المقالات

!!!صديقي المتشدد

الشيخ /  محمود ريان


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

صديقي يحتل منصبًا مرموقًا في المجتمع، له طقوس وعادات خاصة كثيرة التعقيد والتشدد، لا يلبس إلا أفخر الثياب من الماركات العالمية ولا يقبل أبدًا أن يرتدي ساعة يد أو بدلة أو يستخدم هاتفًا إلا أن يكون من أغلى وأفخر وأشهر الماركات، لا تراه أبدًا يركب سيارة تاكسي فضلاً عن أن تراه يومًا من الدهر بجوارك في أتوبيس النقل العام أو حتى في أي وسيلة مواصلات عامة، يختار من السيارات أفخمها وأغلاها فلا يملك إلا سيارة من الطراز الألماني.


لا يمكنك أن تراه يومًا يزاحم الناس من عامة الشعب في طابور مثلاً أمام جمعية استهلاكية أو حتى لشراء خبز، وإن رأيته يومًا ممسكًا بكيس القمامة يرميه كما يفعل عامة الناس فلا بد أنك واهم بلا شك وأن هذا الرجل شبيه له وليس هو صديقي أبدًا.

 

لا تراه يرتدي ثيابًا بالية ولا مرقعة بل ربما لا يرتدي بعض الملابس إلا مرة في الدهر ثم لا يلتفت إليها بعد ذلك.

العطور، حدث ولا حرج، فهي من باريس، والساعة من سويسرا، والأحذية من إيطاليا.

 

وإذا أراد قضاء عطلته الصيفية، فلا أقل من الغردقة وشرم الشيخ حيث الصفوة من الناس، هذا إن قضى عطلته الصيفية في مصر، وإلا فهو ينأى بنفسه وبمكانته عن الذهاب إلى الإسكندرية حيث صارت مرتعًا لعامة الشعب والرعاع من فئات المجتمع.

 

إذا أردت الاستمتاع بطبق من الفول الشهي على عربة فول في حي شعبي أو تناول وجبة كشري ربما على الكورنيش، فأنت لا تمثل له سوى مشهدًا عابرًا يراه من وراء نظارته اليابانية وهو يركب سيارته الألمانية ممسكًا بيده جريدته باللغة الإنجليزية، فهو لا يحب الكلام بالعربية.

 

حاولت إخباره يومًا أن الدنيا بها كثير من الملذات وأنت تحرم نفسك منها، حاولت إغراءه بقضاء عطلته الصيفية يومًا في بلطيم أو في رأس البر كي يخالط الشعب ويعيش حياة بسيطة خالية من التعقيدات، حاولت أن آخذه كي يأكل معي وجبة لذيذة من الفول على عربة في حي شعبي بالإسكندرية، فقال لي إن منصبي ومكانتي يمنعانني من ذلك.

 

حاولت تطعيم كلامي بصبغة دينية لعلي أحرك الوازع الديني في قلبه فيتمثل لطلبي ويرى الدنيا من منظوري، فقلت له إن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كان يخالط الفقراء ويفترش الأرض ويقبل دعوة الفقير، فكان يقول لي ولكن هذا ليس واجبًا علي وأنا أختار الأكمل في هذه الحياة الدنيا، فنفضت يدي منه وقلت له أنت وشأنك ولكنك تشدد على نفسك كثيرًا.

 

إن هذا الصنف من الناس في الحقيقة، كثيرًا ما تراه في كل مكان حولك، بل إنه صار القدوة والمثل الذي يحتذى به لدى كثير من الناس في الحياة الدنيا إلا من رحم الله عز وجل، فصار لا يختار من النوادي إلا أرقاها ولا من المراكب والمطاعم والمشارب إلا أفخرها وأشهرها وأغلاها، فإذا سألته عن دينه وأي المذاهب يتبع وأي السبل يسلك رأيت تناقضًا عجيبًا في سلوكه فترى الرجل الذي ينتقي الأكمل والأفخر والأغلى في الدنيا، ربما لا يعرف شيئًا عن دينه وإذا ألجأته الأيام إلى فتوى أو مسألة فقهية تراه يأخذ أيسرها بغض النظر عن صحتها من عدمها، وللأسف صار هذا المبدأ يسري في كثير من فئات المجتمع فلا يختص بطبقة دون طبقة ولا بفئة دون فئة بل في جُلِّ فئات المجتمع.

 

لا أنسى هذا الرجل المزارع الذي لا يحسن القراءة والكتابة وقد قابلته في محل للأدوات الكهربائية في مكة يومًا من الدهر، حيث يولع المصريون بشراء الأجهزة الكهربائية، وكان الحوار بينه وبين البائع الذي يبدو أنه لا يحسن العربية، فكان الرجل المزارع يقول له أريد مكواة ياباني، فيجيبه الرجل هذه هي، فكان لا يصدقه، وطلب مني أن أقرأ المكتوب على المكواة حتى أؤكد له أنها من النوع الذي يطلب، وما أدراه هو بالياباني ولا بهذا النوع تحديدًا!! إنما سأل عن أفضل الأنواع وأحسنها وأجودها فقالوا له هذا النوع فهو لا يريد غيره، ولا يطلب سواه، فإذا ما أجابه البائع وقدم له طلبه، ما اكتفى بشاهد واحد ولكن طلب شاهدًا آخر ودليلاً محايدًا يَصْدُقه القول فوقع اختياره عَلَيَّ أنا فسألني فأجبته.

 

مثل هذا الرجل المتواضع في العلم والثقافة كان جالسًا في درس فقهي كنت ألقيه يومًا في أحد المساجد وكان الحديث عن لحم الإبل والخلاف في نقضها للوضوء من عدمه، وكان الراجح من الأدلة - والله أعلم - بأنه ينقض الوضوء، فبينت ذلك وقلت إن الذي ينبغي على المؤمن التحرز لدينه واتقاء كل ما يكون من شأنه أن يعرض عبادته للخطر، فقاطعني الرجل وقال ولكن الدين يسر وهذا من التشدد والتعنت، فتذكرت أخاه الذي سألني عن المكواة الياباني يومًا وطلب الاستيثاق، فقلت سبحان الله، يا أخي اعتبرها مكواة!!!!

لماذا لا يقبل هؤلاء بالمكواة الكوري أو الماليزي أو حتى الصيني ولا يطلبون إلا ما اجتمع عليه الناس في جودته حتى وإن كلفهم هذا الثمن الغالي؟

لماذا يتعنت هؤلاء بهذا الشكل في دنيا بالية ربما يموت صاحبها ويبلى قبل أن تبلى هذه الآلة التي طلبها لتعيش معه حينًا من الدهر؟

لماذا لا يقبل كثير من الناس أن يمشي في الشارع بثياب مرقعة متسخة، وفي الوقت نفسه يقبلون أن يرقعوا دينهم وأن يدنسوا قلوبهم وأن يختاروا الدنية من أمر دينهم؟!

لماذا يأنف كثير من الناس من تقليد واتباع العامة في شتى مجالات الحياة فتراهم يختارون مجالسة الصفوة في مطاعمهم ومشاربهم فإذا تعلق الأمر بفتوى دينية اختاروا أحط الآراء وأدناها لا لشيء إلا لموافقتها لهواهم؟

 

لماذا يصف الناس من يحتاط لدنياه بالمتأنق المتحضر المتمدن ويصفون من يحتاط لدينه بالمتشدد المتزمت؟

لماذا يتمثل كثير من الناس في أمور الدنيا سماحة الرسول صلى الله عليه وسلم - وهي حق - فيضعونها في غير موضعها؟

ألا يعلم هؤلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لأن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه خير له من أن يمس يد امرأة لا تحل له"؟

ألم يسمع هؤلاء بموقف المخزومية التي سرقت؟ فكلم الناس أسامة بن زيد رضي الله عنه يُكَلِّم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب واحمر وجهه وقال: "أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة".

 

ألم يقرأ هؤلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على الحسن والحسين رضي الله عنهما فيرى التمرة في يد أحدهما وهو صغير لا يتكلم بعد ولا يعقل فيخاطبه قائلاً: "كخ كخ، ألا تعلم أنا آل محمد صلى الله عليه وسلم لا نأكل من الصدقة؟" ؟ وأنى له أن يعلم يارسول الله وهو لم يعقل بعد؟!!!! ولكنه التنزه عن كل ما قد يكون فيه مظنة شبهة.

ألم يسمعوا قول رسولهم صلى الله عليه وسلم واصفًا ربه سبحانه وتعالى بقوله: "إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها"؟.

 

 ألم يفهم هؤلاء المغزى مما رواه رسولنا صلى الله عليه وسلم عن واحد ممن تكلموا في المهد فذكر أن منهم رضيعًا من بني إسرائيل كانت أمه ترضعه في الطريق، فلما مَرَّ بها رجل غني في دابة فارهة وثياب فاخرة قالت: اللهم اجعل ولدي مثله، فترك الصبي ثدي أمه وقال: اللهم لا تجعلني مثله، فلما مرت بعد ذلك جارية يعذبها قومها ويضربونها، قالت المرأة: اللهم لا تجعل ولدي مثلها، فترك الصبي ثدي أمه وقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت الأم: مالك؟ فقال يا أُمَّه، هذا رجل مغرور متكبر يبغضه الله، وهذه امرأة مؤمنة متوكلة على الله يحبها الله.

 

ألم يعلم هؤلاء أن المغزى ليس فيما تلبس من الثياب؟ ولكن فيما وَقَرَ في القلوب من الإيمان مع ما صدقه من العمل مهما اختلفت الثياب والزينة.

ألم يأن لهؤلاء أن يتعاملوا مع ربهم عز وجل بالمعيار نفسه الذي يتعاملون به مع من هم دونه من خلقه فيختاروا الأكمل والأفضل في الدين كما يختارون الأكمل والأفضل في الدنيا؟!

والحمد لله رب العالمين.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 2+2=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع