المقالات

من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم

الشيخ /  سيد علام


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

 

فمما زادني فخـــراً وتيهــــاً                 وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي                 وأن صيرت أحمد لي نبيـا

تحدثت في المقال السابق عن الاحتفال الحقيقي بالنبي صلى الله عليه وسلم، وخلصنا إلى أن الاحتفال الحقيقي به لا يكون إلا بمعرفة حقوقه الكثيرة علينا، والتي لابد من أدائها على الوجه الأكمل، والحذر من تضييعها، أو التهاون بها.

ومن هذه الحقوق:-  

 

1-   الإيمان الصادق به وتصديقه فيما أخبر

 

قال تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [الأعراف158].

 

وقال عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الحديد28].

 

وقال سبحانه وتعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [الحجرات15].

 

وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ " (رواه مسلم).

 

فأول حق من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم هو الإيمان به، والتصديق برسالته.

فمن لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين فهو كافر، وإن آمن بجميع الأنبياء الذين جاؤوا قبله.

 

قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَـمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِه إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" (رَوَاهُ مُسْلِمُ(.

 

وبهذا يتبين أن شريعته صلى الله عليه وسلم قد نسخت كل الشرائع التي قبله، ويتضح أيضاَ بطلان تلك الدعاوي إلى ما يسمى بزمالة الأديان، وكذلك بطلان المناداة بحرية الاعتقاد، وحرية الفكر التي تؤدي إلى حرية الكفر - ولا حول ولا قوة إلا بالله -.

 

وليت الذين تبنوا هذه الأفكار الضالة المنحرفة يتأسوا بالجن حينما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم دعوته لهم إلى الإسلام كما قص علينا القرآن : { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [الأحقاف 29-32].

 

ويتضمن الإيمان به صلى الله عليه وسلم تصديقه في كل ما أخبر به، وطالما أن الحديث قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتحققت فيه شروط القبول التي بينها أهل العلم بالحديث، فيجب على المسلم تصديقه والنسليم له.

 

 ولا يفعل كما يدعي من يُسمون أنفسهم بالعقلانيين-وليسوا كذلك- من أنه يجب عرض الحديث على العقل فإن وافقه فبها ونعمت، وإن خالفه فيجب ردُّه ولا يلتفت إلى صحته وضعفه من حيث الصناعة الحديثية.


ومما لاشك فيه أن هذا قول باطل مردود على من قاله، وليس هذا مقام الرد عليه، ولكن نكتفي ببيان أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ما سُمِّيَ صِدِّيقاً إلا بتحقيق هذا المعنى، وهو تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبره به به حتى ولو خالف عقله.

 

 روي عن الطاهرة عائشة رضي الله عنها قالت: لما أُسْرِي بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، أصبح يُحَدِّث بذلك الناس، فارتدّ ناس مِمَّن كان آمن وصدَّق به وفُتنُوا،فقال الكفار لأبي بكر: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، ثم قال: إنِّي لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدّقه بخبرالسماء غَدْوَة أو رَوْحَة؛ فلذلك سمى أبو بكر الصدِّيق.

فليكن هذا شعارنا دائماً: لئن كان قال ذلك لقد صدق. 

 

2-   طاعته فيما أمر

 

قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ } [الأنفال20].

 

وقال عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [النساء59].

 

وقال سبحانه -مبيناً قدر طاعته صلى الله عليه وسلم- : { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } [النساء80]، وقال صلى الله عليه وسلم: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله" (رواه البخاري).

 

وقال –مبيناَ فضل طاعته صلى الله عليه وسلم- : { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } [النساء69].

 

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال:من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" (رواه البخاري).

 

وتتضمن طاعته صلى الله عليه وسلم اتباعه، والتمسك بهديه ، واتخاذه قدوة في جميع الأمور.

 

وقد جعل الله عز وجل علامة محبته الحقيقية هي اتباعه صلى الله عليه وسلم، قال الحسن البصري رحمه الله: ادَّعى قوم محبتهم لله عز وجل فابتلاهم الله بهذه الآية { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [آل عمران31].

 

واتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو البرهان الحقيقي على الإيمان به كما قال سبحانه وتعالى: {...... وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [الأعراف156-158].

وقال عز وجل: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [الأحزاب21].

 

ومن فضل الله علينا أن علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم كل شيء، وانظر إلى قول ذلك اليهودي لسلمان الفارسي رضي الله عنه –حسداَ منه-: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم.

 

فلا ينبغي التساهل في ترك النوافل بحجة أنها سنن فقط، وغير واجبة، والمهم هو الفرائض، فقد قال صلى الله عليه وسلمٍ: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" (رواه البخاري).

 

ومن سوء الأدب تسمية السنن والنوافل بالقشور، والأسوأ من ذلك وصفها بالعادات التي لا علاقة لها بالإسلام، كما قيل على لسان غير واحد من المفتين -هداهم الله- حينما سُأل عن حكم إطلاق اللحية.

 

وعموماً فالمحافظة على السنن والنوافل سبب لمحبة الله عز وجل لفاعلها، كما جاء في الحديث القدسي: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ" (رواه البخاري).

 

3-   اجتناب ما نهى عنه وزجر

 

قال عز وجل: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الحشر7].

وقال تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النور63].

وقال سبحانه: { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب36].

 

وعن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قال: "جُعِلَ رِزْقِى تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِى ، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِى" (رواه أحمد والبخاري معلقاً).

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا" (رواه بن ماجة).

 

تعصي الإله وأنت تظهر حبه                                 هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته                                   إن المحب لمن يحب مطيع

 

والكثير يتهاون في فعل المعاصي والذنوب، بحجة أنها صغائر، أو مكروهة فقط، وغالباً ما يقارن نفسه أو يقيسها على من هو أسوأ منه.

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِوَالرَّجُلُ يَجِيءِبالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا" (رواه أحمد).

 

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كَذُباب مرّ على أنفه، فقال به هكذا، وأشار الراوي بيده فوق أنفه.

 

4-   وجوب التحاكم إليه والرضا بحكمه

 

قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء65].

 

وعند حدوث الخلاف والنزاع أرشدنا الله عز وجل إلى المخرج الذي لابد من الرجوع إليه فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [النساء59].

وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم يكون التحاكم إلى سنته وشريعته.

 

 

5-   ألا يعبد الله إلا بما شرع

 

فمعنى أشهد أن محمداً رسول الله، أي لا طريق موصلة إلى الله عز وجل إلا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أراد أحد أن يتعبد لله بأي نوع من العبادة فلابد أن يكون لها أصل في السنة حتى  يقبلها الله عز وجل، ومعلوم أن من شروط قبول العمل الصالح أن يكون موافقاً للسنة.

 

وذكر بعض أهل العلم أن تفسير قوله تعالى: { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف110] قال: عملاً صالحاً أي موافقاً للسنة.

 

فالحذر الحذر من البدع المحدثة في الدين والتي قال عنها صلى الله عليه وسلم: "إياكم  ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " (رواه أبو داود)، وليس في الدين بدعة حسنة.

 

قال الإمام مالك رحمه الله: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة ، فقد زعم أن محمداً خان الرسالة ، لأن الله يقول : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ }، فما لم يكن يومئذ ديناً ، فلا يكون اليوم ديناً.

 

والقاعدة الأصولية تقول: الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في العبادات المنع، إلا إذا دلَّ عليها دليل،

وأحد أدلة تحريم ومنع الموالد وبدعيتها أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعلها، ولا أحد من أصحابه، ولا أحد من السلف في القرون الخيرية الأولى.

 

قال شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله-: كل شيء لم يؤمر به في العبادات فهو منهي عنه.

 

وينبغي أيضاً في هذا المقام التنبيه على أنه لا يجوز مقابلة قول أو فعل للنبي صلى الله عليه وسلم بقول أوفعل أحد كائناً من كان، وقد قال الشافعي رحمه الله: أجمع المسلمون على أنه من استبانت له سنة فليس له أن يدعها لقول أحد من الناس.

 

وقال ابن القيم رحمه الله:

العلم قال الله قال رسولـــــــــــه                   قال الصحابة هم أولوا العرفان

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة                     بين الرســـول وبين رأي فلان

 

 

6-   الانتصار له صلى الله عليه وسلم ولسنته

 

وهو من آكد حقوقه صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً.

 فأما في حياته فقد قام الصحابة بذلك خير قيام ، وضربوا أروع الأمثلة في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن سنته وبذلوا الغالي والنفيس من نفس ومال وكلِّ شيء في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى.

 

وأما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فيكون الانتصار له بالذَّبِّ عن سنته إذا تعرضت لطعن الطاعنين، وكذلك يكون الدفاع عن شخصه الكريم إذا تناوله أحد بسوء، أو سخرية، أو وصفه بصفات لا تليق بمقامه العظيم صلى الله عليه وسلم.

 

وقد كثرت -في هذا العصر- حملات التشويه والتضليل على نبينا صلى الله عليه وسلم، وكان آخرها قريباً (الفيلم المسيء)، ومن قبله الرسوم الساخرة.....و{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران118].

 

وعلى المسلمين جميعاً أن يهُبُّوا للدفاع عن نبيهم صلى الله عليه وسلم بكل ما يملكون من وسائل قوة، وأدوات ضغط، حتى يكف هؤلاء عن كذبهم وافتراءاتهم، ولله درُّ رئيسنا -حفظه الله- حينما أعلنها مدوية وبكل وضوح أمام العالم كله في الأمم المتحدة: إننا نحب نبينا صلى الله عليه وسلم ونحب من يحبه ونعادي من يعاديه.

 

ومن المؤسف المؤلم أن نجد من بني جلدتنا من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ليس مواطناً مصرياً حتى تدافع عنه مصر أو تدين من أساء إليه!!!!!!!!!!!

فبئس ذلك القائل، وبئس ما قال.

 

ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً تكون بنشر سنته وسيرته، والدعوة إليها، وتعليمها الناس، كلٌ حسب استطاعته.

 

 

7-   إنزاله مكانته اللائقة به صلى الله عليه وسلم بلا غلوٍّ ولا تقصير

 

 فهو عبد الله ورسوله، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين، وهو سيد الأولين والآخرين، وصاحب المقام المحمود، والحوض المورود، وصاحب الشفاعة العظمى، وأول من يفتح له باب الجنة، وساكن الفردوس الأعلى فيها، ولكنه مع ذلك بشر لا يملك لنفسه -فضلاً عن غيره- ضراً ولا نفعاً.

قال عز وجل: { قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ } [الأنعام50].

وقال سبحانه: { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [الأعراف188].

فليس من الحب ولا من الحق المبالغة في مدحه صلى الله عليه وسلم بالحد الذي يخرجه عن وصف البشرية إلى الألوهية، كما قال البوصيري في بردته المشهورة:

 يا أكرمَ الخلْقِ مالي مَن ألوذُ به                       سواك عند حدوثِ الحادثِ العَمم

 إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي                        عفواً وإلا فقـــل يا زلـــة القـــدم
 فإن مِن جودك الدنيا وضَرتها                         ومن علومك علم اللوح والقـــلم

ولا شك أن هذا الوصف وهذا المدح كفر؛ فهو لا يكون إلا لله عز وجل، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المبالغة في المدح خاصة فيه، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنه سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ " (رواه البخاري)، والإطراء هو مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه.

 

والمعنى أي لا تبالغوا في مدحي كما فعلت النصارى مع عيسى عليه السلام، فوصفوه بأنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، وقد كفَّرهم الله بتلك الأقاويل في كتابه.

 

وعليه فلا يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا طلب المدد منه، ولا الحلف به، ولا ادعاء أنه يعلم الغيب، ولا غير ذلك من العبادات والأوصاف التي لاتليق إلا بالله وحده سبحانه وتعالى.

 

 

8-   الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كلما ذكر

 

قال عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب56].

والصحييح في معنى الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ما ذهب إليه أبو العالية من المتقدمين ، وابن القيم من المتأخرين ، وابن عثيمين من المعاصرين إلى أن معنى " الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم " من الله عز وجل هو الثناء عليه في الملأ الأعلى ، وتكون صلاة الملائكة والمسلمين عليه صلى الله عليه وسلم بمعنى الدعاء بأن يثني الله تعالى عليه في الملأ الأعلى.

 

 وقد ألَّف ابن القيم – رحمه الله – كتاباً في هذه المسألة ، سمّاه (جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام) وقد توسع في بيان معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحكامها ، وفوائدها ، فلينظره من أراد التوسع .

وأما معنى " السلام عليه صلى الله عليه وسلم ": فهو الدعاء بسلامة بدنه في حال حياته، وسلامة دينه صلى الله عليه وسلم، وسلامة بدنه في قبره ، وسلامته يوم القيامة .

 

فينبغي على المسلم إذا سمع اسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ويسلم عليه، فعن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليَّ" (رواه أحمد).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليَّ..." (رواه أحمد والترمذي).

وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم..

 

 منها عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:  "فإنه من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً" (رواه مسلم).

 

 و عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلوا عليَّ فإنها زكاة لكم، وسلوا لي الوسيلة من الجنة" (رواه أحمد).


وعن عبد الرحمن بن عوف : قلت يا رسول الله، سجدت سجدة خشيت أن يكون الله قد قبض روحك فيها فقال: "إن جبريل أتاني فبشرني أن الله عز وجل يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لله شكرا " (رواه أحمد وغيره).

 

فينبغي أن يكثر المسلم من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما في المواطن التي ورد فيها تفضيل على غيرها وهي كثيرة، ومنها:

 

في التشهد الأول والأخير، وعند الأذان والإقامة، ويوم الجمعة وليلتها، وفي أذكار الصباح والمساء، وعند الدعاء، وعند دخول المسجد والخروج منه، وبعد التكبيرة الثانية من صلاة الجنازة، وعند القنوت........

وعموماً في كل وقت وحين؛ فزينة المجالس الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وختاماً فهذه بعض حقوق النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فإن حقه عظيم عظيم لا تتسع السطور ولا الكلمات لبيانه، نسأل الله عز وجل أن يعيننا على أداء هذه الحقوق، وأن يغفر لنا تقصيرنا في ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.  

 

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع