويسمونه منصل الآل: أي الحراب ، ويسمونه منزع الأسنة أو منزع الآلة: (الحربة)، ويسمونه المبرئ، ويسمونه المقشقش أي المميز، ويسمونه شهر الله، ويسمونه رجباً: لأنه مشتق من الترجيب وهو التعظيم، وكانوا يسمونه رجب مضر وهكذا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم.


وكثرة الأسماء لرجب تدل على مدى تعظيم أهل الجاهلية له، فكثرة الأسماء تدل على عظم المسمّى.

 

وجاء الإسلام ولم يخص رجباً بعبادة دون غيره من الشهور، لكن ذهب بعض الناس في هذا الزمان بتخصيص رجب ببعض العبادات والاجتهاد فيها، بل والدعوة إليها، وما فعلوا هذا إلا تقليداً؛ فهي أمور توارثوها عن الآباء والأجداد وليس عليها أثارة من علم، أو فعلوا هذه العبادات اعتماداً على أحاديث موضوعة أو ضعيفة .


والواجب على المسلم الحرص على اتباع الدليل الصحيح في كل شؤونه، ويتأكد ذلك في العبادات والطاعات.

ولله در ابن القيم حين قال:


العلم قـــال الله قـــال رســــولُهُ                ...                  قال الصحابةُ ليس بالتمويه

ما العلم نصبك للخلاف سفاهةً                ...                  بين الرسول وبين رأى فقيه

 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه عن غيره.


وقال أيضاً: وأما الأحاديث الواردة في فضل شهر رجب أو في فضل صيامه أو صيام شيء منه فهي على قسمين: ضعيفة وموضوعه[6].


وهكذا قال النووي وابن تيمية وابن القيم رحمهم الله جميعاً.

 

وهذه بعض البدع التي يقع فيها الناس في رجب ويحسبونها من الشرع وهى ليست منه:-

 

وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وعند مسلم بلفظ: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" أي مردود على فاعله غير مقبول منه [7]
و قال صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة"[8].

 

1- تخصيص رجب بصيامه كله أو بصيام شيء منه


أما حديث: "صُم من الحُرُم واترك" فهو ضعيف ( أخرجه أبو داوود وابن ماجة ).


قال ابن تيمية: أما تخصيص رجب وشعبان جميعاً بالصوم أو الاعتكاف فلم يرد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ولا عن أصحابه، ولا أئمة المسلمين... وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه كلها ضعيفة بل موضوعة (مجموع الفتاوى).

 

2- المبالغة في تعظيمه


بناءاً على الأحاديث التي وردت في فضله وهي كما قال الأئمة تدور بين الضعيفة والموضوعة.

 

3- تخصيص صلاة له مثل صلاة الرغائب


والحديث الوارد في فضها باطل وموضوع.

 

4-الاعتمار في رجب خصوصا من دون الشهور

 

واعتقاد أن العمرة فيه لها مَزِيَّة دون غيره من الشهور، فهذا مردود على صاحبه؛ لأنه لم يرد فيه أي دليل.

 

5- اعتقاد الكثير من الناس أن ليلة الإسراء والمعراج كانت في السابع و العشرين من رجب، فيصومون نهارها ويقومون ليلها، وهذا فهم خاطئ لأنه لا يوجد دليل على أن هذه الليلة هي ليلة الإسراء، ولم يثبت حتى من جهة التاريخ؛ فالمؤرخون مختلفون في وقت الإسراء و المعراج، وحتى لو ثبت تاريخها فإنه لم يثبت تخصيصها بشيء من العبادات.

 

6- الذبح المخصوص في رجب وجعله موسماً
 والذبح في رجب كان يُفعل في الجاهلية وهو ما يعرف: بالعتيرة، والعتيرة شاة تذبح عن أهل بيت في رجب كان يفعله أهل الجاهلية فلمـا جاء الإسـلام أبطل ذلك، وهذا ما ذهب إليه الأحنـاف والمـالكية والحسن، ومما استـدلوا به ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا فرع ولا عتيرة".

 

تنبيه مهم:
ليس معنى النهي عن التخصيص بفعل ما هو التخصيص بالترك، فإذا لم يرد تخصيص شهر رجب بطاعات معينة فإنه لا يفهم من ذلك أننا نخصصه بترك الطاعة، فإذا كان هناك ثمّ صيام يصومه المرء واعتاده، وله فضل ثابت بأدلة أخرى صحيحة كصيام: الاثنين والخميس، أو الثلاثة أيام من كل شهر، أو صيام يوم ويوم، فليصم هذا الصيام ولا شيء عليه، لأن أصل الصيام مندوب إليه بشرط ألا يخص رجب أو غيره بصيام ويواظب عليه.
وهكذا العمرة والقيام وسائر الطاعات، لا بأس أن يفعلها العبد بل يستحب له فعلها على الأصل وليس تعظيماً للشهر؛ لأنه كما ذكرنا لم يرد دليل صحيح لهذا التعظيم.

 

وهذه بعض الأحاديث التي تروى في فضل رجب وبيان حكمها:

1/ حديث "اللهم بارك لنل فى رجب وشعبان وبلغنا رمضان"    (ضعيف).

2/ حديث "فضل شهر رجب على الشهور كفضل القرآن على سائر الكلام"    (موضوع).

3/ حديث "رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي"   (موضوع).

4/ حديث على رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن شهر رجب شهر عظيم من صام فيه يوما كتب الله به صوم ألف سنة"   (موضوع).

5/ حديث "إن في الجنة نهراً يقال له رجب من صام يوماً من رجب سقاه الله من ذلك النهر"   (باطل).

6/حديث "من صام ثلاثة أيام من شهر حرام كتب الله عبادة تسعمائة سنة"   (ضعيف جداً).

7/حديث "لا تغفلوا عن أول جمعه من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة الرغائب إلى آخر الحديث"   (موضوع).

8/ حديث "من صلى بعد المغرب أول ليلة من رجب عشرين ركعة جاز على الصراط بلا نجاسة"   (موضوع).

 

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وارزقنا اتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، واصرف عنا البدع وشرَّها.
والحمد لله رب العالمين.

 


[1] التوبة:36.

[2] رواه البخاري ومسلم.

[3] البقرة:217.

[4] التوبة: 36.

[5] تفسير الإمام الطبري "10/289" – تفسير ابن كثير والقاسمي وجامع العلوم والحكم لابن رجب3/317.

[6] كتاب تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب للحافظ ابن حجر.

[7] البخاري ومسلم.

[8] رواه مسلم.

 

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 3+3=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع