المقالات

لماذا نحتاج إلى القوانين الإلهية لا إلى التشريعات البشرية ؟

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه ، وبعد .

ففي هذه الرسالة الجواب الشافي عن هذا السؤال :

لماذا نحتاج إلى القوانين الإلهية لا إلى التشريعات البشرية ؟

 

والجواب :-

 

1) لأن الشريعة مصدر إلهي ، فهي معصومة من الخطأ و من الزلل .

2) الشريعة الإسلامية عامَّة خالدة .

3) الشريعة الإسلامية كاملة شاملة .

4) تُحقق الانسجام في سلوك المسلم و حياته .

5) وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى .

6) من مميزات الشريعة السمو و الكمال و الخلود و الاستقرار .

7) تواكب الحداثة و التطور و الحضارة الجديدة .

 

مقارنات بين الشريعة الإسلامية و القوانين الوضعية

 

أمثلة من المقارنات :

 ينقسم فقه الشريعة إلى قسمين :

الأول :

العبادات ، و تشمل القواعد التي تنظم صلة الإنسان بربه تعالى .

الثاني :

 المعاملات ، و تشمل القواعد القانونية التي تنظم صلة الإنسان بأخيه الإنسان في وطنه وفي الدول الأخرى ، كما تنظم صلة الدول بعضها بالبعض ، وهذا القسم يشمل مختلف أنواع القوانين الوضعية بمسميات عصرية ، و قد نجد لها مقابلاً في مصطلحات فقهاء الشريعة الإسلامية فالقانون العام الدستوري والإداري يقابله في الشريعة عبارة ( السياسة الشرعية ) أو (السياسة الحكمية ) والقانون المدني والتجاري يقابله لفظ ( العقود ) .

 

السياسة الشريعة ( القانون الدستوري )

القانون الدستوري في مفهومنا العصري يحدد حقوق الأفراد في الدولة وحرياتهم ،و يعالج كيفية بناء وإنشاء الأجهزة الأساسية التي تتكون منها الدولة ويطلق عليها البعض السلطات الثلاثة ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) ومدى انفصالها أو تعاونها ، ومراقبة بعضها البعض .

والسياسة الشرعية في دار الإسلام تشمل ذلك كله في مصطلح الفقهاء ، و تندرج تحتها الخلافة ( رئاسة الدولة ) ، والشروط التي يجب أن تتوافر في الخليفة ، وكيفية اختياره بواسطة أهل الحل والعقد ، ومن هم ؟ وما كُنْه الصلة بين الخليفة والشعب ، وهل هو وكيل عنهم و لهم عزله إن حاد عن الدين ، والمصلحة العامة ؟ ثم كيفية إنشاء الدواوين والمصالح العامة ( الوزارات ، و الولايات ) .

 

1-    الحريات العامة

الحرية والإخاء والمساواة شعارات نادت بها الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ، وادَّعاها الأمريكيون ،والإسلام سبقهما في ذلك الشأن بثلاثة عشر قرناً من الزمان فالإسلام حين نادى بها على أنها قواعد أساسية وَقَرَت في نفوس المسلمين وعَمَّقتها على أنها تطبيقات عملية في العبادات والمعاملات أما أولئك المدعين فقد نادوا بها مجرد شعارات زائفة براقة تطبق على البعض دون البعض الأخر .

 

فالصلاة  ترى فيها الأخوة والمساواة في الجماعة المفروضة ، فالصف الأول لمن سبق من المسلمين لا فرق بين أمير وحقير ، لا تمايز ولا تفاضل حيث ترى الفقير إلى جوار الأمير .

 

والصوم  صوم شهر معين هو شهر رمضان ، وهو فرض على جميع المسلمين القادرين لا يعفى منه ذو الجاه وذو السلطان ، فالكل فيه سواء .

 

أما الحج فتتجلى فيه المساواة بين جميع الحجاج ، ففي الإحرام يتجرد الكل من كل ما يتمايز به الناس من زينة ولباس ، والموقف في عرفات واحد للجميع هذه هي المساواة الحقة و الإخاء الدقيق وقال صلى الله عليه و سلم : " المسلمون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، ويجير عليهم أدناهم " ( رواه أبو داوود ) .

 

وقال : " لا فضل لعربي على أعجمي ،ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى " ( الصحيحة رقم  700 ) .

 

 وقد ساوى بين أبي بكر القرشي ، وصهيب الرومي ،وسلمان الفارسي وبلال الحبشي ، أين هذه المساواة الحقة في الإسلام من تلك المساواة الزائفة التي تَدَّعيها أمريكا والغرب ، والتفرقة العنصرية هنالك بين البيض والسود فيحرم على السود غشيان المحال العامة التي يغشاها البيض .

 

- و قد ولَّى النبي صلى الله عليه و سلم أسامة ابن زيد قائداً على جيش المسلمين في غزوة مؤتة وفي الجيش كبارالصحابة .

 

وفي غزوة بدر تَعاقَبَ كُلُّ ثلاثة على بعير ، فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحباه أن يتنازلا له عن حصتهما في الركوب فأبى وقال : " إني مثلكما في الحاجة إلى أجر الله و ثوابه " .

 

الشورى ومراقبة الحكام

 

هذا مبدأ من أهم مبادئ الحكم التي تنص عليها وتبرزها الدساتير العصرية الوضعية والإسلام في هذا الصدد يأبى على الحاكم أن يستبد بأمور الحكم ، فالأمر بين المسلمين شورى كما قال تعالى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمَرِ } ، { وَأَمْرُهُمْ شُوْرَى بَيْنَهُم } .

 

- من أمثلة الشورى في الإسلام :-

 

1- في غزوة بدر ، حيث قال الحباب ابن المنذر : يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله فلا يحل لنا أن نتحول عنه أم هو الرأي والحرب والمشورة ؟ فقال : " بل هو الرأي والحرب والمشورة " فقال : ليس هذا بمنزل فنزل الرسول على رأيه .

 

2-  وفي غزوة أحد ، شاور الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ، وكان يميل إلى البقاء في المدينة متحصناً بمبانيها إلا أن الأنصار حملتهم حمية الجهاد على أن يخرجوا للقاء العدو عند أحد ، فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم على رأيهم ، ولم يكن الخروج هو سبب الهزيمة .

 

3- في غزوة الخندق ، عَمِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشورة سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة ، وهي خطة غير مسبوقة لا عَهْدَ للعرب بها .

 

نماذج من المقارنات في القانون الإداري :-

 

تكافؤ الفرص في الوظائف العامة مع مراعاة الكفاية و عدم المحاباة :

 

1) يجب على الدولة في العصر الحاضر ممثلة في وزرائها ورؤساء المصالح أن يساووا بين الناس في تولي الوظائف العامة ، بحيث يولى كل عامل العمل الذي يصلح له دون إهدار حق ولا محاباة ، على أن يُرَاعَى الأكفأ فالأكفأ عند الاختيار ، فولاية الوظائف العامة أمانة ، وكل صاحب سلطان سيحاسب على عمله يوم القيامة ، وحينما طلب أبو ذر ولاية قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يا أبا ذر ، إنك رجل ضعيف وإنها لأمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة " ، وقال الله تعالى : {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ } .

 وحينما رَشِّحَ عمر ابن الخطاب رضي الله عنه للخلافة بعده ستة منهم سعد ابن أبي وقاص قال : إن أصابت الإمرة سعداً فهو لها أهل ، وإن لم تصبه فليستعن به أحدكم فإني لم أعزله - يعني عن الكوفة - عن عجز ولا خيانة  .

 

2) القضاء الإداري الحديث ، قديم في الشريعة بقدم الإسلام :

 

لما نودي في فرنسا بعد الثورة بالفصل بين السلطات الثلاثة ، كانت القرارات الإدارية التي تصدر من السلطة التنفيذية لا تخضع لرقابة القضاء ، بمعنى أن الوزير إذا اصدر قراراً أوفصل موظفا ظلماً وبغير الطريق القانوني ، فكانت هذه القرارات الإدارية في جميع الدول إلى القرن الثامن عشر الميلادي لا يمكن الطعن فيها ممن وقع عليه الضرر إلا بطريق التظلم إلى رئيس المصلحة صاحب السلطة الذي أصدر القرار ، و لكن بعد الثورة الفرنسية وُجِدَت محاكم إدارية يستطيع من وقع عليه الضرر أن يرفع الدعوى ضد الوزير أمامها مطالباً بإلغاء القرار الإداري الظالم الذي صدر بفصله من عمله ، ويطلب حقه في التعويض عن الضرر .

 

 ونسارع إلى القول بأن قضاء المظالم في الشريعة الإسلامية هو بعينه القضاء الإداري ، بل هو أشمل منه وأسبق بثلاثة عشر قرناً ، فكان الناس يتظلمون من تصرف الحكام والولاة إلى الخليفة في عهد عمر وعلى الذي خصص يوماً لذلك وسمي هذا النوع قضاء المظالم ، وفعل مثل ذلك عبد الملك ابن مروان ، وعمر ابن عبد العزيز ، ثم تطور النظام فخصصت الدولة قاضياً خاصاً للمظالم .

 

 ويصح في الشرع الإسلامي أن من رأى مظلمة وقعت من الولاة والحكام على بعض الناس أن يرفع الأمر إلى قاضي المظالم ، ولو لم يقع الضرر عليه مباشرة – وهذا فرع من قضاء الحسبة – .

 

ومن هذا يتبين أن الشرائع الوضعية لم تصل بعد إلى ما وصلت إليه الشريعة الإسلامية في هذا الصدد .

 

ومن أروع الأمثلة التي تضرب لذلك حادثة وقعت لأهل سمرقند في عهد عمر ابن عبد العزيز ، وذلك أن القائد قتيبة ابن مسلم دخلها ليلاً مفاجأة لأهلها ، فأمر الخليفة أن ترفع القضية  إلى قاضي الولاية المجاورة ( جميع ابن خاطر الباجي ) فلما ثبت لديه صحة الدعوى قضى بإخراج الجيش .

 

- و يلاحظ أنه بعد الحروب في العصر الحاضر تحرم الدول على القضاء أن ينظر فيما وقع من جيوشها من مظالم على أفراد الشعوب الأخرى

أنظر ماذا فعل الجيش الأمريكي في العراق و أفغانستان من جرائم من غير حساب ولا عقاب .

 

ثانياً : نماذج من المقارنات في القانون المدني و التجاري : -

 

1-    الكتابة في الإثبات في المعاملات التجارية

يجوز الإثبات بالبينة مهما بلغت قيمة المعاملة والدين ، هذا في القوانين الوضعية ، أما في الشريعة فقد تكفلت الآيتان (282) ، ( 283) من سورة البقرة بكثير من قواعد الإثبات في البيع والرهن والديون سواء كانت مدنية أو تجارية قال تعالى : {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } .

 

2- النظريات القانونية الحديثة سبق بها الإسلام

ظهرت في التشريعات الغربية الألمانية نظريات قانونية حديثة استدعاها التطور الصناعي في أوروبا ، ولم تكن معروفة من قبل لديها فاستنبطوا لها الأحكام ، وظنوا أنهم أول من قال بها ، وإذا بها جميعاً مؤصلة ، ومفصلة في الشريعة الإسلامية .

 

 ومنهاعلى سبيل المثال ) نظرية التعسف في استعمال الحق )

ومصدرها في الشريعة : قاعدة ( لا ضر و لا ضرار ) .

 

 وقد توسع الفقهاء فيها في مختلف أبواب الفقه الإسلامي بما لم تصل إليه أحدث التشريعات .

 

نظرية الحوادث الطارئة  

وهي ما يطرأ على العقد من ظروف لم تكن متوقعة وقت التعاقد تجعل التزام أحد الطرفين مخلاً بالنسبة لالتزام الطرف الآخر بما يؤدي إلى اختلال التوازن المالي للعقد ، ولذا لجأت التشريعات الحديثة إلى القول بوجوب الحد من قاعدة ( إن العقد شريعة المتعاقدين ) تحقيقاً للعدالة التي يجب أن تقوم بين طرفي العقد .

 

وهذه النظرية التي يظنون أنهم منشئوها متفرقة في أبواب الفقه الإسلامي تأسيساً على قاعدة ( لا ضرر ولا ضرار ) ، و( الضرورات تبيح المحظورات ) ، و( الضرورة تقدر بقدرها ) .

 

وهذه النظرية قد أخذ القانون المدني المصري الحديث بأحكام الشريعة فيها بالمادة ( 147) .

 

ثالثاً : مقارنات في القانون الجنائى

القانون الجنائي الوضعي هو مجموعة القواعد القانونية التي تحدد الجرائم والعقوبات المقررة لكل منها ، وكذا الإجراءات التي تتبع في كشف الجرائم ، وفي تعقب المجرمين ، ومحاكمتهم ، وتنفيذ العقوبة عليهم .

 

ويقابل هذا النوع في الشريعة ، الحدود والتعازير .

 

 والحدود لفظ يطلق على الجرائم الكبرى التي حددتها الشريعة بذواتها ، وحددت العقوبة عليها بنص صريح في القرآن أو السنة ، ولا يملك الحاكم ولا القاضي أن يزيد في عددها ، ولا أن يعدل في عقوبتها رفعاً أو خفضاً .

 

قال عز وجل : {  تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } ، وهي القصاص في القتل ، والسرقة ، والزنا ، والقذف ، وشرب الخمر .

 

أما التعازير فهي ما دون ذلك من جرائم ، وهي غير محددة لا في نوعها ولا في عقوبتها ، وإنما تركت الشريعة كل ذلك لولي الأمر في مختلف الأزمنة والأمكنة .

 

وعلى ذكر الحدود اعترض بعض فقهاء القوانين الوضعية عليها ، والرد على ذلك أن الله سبحانه وتعالى هو خالق النفس البشرية ، وهو أدرى بما يصلحها ، ويصلح حال الجماعة  ، وهي إن بدت شديدة أمام بعض من لا يدركون حكمتها إلا أنها من شدتها زاجرة قاطعة للجرائم .

 

 والزنا في الشريعة الإسلامية هو كل سفاح ليس بزواج شرعي ، وكل صلة بين رجل وامرأة ولو برضاهما معاً .

 

أما في القوانين الوضعية ، ومنها قانون العقوبات المصري المأخوذ من القانون الفرنسي ، فيجعل الاتصال الجنسي والمواقعة الفعلية مباحة مادام لا إكراه فيه ، وكان التراضي على اقتراف هذه الجريمة بين ذكر وأنثى غير متزوجة ، وسنها فوق الثامنة عشر ( مادة 69عقوبات ) ، ومعنى ذلك أن القانون الوضعي أحل الزنا في ظروف معينة ، ولا عقاب إلا في حالة الإكراه وصغر السن .

 

أما الزوجة المُحصَنَة فأمر ارتكابها للجريمة لم يترك للجماعة والنيابة العامة ، إنما ترك لرغبة الزوج ، فإن أراد مؤاخذة الزوجة أبلغ الأمر إلى النيابة ، وإن بدت له فكرة العدول أثناء التحقيق أوقفت النيابة التحقيق وأُخلي سبيل المرأة ، فإن بقى على بلاغه وصلت الزانية إلى المحكمة ، فينص القانون الوضعي على عقابها بالحبس ، والقانون المصري الوضعي فرق حتى في مقدار العقوبة في الجريمة الواحدة فعقوبة الزوج الزاني لا تزيد على ستة أشهر (المادة 277) ، و عقوبة الزوجة الزانية الحبس بما لا يزيد على سنتين ( المادة 274) ، فالنص كما هو ظاهر لا يعاقب على جريمة الزنا بل يعاقب على امتهان الزوج لحرمة بيت الزوجية .

 

 كذلك القاتل لا يُقتَصُّ منه بالإعدام ، إلا إذا اقترن بالجريمة جريمة أخرى كالسرقة والزنا ، أو إذا اقترنت بظروف مشددة كسبق الإصرار والترصد ، وعلى ذلك تعطل أحكام الشريعة الإسلامية من حيث وجوب القصاص من القاتل عمداً في مصر .

 

وحد الخمر أيضاً معطل بحكم القوانين الوضعية ، في حين أن بلاداً غير إسلامية كأمريكا حرمت الخمر فترة طويلة - 14 سنة - من سنة 1919 إلى سنة 1933- في حين أن قانوننا الوضعي أباح شرب الخمر والاتجار بها ، إلا أنه جعل عقوبة من يتجر في المخدرات الأشغال الشاقّة المؤبدة رغم أن الخمر حرمت بنص القرآن ، والمخدّر حُرِّمَ قياساً عليها .

 

هذه مقارنة سريعة و قصيرة تبين الفرق الكبير بين القوانين و الشريعة .

 

 

 العفو في القصاص ميزة أخرى للشريعة

 

قال تعالى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ، وقال : { وَ الجُرُوْحَ قِصَاص } ، فمن قَتَلَ يُقْتَصُّ منه بالقتل ، ومن جَرَحَ يُجْرَح ، إلا أن الله تعالى رحمة منه بعباده فتح باب العفو واسعاً قال تعالى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } ، وقال تعالى : { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } ، وهذه ميزة لا تزال القوانين الوضعية ترنو إليها دون أن تصلها .

 

 لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص

 

قاعدة من القواعد الأساسية في سياسة التجريم والعقاب ، وفي كل دولة يحدد المُشَرِّعُ الجرائم ، وعقوبة كل منها حتى يكون كل شخص على بينة منها .

 

و الناس في ذلك كله سواء – الأم { كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت رَهِينَةٌ } ، { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .

 

 وقال النبي صلى الله عليه و سلم لأسامة ابن زيد حين جاءه يتشفع في امرأة سرقت : " أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة ؟ والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " رواه البخاري .

 

اقتص الرسول صلى الله عليه و سلم من نفسه

فعن أبي سعيد الخدري قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً ، أقبل رجل فأكب عليه ، فطعنه صلى الله عليه وسلم بعرجون كان معه ، فجرح وجهه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : " تعالى فاستقد " قال : بل عفوت يا رسول الله ، حسن رواه أبو داوود .

 

وعن أسيد ابن حضير ، أن النبي صلى الله عليه و سلم طعنه في خاصرته بعود ، فقال : أصبرني فقال : " اصطبر " قال : إن عليك قميصاً و ليس عليّ قميص . فرفع النبي صلى الله عليه و سلم عن قميصه ، فاحتضنه و جعل يقبل كشحه ، قال إنما أردت هذا يا رسول الله ، صحيح رواه أبو داوود ،و ( اصبرني ) أي : أقدني من نفسك ، و " اصطبر " أي : استقد .

 

القصاص من الحاكم

إن الحاكم فرد من أفراد الأمة ، فإذا تعدى على فرد من أفراد الأمة اقتص منه ، لأنه لا فرق بينه وبين غيره في أحكام الله ، فأحكام الله عامة ، تتناول المسلمين جميعاً ، فعن أبي نضرة عن أبي فراس ، قال : خطبنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فقال :  أيها الناس إني و الله ما أرسل عمالاً ليضربوا أبشاركم ، ولا ليأخذوا أموالكم ، ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم ، فمن فُعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلىَّ فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه ، قال عمرو ابن العاص رضي الله عنه : لو أن رجلاً أدب بعض رعيته أتقصه منه ؟ قال : إي والذي نفسي بيده ، إذن لأقصنه منه ، و كيف لا أقصه منه و قد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقص من نفسه ؟  صحيح رواه أبو داوود .

 

اضرب ابن الأكرمين  

سابق ابن عمرو ابن العاص مصرياً فسبقه المصري ، فاغتاظ وضرب المصري بالسوط ضربات ،وقال له : خذها و أنا ابن الأكرمين فشكا المصري الأمر لعمر ابن الخطاب خليفة المسلمين ، فاستقدم عمرو ابن العاص وابنه ، وأعطى المصري السوط فقال له : اضرب ابن الأكرمين ، و قال لعمرو : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا .

 

جبلة ابن الأيهم

ملك من ملوك العرب أسلم وخرج مع أمير المؤمنين إلى مكة حاجاً ، وأثناء الطواف وطئ إزاره إعرابي ، فلطمه جبلة فشكاه الإعرابي إلى الخليفة عمر ، فأمر بالقصاص ، فعجب جبلة و تمنع و قال لعمر : أتقتص مني وهو سوقة وأنا ملك ؟ قال عمر : لقد سوى الإسلام بينكما ، ولا بد من القصاص أو العفو ، فاستمهله إلى الغد ، وفي الليل رجع إلى بلده وارتد عن الإسلام .

 

 

رابعاً : مقارنات بين الشريعة والقانون الدولي

 

يكاد يجمع كتاب الغرب في أوروبا وأمريكا على أن القانون الدولي الحديث نشأ في أوروبا منذ أربعة قرون ، ومعظم ما في القانون الدولي موجود في الشريعة الإسلامية التي نزل بها القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرناً ، وقد تألفت أخيراً في أوروبا جماعة للقانون الدولي سميت باسم ( محمد ابن الحسن الشيباني ) صاحب أبي حنيفة ، إذا اعتبرته الرائد الأول للقانون الدولي في العالم ، بعد أن اطلعوا على كتابه ( السير الكبير ) و ( السير الصغير ) ووجدوهما مدونة كبرى لقواعد القانون الدولي .

 

الحرب العادلة و غير العادلة

مؤتمر لاهاي الثاني مثلت فيه خمسة وخمسون دولة عام 1807 م ، ولأول مرة حددت الدول الحروب المشروعة و حصرها في نوعين :

1-  أن تكون الحرب دفعاً لاعتداء واقع بالفعل على دولة ما .

2-  أن تكون الحرب لحماية حق ثابت للدول انتهكته دولة أخرى دون مبرر .

أما الحرب غير المشروعة فتلك التي يقصد منها الفتح و الرغبة في التوسع و بسط السلطان .

 

والإسلام إذ يعتبر الحرب ضرورة اجتماعية لرد العدوان و حرية الدعوة فهو يحصرها في أكرم الوسائل و السبل فهو :-

- يوجب إعلان الحرب قبل البدء بأعمالها ، ولا يجيز المباغتة .

- ويجنب المدنين ويلاتها ، فهي بين الجيوش في ميادين الحرب .

- ويحرم قتل النساء والأطفال والعمال ورجال الدين غير المحاربين .

- ويرحم الأسرى ، ويحسن معاملاتهم ، ويجيز إطلاق سراحهم أو التبادل ، ويجيز الفداء فيهم .

- ويحترم العهود والمواثيق .

 

ابن خلدون:

يذهب في ( مقدمته ) إلى أن المشروعة نوعان ، و غير المشروعة نوعان .

 

فغير المشروعة 

ترجع إما إلى غيرة ومنافسة ، وأكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة .

- وإما إلى عدوان ، وأكثر ما يكون بين الأمم الوحشية كالعرب في الجاهلية والتتار .

 

والمشروعة نوعان :

 إما إلى غضب لله ولدينه ، وهو المسمى بالجهاد .

وإما إلى غضب للملك وسعي في تمهيده بمنع الفتنة ، وحروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها .

 

-احترام الإسلام للعهود و المواثيق و إهدار المسيحية لهما

 

ففي شأن رعاية العهود يقول تعالى : { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا } ، وقال : { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } .

 

ويقول النبي صلى الله عليه و سلم : " المؤمنون عند شروطهم " .

 

 وقصة حذيفة وأبيه حسيل مثل رائع في هذا الصدد حيث خرجا من مكة قاصدين المدينة لحاقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركهم الكفار وهمّوا بقتالهم لما عرفوا نيتهم ، فعرضا على الكفار أن يدفعا لهم أموالهما ويُخلوا سبيلهما إلى المدينة ، فقبل الكفار بشرط أنه إذا قامت حرب بين مكة والمدينة لا يحارب حذيفة وأبوه في صفوف المسلمين ، فلمّا أن كانت غزوة بدر قصّا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قصتهما ، فقال عليه الصلاة و السلام : " نفي بعهدهم و نستعين الله عليهم ".

 

أين هذا من الملك ريتشارد قلب الأسد حيث أمّن حامية مدينة بيت المقدس من المسلمين على أنفسهم ، وبعد أن فتحوا الأبواب وسلموا أنفسهم قتلهم جميعاً ، ثم أباح المدينة لجيوشه فبلغ عدة من ذبحوه من العجزة والنساء والأطفال سبعين ألفاً ، ولكن صلاح الدين الأيوبي - وقد أشربت نفسه بتعاليم الإسلام - لمّا استعاد بيت المقدس من أيدي الصليبين لم يعاملهم بالمثل ، إذ أنه لمّا سلمت له الحامية المسيحية أمّنهم على حياتهم ، وأشير عليه أن يغدر بهم كما غدر ريتشارد بالمسلمين ، فرفض و قال : وفاء بغدر خير من غدر بغدر ، بل إنه آسى جرحاهم ، ومرضاهم ، وأرسل بالأدوية والأزواد إلى قلب الأسد نفسه ، و قيل أنه زاره في مرضه متخفياً .

 

 والمعروف أن باباوات روما ادعوا لأنفسهم خلال قرون طويلة حق إبرام العهود ونقضها ، ولقد هاجم ( جون بدوان ) خلال القرن السادس عشر النظرية التي أباحت للباباوات أن يحلوا الملوك والأمراء من اليمين التي توثقت بها المعاهدات و بعد فتح أمريكا أفتى الباباوات بإباحة دماء الهنود الحمر وتجريدهم من أموالهم ، والفتوى صادرة لملوك أسبانيا .

     

الخاتمة

 

و نختم بما قاله الدكتور السنهوري في بحث له بمجلة القضاء العراقي العدد الأول من السنة الثانية قال : ( إن الكثيرين من فقهاء الغرب أنصفوا الشريعة الإسلامية وشهدوا بما هي عليه من مرونة ....  إلى أن قال : إن في الشريعة عناصر لو تولتها يد الصياغة فأحسنت صياغتها لصنعت منها نظريات و مبادئ لا تقل في الرقي والشمول ومسايرة التطور عن أخطر النظريات الفقهية التي نتلقاها عن الفقه الغربي الحديث ، وضرب أربعة أمثلة ، فقال : إن كل مطّلع على فقه الغرب يدرك أن من أحدث نظرياته في القرن العشرين ،

 

1- نظرية التعسف في استعمال الحق .

2- ونظرية الظروف الطارئة .

3- ونظرية تحمل التبعة .

4-  ومسئولية عدم التميز .

 

وكل هذه النظريات لها أساس كبير في الشريعة الإسلامية لا يحتاج إلا إلى الصياغة والبناء ) أهـ .

 

إن الشريعة منهج كامل وشامل للحياة وتشمل العقيدة والعبادات والأخلاق والمعاملات ، والحدود والجنايات والديات ، والمواريث والقضاء والقانون الدولي العام .

 

هي النور والحياة قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [ (24) الأنفال ] وقال عز وجل : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } [ (122) الأنعام ] .

 

والبعد عنها شقاء وعناء كما قال سبحانه : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [ (124)طه ] .

 

 والقرب منها سعادة ورخاء كما قال الحق : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ } [ (96) الأعراف ]

وقال : { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [ (16) الجن ] .

 

اللهم اذن لشريعتك أن تحكم الأرض وأن تسود .

وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه .

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 2+2=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع