المقالات

ارتباط الاقتصاد بتعاليم الإسلام و القيم الأخلاقية

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

 

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين و بعد...

 

الإنتاج و عناصره : - عرف محمد بن الحسن ( الكسب ) بأنه : تحصيل المال بما يحل من الأسباب فقد نص على ضرورة تحصيل المال بالطرق المشروعة ، أما في النظم الأخرى  فلا تشترط إباحة وسائل الإنتاج ، لذلك تبيح إنتاج الخمور و المخدرات . .  .  الخ. فالعمل الصالح أو المنتج هو السلوك الذي يتفق مع ما جاء به الشرع سواء أكان زراعة أم صناعة أم تجارة أو إجارة إلخ .

 

العلاقة بين المال و العبادة :- إن تحصيل ما يحتاج إليه المسلم من المال ضروري لفعل الطاعات وأداء الفرائض كما أنه لا يُتوصَّل إلى أداء الصلاة إلا بالطهارة و لابد من إناء يستقي به الماء    ، ولا يُتوصَّل إلى أداء الصلاة إلا بستر العورة وإنما يكون بثوب ، فالإناء و الدلو و الثياب هي رؤوس أموال وآلات إنتاج .

 

أهمية تقسيم العمل و أثره في التنمية الاقتصادية :-

          

إن تقسيم الأعمال له أثره في رفع الكفاية الإنتاجية ، بيَّن ذلك  محمد بن الحسن والغزالي والعز بن عبد السلام وابن خلدون-رحمهم الله- ، إذ لا يمكن لكل أحد أن يتعلم جميع الأعمال بحيث يستغني عن الآخرين ، و لو اشتغل بذلك فني عمرُه قبل أن يتعلم ، فالله تعالى يسر على كل أحد منهم تعلم نوع من ذلك كما قال تعالى: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [ الزخرف: 32]. يعنى أن الفقير يحتاج إلى مال الغني ، و الغني يحتاج إلى عمل الفقير ، و الزارع يحتاج إلى عمل النسَّاج ليحصل على اللباس، و النساج يحتاج إلى عمل الزارع لتحصيل الطعام ، و قال تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }[المائدة:2].، وقال النبي -صلى الله عليه و سلم-: " والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه " [رواه مسلم]. فإذا نوى العامل بعمله التمكن من إقامة الطاعة أو تمكين أخيه من ذلك كان مُثاباً على عمله باعتبار نيته .

 

حكم الكسب :-   

 

1- ما يفترض على كل أحد اكتسابه عيناً هو ما يقيم به صلبه ، لأنه لا يتوصل إلى إقامة الفرائض إلا به ، و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب قال النبي -صلى الله عليه و سلم-: " من أصبح آمنا في سربه معافاً في بدنه ، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " [ابن حبان] .

2- و إذا كان عليه دين فالاكتساب بقدر ما يقضى به دينه فرض عليه لأن قضاء الدين مستحق عليه عيناً . 

3- و إذا كان له زوجة وأولاد فإنه يفترض عليه الكسب بقدر كفايتهم ، لأن الإنفاق على زوجته مستحق عليه قال تعالى :{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ } [الطلاق:6]، وقال تعالى :{ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [البقرة:233] . 

4- فإن كان له أبوان كبيران معسران فإنه يُفترض عليه الكسب بقدر كفايتهما ، لأن نفقتهما مستحقة عليه . وبعد ذلك الأمر موسع عليه فإن شاء اكتسب و جمع المال وإن شاء أبى. فقد روى البخاري "أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يحبس لأهله قوت سنتهم " [كتاب النفقات 5/248] .

 

فروع النشاط الاقتصادي:-

 

وهي محصورة في أربعة أصناف : الزراعة والتجارة والصناعة والإجارة وحكم ممارستها مباح .

 

فضل التجارة :-

 

جاء في فضل التجارة آيات وأحاديث ، قال تعالى: { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } [المزمل:20 ] والمراد بالضرب في الأرض التجارة . 

 

و قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } [النساء:29] ،و قال النبي -صلى الله عليه و سلم-: " التاجر الصدوق الأمين مع النبيين و الصديقين والشهداء يوم القيامة " [رواه الترمذي و قال حديث حسن ]، وعلى التاجر تَعلُّم أحكام التجارة و البعد عن الربا وتعلم أحكام الزكاة .

 

فضل الزراعة :-

 

قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم- "ما من مسلم يغرس غرساً ، أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة " [متفق عليه].

و عن أنس مرفوعاً "إن قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها " [رواه أحمد  الصحيحة رقم 9] .والأنصار كانوا أهل زرع وغرس ولم يأمرهم النبى أن يتخلوا عن ذلك ,أما حديث البخاري (أن أبا إمامة الباهلي قال – حين نظر إلى آلة حرث – سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول " لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل "

فللجمع بين هذه الأدلة يقال : الآثار المروية في ذم الزراعة فيما إذا اشتغل الناس كلهم بالزراعة ، وأعرضوا عن الجهاد حتى يطمع فيهم عدوهم ، فإذا اشتغل بعضهم بالجهاد وبعضهم بالزراعة ، فإن عمل الزراعة فيه معاونة للمجاهد ، و في عمل المجاهد دفع عن المزارع. ويدل على هذا الجمع حديث " إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم بأذناب البقر ، و رضيتم بالزرع و تركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " [رواه أبو داوود :3462] .

 

الحاجات الاقتصادية :- فالحاجات الأساسية أربعة أشياء :- 

 

الطعام ، و الشراب ، و اللباس ، و السكن . 

أما الطعام :- فقال الله تعالى: { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } [الأنبياء:8]، وقال تعالى: { كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ } [البقرة:60] . 

و أما اللباس:- فقال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا } [الأعراف:26] . 

و أما السكن :- فقد قال الله تعالى: { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا ...  } [ النحل:80].

 

الاستهلاك على ثلاثة أوجه :- 

 

1- في مقدار ما يسد به رمقه و يتقوَّى على الطاعة هو مُثابٌ غير مُلام . 

2- و في ما زاد على ذلك إلى حد الشبع هو مباح له مرخص فيه و مطالب بشكر النعمة و حق الجائعين . 

3- و فيما ذاد على الشبع هو مُعاتب. فإن الأكل فوق الشبع لا يجوز لأنه لا منفعة في الأكل فوق الشبع ، بل فيه مضرة ، و لأن ما يزيد على مقدار حاجته من الطعام فهو حق غيره ، فهو في تناوله جانِ على حق الغير ، فإنه يسد به جوعه إذا أوصله إليه بعوض أو بغير عوض .

 

- و يحرم الإضراب عن الطعام و الشراب إذا أدى إلى هلاك النفس ، أو العجز عن القيام بالفرائض ، ومن امتنع عن الأكل و الشرب حتى مات وجب عليه دخول النار ، لأنه قتل نفسه قصداً .

 

الإنفاق و ضوابطه

 

أولاً : حكم الإنفاق :-

 

1- الفرض : 

أ - الإنفاق على النفس : لأن الإنسان مأمور بالمحافظة عليها و إبقائها . 

ب - الإنفاق على الزوجة و الأولاد. 

جـ - الإنفاق على الوالدين الكبيرين المعسرين قال رجل لرسول الله -صلى الله عليه و سلم- : "معي دينار" قال: "أنفقه على نفسك" . قال: "معي آخر" . قال: " أنفقه على عيالك " قال: "معي آخر" قال: " أنفقه على والديك " . 

د – الإنفاق بقدر سداد الدين ، لأن قضاء الدين فرض . 

2- الندب : 

 يندب الإنفاق على ذوي الرحم المحرم من غير الوالدين إذا كان المنفق موسراً لما في ذلك من صلة الرحم لقوله -صلى الله عليه و سلم-: " من سره أن يبسط له في رزقه أو ينسأ ً له في أثره فليصل رحمه " [ متفق عليه] .  

3- الحرام :

يحرم الإنفاق على المحرمات ، مثل الحرير للرجال ، واتخاذ أواني الذهب و الفضة . 

4- المباح :

يباح الإنفاق على المباحات ، و التوسع فيها بشرط أن لا يصل إلى حالة الإسراف قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] [ الأعراف:32] ، وقال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } [الأعراف:31].

 

 ثانياً : ضوابط الإنفاق و الاستهلاك :-

 

1- عدم الإسراف :

إن الإسراف أو التقتير على النفس أو العيال لا يجوز لقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين } [ الأعراف:31] .

و من صور الإسراف الأكل فوق الشبع ، و منه أن تضع على المائدة ألوان الطعام فوق ما يحتاج إليه الأكل . 

2- عدم المباهاة و الخيلاء :

يجب على المرء ألا يقصد من إنفاقه التكبر على الخلق أو التفاخر عليهم قال النبي-صلى الله عليه و سلم-: " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير إسراف و لا مخيلة" [رواه البخاري] . 

3- عدم الإنفاق في المحرمات :

من الإسراف أن يلبس نهاية ما يكون من الحسن و الجودة في الثياب على وجه يشار إليه بالأصابع ، أو يلبس نهاية ما يكون من الثياب الخَلِقة على وجه يشار إليه بالأصابع فأحدهما يرجع إلى الإسراف والآخر إلى التقتير ، فخير الأمور الوسط .

 

و معنى الترشيد الذي يذكره الاقتصاديون قريباً من معنى الإنفاق بالمعروف الذي يذكره الفقهاء،

و كما أن الإسراف مذموم فإن التقتير يؤدي إلى نقص الاستهلاك في المجتمع و يقود بدوره إلى الانكماش و كساد السلع ، و يقود إلى البطالة بسبب انسحاب بعض المنتجين من السوق وهذا الرأي أيده كبار الاقتصاديين الغربيين و في طليعتهم كينز و هانس كلارك .                                                

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 3+3=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع