المقالات

الاحتفال الحقيقي بالنبي صلى الله عليه وسلم

الشيخ /  سيد علام


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعلمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد .

 

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل الناس يدخل الجنة إلا من أبى " قالوا : يا رسول الله ! ومن يأبى ؟

قال : " من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " (رواه البخاري)

 

 

في هذه الأيام يحتفل كثير من المسلمين بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ، وتختلف مظاهر الاحتفال من شخص لآخر ، ومن مكان لآخر ، ومن زمان لآخر.

فمن الناس من يحتفل في يوم الثاني عشر من ربيع الأول بإقامة الندوات في المساجد ، ومنهم من يحتفل بإنشاد القصائد والمدائح النبوية والتي كثيراً ما تخالطها الموسيقى وآلات الطرب ، ومنهم من يحتفل بإقامة حلقات الذكر - التي تسمى الحضرة -  ، ومنهم من يحتفل بأكل الحلوى وإهدائها للأقارب والمعارف ، وفي بعض الأماكن تَعَدَّى البعض كل ذلك وقام بفعل غريب وهو : أنه في حلقة الذكر – الحضرة  التي يفعلونها - يخصصون مكاناً لا يجلس فيه أحد ويضعون أمامه كأساً مملوءاً بالعصير أو نحو ذلك ، ثم يطفئون الأنوار ويعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر معهم هذا الاحتفال ويشرب من الكأس وبعد ذلك يقومون بمصافحته واحداً واحداً...........................

 

وقد تكلم كثير من أهل العلم في حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وبينوا عدم مشروعية ذلك للأسباب والأدلة التالية :

 

 

1-   أنه لم يكن من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا من سنة خلفائه ، وما كان كذلك فهو من البدع الممنوعة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة " ( أخرجه أحمد 4/126 ، والترمذي برقم 2676 ) .

والاحتفال بالمولد محدث أحدثه الشيعة الفاطميون بعد القرون المفضلة لإفساد دين المسلمين .

 

2-   في الاحتفال بذكرى المولد تشبه بالنصارى ، لأنهم يحتفلون بذكرى مولد المسيح عليه السلام والتشبه بهم محرم أشد التحريم ، ففي الحديث النهي عن التشبه بالكفار ، والأمر بمخالفتهم ، ففد قال صلى الله عليه وسلم : " من تشبه بقوم فهو منهم  " ( أخرجه أحمد 2/50 ، وأبو داود 4/ 314)  .

 

3-   الاحتفال بذكرى مولد الرسول مع كونه بدعة وتشبهاُ بالنصارى وكل منهما محرم فهو كذلك وسيلة إلى الغلو والمبالغة في تعظيمه حتى يفضي إلى دعائه والاستعانة به من دون الله ، كما هو الواقع الآن من كثير ممن يحييون بدعة المولد ، من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم  من دون الله ، وطلب المدد منه ، وإنشاد القصائد الشركية في مدحه كقصيدة البُردة وغيرها ، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن الغلو في مدحه فقال : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده ، فقولوا عبد الله ورسوله " ( أخرجه البخاري 4/142 رقم 3445 ، الفتح 6/ 551 ،

أي لا تغالوا في مدحي وتعظيمي كما غلت النصارى في مدح المسيح وتعظيمه حتى عبدوه من دون الله ، وقد نهاهم الله عن ذلك بقوله : {  يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } [ النساء/171 ]

ونهانا نبينا صلى الله عليه وسلم عن الغلو خشية أن يصيبنا ما أصابهم ، فقال : " إياكم والغلو ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو " ( أخرجه النسائي 5/268 ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي رقم 2863 ) .

 

4-   إن إحياء بدعة المولد يفتح الباب للبدع الأخرى والاشتغال بها عن السنن ، ولهذا تجد المبتدعة ينشطون في إحياء البدع ويكسلون عن السنن ويبغضونها ويعادون أهلها ، حتى صار دينهم كله ذكريات  .بدعية وموالد

وانقسموا إلى فرق كل فرقة تحيي ذكرى موالد أئمتها ، كمولد البدوي وابن عربي والدسوقي والشاذلي ، وهكذا لا يفرغون من مولد إلا يشتغلون بآخر .

ونتج عن ذلك الغلو بهؤلاء الموتى وبغيرهم ودعائهم من دون الله ، واعتقادهم أنهم ينفعون ويضرون حتى انسلخوا من دين الله وعادوا إلى دين أهل الجاهلية الذين قال الله فيهم : { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ يونس/18 ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ }  [الزمر/3]

 

ومن العجائب والغرائب أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة ، ويدافع عنها، ويدعو إليها، ثم نجده بعد ذلك يتخلف عما أوجبه الله عليه من حضور الجمع والجماعات، ويترك الكثير من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يرفع بذلك رأساً، ولا يرى أنه قد أتى منكراً عظيماً.

ولا شك أن هذا من ضعف الإيمان، وقلة البصيرة، وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي، نسأل الله العفو والعافية لنا ولسائر المسلمين.

 

وهناك الكثير من الشبهات التي يتعلق بها من يرى جواز الاحتفال بالمولد مثل :

 

-  دعواهم أن في ذلك تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم .

-  الاحتجاج بأن هذا عمل كثير من الناس في كثير من البلدان .

-  يقولون : إن في إقامة المولد إحياءً لذكرى النبي صلى الله عليه وسلم .

-  قولهم : إن إقامة المولد من قبيل البدعة الحسنة لأنه ينبئ عن الشكر لله على وجود النبي الكريم !

-  قد يقولون : إن الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم ينبئ عن محبته فهو مظهر من مظاهرها ، وإظهار محبته صلى الله عليه وسلم مشروع !

-  ومن شبههم : أنهم يقولون : إن في إحياء ذكرى المولد وقراءة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المناسبة حثاً على الاقتداء والتأسي به !

 

ورداً على هذه الشبه وغيرها نطرح عدة تساؤلات ، والإجابة عنها معلومة ، فنقول :

 

-  أيكون الاحتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم يوماً واحداً أو شهراً في السنة ؟ وهل هذا حقه ؟

-  أيكون الاحتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة سنته وسنة أصحابه رضوان الله عليهم ؟

-  ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : " كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " ؟

-  أيكون الاقتداءالحقيقي بالنبي صلى الله عليه وسلم بإحياءذكرى المولد أم باتباع سنته وتطبيقها في كل شؤون حياتنا ؟

-  هل يكون فعل الكثير من الناس هو الحجة في الدين أم أن الأدلة الشرعية  من كتاب وسنة وإجماع وقياس وغيرها هي الضابط لمعرفة الأحكام الشرعية ؟

-  وهل علامة الحب الحقيقي للرسول صلى الله عليه وسلم بأكل الحلوى ؟ والسهر ليلة المولد والتسكع في الشوارع والتغني بالأغاني التي لا ترضي الله ورسوله بما يترتب عليه تضييع صلاة الفجر وغيرها من الواجبات ؟

 

الاحتفال الحقيقي بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يكون يوماً ولا شهراً واحداً ، ولايكون بأكل الحلوى ، ولا يكون بارتكاب المعاصي والمخالفات ، ولا بالوقوع في البدع المحدثة ، ولا بالمظاهر الفارغة ..........

 

الاحتفال الحقيقي بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون بمعرفة حقوقه الكثيرة ، وأداء هذه الحقوق بما يليق بمقام الحبيب صلى الله عليه وسلم . 

 

وسأذكر بعض هذه الحقوق إجمالاً ، وسوف أتكلم عنها بالتفصيل في مقال آخر إن شاء الله :

 

1- الإيمان الصادق به وتصديقه فيما أخبر .

2- محبته صلى الله عليه وسلم أكثر من النفس والأهل والمال .

3- طاعته فيما أمر ، والاقتداء به في كل شؤونه .

4- اجتناب ما نهى عنه وزجر ، والحذر من مخالفته .

5- ألا يعبد الله إلا بما شرع .

6- وجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه .

7- تعلم سيرته واتخاذها منهاجاً في الحياة .

8- الانتصار له والدفاع عن سنته .

9- الصلاة والسلام عليه كلما ذكر اسمه .

10- إنزاله مكانته اللائقة به من غير غلو ولا تقصير .

 

ومما لا شك فيه أن حب النبي صلى الله عليه وسلمله فضل عظيم، بل هو من أوجب الواجبات، فقد قال الله تعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ  تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [التوبة 24].

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (متفق عليه).

وأعظم الحب أن يحب المؤمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من محبته لنفسه التي بين جنبيه، كما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال عمر:فإنه الآن -والله- لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن ياعمر" (رواه البخاري).

وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ" (رواه البخاري ومسلم).

 

نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للمحبة الحقيقية لنبينا صلى الله عليه وسلم , ويعيننا على أداء الحقوق الواجبة له .

 

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين .

 

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع