المقالات

الإضراب القضائي المشروعية والنسق القيمي

    اسم الكاتب غير معروف

أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

أثير مؤخراً التساؤل حول مدى شرعية قيام القضاة بتعليق العمل في المحاكم دفاعاً عن قضايا عامة يتصل بعضها باستقلال السلطة القضائية، ويعرض هذا البحث لمدى شرعية هذا الأمر من وجهة النظر القانونية وعلى وجه الخصوص الاتفاقيات الدولية التي تناولت الحق في الإضراب، ومدى اتفاقه مع قيم وأخلاقيات العمل القضائي وفقاً للمستويات الدولية المتفق عليها.

 

الحق في الإضراب بشكل عام وأهم القيود الواردة عليه:

ورد النص على الحق في الإضراب في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وفقاً لنص المادة الثامنة فقرة ( د ) من الاتفاقية التي كفلت الحق فى الإضراب طبقا لقوانين القطر المختص.

 

وقد أكدت منظمة العمل الدولية على أنه واحد من أهم الحقوق التي يتمتع بها العمال وتنظيماتهم العمالية من أجل الحفاظ على حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. وقد عرفته لجنة حريـــــات الجمعيات بالمنظمة على أنه: "أي توقف للعمل، أياً كان مسماه، حتى لو كان قصيراً ومحدوداً ويدخل في ذلك إبطاء إيقاع العمل go slow strike والتقيد الحرفي بقواعد العمل بما ينتج عنه أيضاً تقييد أو تقليل حجم العمل عن القدر المعتاد work to rule strike وذلك بهدف الدفاع عن حقوق اقتصادية واجتماعية للعمال، وبشرط أن يتم بشكل سلمي[1].

 

وعلى ذلك فإن أي توقيف أو تعليق أو إبطاء للعمل ابتغاء تحقيق أي من الأهداف السابقة يعد نوعاً من الإضراب وتنطبق عليه القواعد والمعايير الدولية بغض النظر عن المسمى الذي يطلق عليه. وقد أتيح للجنة الخبراء ولجنة حريات الجمعيات بمنظمة العمل الدولية إرساء عدد من المباديء في هذا الصدد حول مضمون ونطاق وحدود الحق في الإضراب.

 

: ومن أهم المباديء التي أكدت عليها الأجهزة الرقابية للمنظمة حول مضمون حق الإضراب ما يلي:

 

أن الإضراب حق وليس مجرد عمل اجتماعي.

 

أن الإضراب حق جماعي يتمتع به العمال وروابطهم واتحاداتهم التنظيمية ومن ثم فإن تقييد بعض التشريعات ممارسة الإضراب باشتراط موافقة نسبة معينة من العمال هو أمر مقبول لأن الإضراب ليس حقاً فردياً.

 

أن الإضراب يجب أن يكون بهدف الدفاع عن حقوق اقتصادية واجتماعية للعمال ومن ثم يخرج عن نطاق الحماية الدولية التي توفرها منظمة العمل الدولية الإضراب لدوافع سياسية، إلا إذا كان الإضراب يتعلق بمسائل سياسية هامة تتعلق بالسياسة الاقتصادية والاجتماعية.

 

من الممكن للتشريعات الوطنية أن تضع قيوداً على ممارسة الحق في الإضراب وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق باستمرارية إجراءات وأعمال الأمان اللازمة للحفاظ على الأشخاص ومنع الحوادث والحفاظ على الآلات والمنشآت، كما يمكن تطلب حد أدنى من ممارسة العمل سيما فيما يتصل بالخدمات العامة كي لا يترتب على الإضراب تعطيل مصالح المواطنين، ويمكن أيضاً أن تتطلب التشريعات الوطنية ضرورة الإخطار المسبق.

 

يجب الحفاظ على حق العمال غير المضربين في العمل وعدم المساس بهم أو التأثير عليهم أو الإضرار بهم على أي نحو، كما يجوز للدولة التدخل في حالة خروج الإضراب عن الشكل السلمي بتعطيل العمل ضد من يرغبون في استمراره.

 

يجوز تعيين عمال يحلون محل العمال المضربين وذلك إذا تعلق الأمر بخدمة من الخدمات الهامة التي يتعين استمرارها.

 

يجب توفير الحماية لأعضاء النقابات واتحادات العمال إزاء أية إجراءات انتقامية ناتجة عن دعوتهم او مشاركتهم في الإضراب[2].

 

لا تحظر اتفاقيات منظمة العمل الدولية الخصم من الأجور إزاء أيام المشاركة في الإضراب، وقد أكدت لجنة حريات الجمعيات على أن خصم أجور توازي أيام الإضراب لا يعد أمرا متطلبا ولا هو أمر محظور، وفقاً للاتفاقية والأمر متروك للتشريعات الوطنية

 

 على أنه في حالة إجراء هذا الخصم يجب ألا يتجاوز الخصم مقابل أيام الإضراب وإلا عد كعقوبة[3].

 

الفئات المستبعدة من الحق في الإضراب:

كما أرست أيضاً الأجهزة الرقابية لمنظمة العمل الدولية عدداً من المباديء حول الفئات التي تتمتع بالحق في الإضراب فأكدت كمبدأ عام أن الحق في الإضراب يتمتع به كافة العاملين في القطاعين العام والخاص مع إستثناء الفئات التالية:

 

القوات المسلحة والشرطة:

 

تضمنت المادة التاسعة من اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 النص على أن الحدود التي يتمتع بها رجال القوات المسلحة والشرطة من الضمانات المنصوص عليها بالاتفاقية موكولة للتشريعات الوطنية للدول الأطراف، وتطبيقاً لذلك لم تر لجنة الحريات الاجتماعية بالمنظمة بأساً في التشريعات التي تحظر الإضراب كلية على العاملين في هذه الجهات.  وأجازت أيضاً حظر الإضراب في أحوال الطوارئ[4].

 

الموظفون العموميون الذين يمارسون سلطة من سلطات الدولة:

 

وفيما يتصل بالموظفين العموميين فإن اللجنة أجازت أن تحظر التشريعات الوطنية الحق في الإضراب للموظفين العموميين على أن التشريعات التي تأخذ ذلك المنحى يجب أن توفر ضمانات كافية لهؤلاء الموظفين للدفاع عن حقوقهم مثل تبني آلية تحكيم أو توفيق سريعة ومحايدة مع كفالة تنفيذ ما تخلص إليه هذه الآليات من قرارات.

 

ويرجع هذا الموقف الذي تبنته أجهزة الرقابة على تنفيذ اتفاقيات العمل الدولية إلى إختلاف مفهوم الموظف العام من نظام قانوني لآخر ومن ثم أكدت لجنة حريات الجمعيات أن الموظف العام الذي يمارس سلطة من سلطات الدولة من المنطقي استبعاده من نطاق التمتع بالحق في الإضراب في حين قد يكون المناسب كفالة الحق في الإضراب لآخرين وقد يختلف الأمر في حالة بعض الأجهزة الحكومية الأخرى التي لا تمارس هذا الدور.

 

 وقد أوضحت اللجنة على سبيل المثال أن العاملين في القضاء سواء كانوا من القضاة أو من معاونيهم من العاملين في مرفق العدالة يجوز أن تنص التشريعات الوطنية على قيود مشددة على تمتعهم بالحق في الإضراب، أو أن تحظر عليهم هذا الحق كلية ولا تثريب على هذه التشريعات إن فعلت ذلك.

 

 في حين أن الأمر يختلف فيما يتصل بالموظفين العموميين الذين لا يمارسون سلطة باسم الدولة مثل العاملين أحد المشروعات الصناعية أو البنوك المملوكة للدولة فيجب فيما يتصل بهؤلاء إما السماح بممارسة الحق في الإضراب أو وضع آلية سريعة ومحايدة لفض منازعاتهم مع الدولة[5].

 

الفئات التي تؤدي خدمات أساسية للمواطنين:

 

أما الفئات التي تمارس خدمات أساسية فقد أجازت أجهزة الرقابة على اتفاقيات منظمة العمل الدولية حظر الإضراب فيما يتصل بهم وقد عرفت لجنة الحريات الاجتماعية هذه الخدمات بأنها تشمل الخدمات التي يؤدي تعطيلها إلى تعريض حياة أو صحة أو الأمن السلامة الشخصية للسكان أو جانب منهم، وقد ضربت اللجنة أمثلة على هذه الخدمات حيث  قررت أنها تشمل قطاع المستشفيات والكهرباء والإمداد بالمياه  والمراقبة الجوية، وفي المقابل لم تعتبر اللجنة عدداً من القطاعات مما يندرج في مفهوم الخدمات الأساسية بالمعنى المحدد للمصطلح مثل قطاع التعليم والنقل والبث الإذاعي والتليفزيوني وأعمال التشييد والمصارف وأعمال الشحن والتفريغ في الموانئ والنشاط الزراعي[6].

 

 ومع ذلك فقد انتهت اللجنة إلى أنه لا يوجد تعداد حصري لما قد يعد من الخدمات الأساسية وما لا يعد كذلك وأن الأمر قد يتوقف على الظروف الخاصة في كل دولة، وتبعاً لذلك فإن أحد الخدمات التي لا تعد أساسية وفقاً لما سبق قد تعد كذلك إذا تجاوز الإضراب في نطاقه الزماني أو المكاني حدوداً معينة بحيث أصبح استمراره يشكل خطراً على صحة أو حياة أو سلامة المواطنين.

 

وبشكل عام فإنه يجوز تعطيل الحق في الإضراب في أوقات الأزمات القومية الحادة والطواريء، على أن يكون هذا التعطيل بالقدر الذي يتناسب مع مقتضيات مواجهة هذه الأزمات.

 

ويلاحظ أن المشرع المصري اعترف بمشروعية الإضراب بموجب قانون العمل الموحد رقم 12 لسنة 2003 وفقاً للضوابط والحدود التي حددها القانون، مثل اشتراط سلمية الإضراب، وأن يكون إعلانه من خلال المنظمات النقابية التي يتبعها العاملون، وأن يكون الهدف منه الحفاظ على مصالح العمال المهنية والاقتصادية والاجتماعية مع ضرورة الإخطار المسبق للجهة الإدارية وصاحب العمل بالعزم على الإضراب، وأنه يترتب على الإضراب اعتبار مدته أجازة للعامل بدون أجر إلى آخر ذلك مما تضمنه القانون من ضوابط[7].

 

 على أن البين أن القضاة لا يخضعون لهذا القانون وإنما ينظم عملهم قانون السلطة القضائية ويرجع فيما لم يرد فيه نص إلى قانون العاملين المدنيين بالدولة.

 

ولم يتضمن قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 المعدل بالقانون رقم 17 لسنة 2007  بطبيعة الحال شأن العديد من القوانين المقارنة نصوصاً تنظيم الإضراب، أو تعليق العمل باعتبار أن تلك الأمور مما يخرج عن طبيعة من يمارسون سلطة عامة، وفق ما تعارفت عليه المستويات الدولية.

 

 إلا أنه من نافلة القول أن المادة 30 من القانون  حددت الأمور التي تختص بها الجمعيات العمومية لمحاكم النقض والاستئناف والمحاكم الابتدائية والتي تشمل ما يلي:

 

ترتيب وتأليف الدوائر وتشكيل الهيئات.

 

توزيع القضايا على الدوائر المختلفة.

 

تحديد عدد الجلسات وأيام وساعات انعقادها.

 

ندب مستشاري محاكم الاستئناف محاكم الاستئناف للعمل بمحاكم الجنايات وقضاه المحاكم الابتدائية للعمل بالمحاكم الجزئية.

 

 سائر المسائل المتعلقة بنظام المحاكم وأمورها الداخلية.

 

المسائل الأخرى المنصوص عليها في القانون.

 

ومن ثم فإن اختصاصات الجمعيات العمومية للمحاكم على اختلاف درجاتها قد وردت على سبيل الحصر، وهي ليست صلاحيات مطلقة ولم يرد من بينها إعطاء الصلاحية لها باتخاذ قرار ملزم بتعليق العمل.

 

ومؤدي ما تقدم أن قرارات الجمعيات العمومية للمحاكم بتعليق العمل هي قرارات تفتقد للشرعية لكون قانون السلطة القضائية لا يعطي الجمعيات العمومية للمحاكم هذا الاختصاص فضلاً عن تضمنها عدة مخالفات للاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وأهم هذه المخالفات:

 

  1. أن من يؤدون وظيفة عامة تتضمن ممارسة سلطة من سلطات الدولة لا يجوز لهم الإضراب عن العمل.
  2. أنه بفرض شرعية هذا الإضراب فإن مؤداه أن تعتبر أيام الإضراب أجازة بدون أجر فمن غير القانوني أن يحصل الموظف المضرب على أجر برغم امتناعه عن العمل.
  3. أنه من غير الجائز تماماً إجبار الراغبين في الاستمرار في العمل على تعليقه، وهو مخالف للقواعد التي أرستها منظمة العمل الدولية على نحو ما سبق بيانه.

 

الحدود الملائمة لانشغال القضاة بالشأن العام:

أكدت مبادئ بانجلور بشأن سلوك الجهاز القضائي والتي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قراريها 32/40 و 40/146 على مجموعة من المباديء تتصل بالنسق القيمي الواجب لمن يؤدون رسالة القضاء من أهمها النزاهة والحياد واللياقة والكفاءة والدقة والحرص.

 

وتتطلب النزاهة وجوب أن يتحلي القاضي طوال الوقت بهذه الفضيلة وليس فقط خلال عمله القضائي، والنزاهة تشتمل على عدة مكونات قيمية تشمل التصرف بأمانة وشرف والتحلي بالفضيلة الأخلاقية.

 

 ولا توجد درجات للنزاهة فهي تمثل قيمة مطلقة إما أن تكون موجودة أو منعدمة، وفي مجال العمل القضائي لا تعد النزاهة مجرد فضيلة أخلاقية يجمل التحلي بها بل هي من ضرورات ولوازم العمل القضائي.

 

وتقتضي النزاهة أن يحافظ القاضي على مستويات أخلاقية عالية سواء في حياته العامة أو الخاصة، فلا يجب على القاضي أن يدين علانية ما يقوم بممارسته في حياته الخاصة، وإلا اتسم بالازدواجية مما يفقد العامة الثقة فيه وهو ما يؤثر على الثقة في القضاء بشكل عام، ولذلك لا يكفي القاضي أن يكون قاضي جيد بل يجب أيضاً أن يكون إنسان جيد.

 

 فيجب على القاضي أن يراعي في حياته الخاصة أنماط السلوك المجتمعية، وأن يتأمل سلوكه من وجهة نظر الآخرين، وما إذا كان يُنظر إليه كسلوك منتقد أم لا، وأن ينأى بنفسه عن مواضع الشبهات.

 

ومع ذلك لا يمكن القول بوجود معايير موحدة للقيم المجتمعية فهي تختلف باختلاف الثقافات المتنوعة.

 

إلا أنه إذا ما أريد اختبار ما إذا كان فعل ما يخالف قيم المجتمع فإنه يجب تأمل مجموعة من العناصر منها:

 

1- مدى مخالفة الفعل للقانون.

2- مدى حماية الفعل كحق ثابت لمن يقوم به.

3- درجة إضرار الفعل بالآخرين.

4- درجة احترام الفعل من قبل الآخرين[8].

 

أما في المحكمة فلا يجب على القاضي أن يغير محتوى أسباب قرار اتخذه شفاهة لدى تحريره الأسباب الكتابية، ويجب أن يبقى القاضي متسقاً مع نفسه وأن يحترم الإجراءات القضائية.

 

ومن ناحية أخرى فإن القاضي يجب عليه حتى لو كان يختلف مع القانون أن يحترمه، فإذا وجد القاضي هوة عميقة بين معتقداته وأفكاره وبين القانون بحيث يصعب عليه الاستمرار في العمل دون مخالفته، فلن يكون أمامه سوى الاستقالة تغليباً لمعتقداته على واجباته الوظيفية.

 

ويلاحظ أن سلوك القاضي الفرد يؤثر على النظام القضائي ككل، ولذلك يجب أن يعمق هذا السلوك من إيمان الجمهور بنزاهة النظام القضائي، إذ أن الثقة في النظام القضائي لا تعتمد فقط على كفاءة القاضي في أدائه للعمل القضائي بل أيضاً على الانطباع الذي يتولد لدى العامة حول هذا الأداء، فإذا كان من واجب القاضي أن يصدر أحكاماً تتسم بالعدالة والحياد فإنه يجب أن يصدرها بطريقة توحي بالعدالة والنزاهة، وقد قيل في ذلك أن العدالة يجب أن ترى حتى تتحقق Justice must be seen to be done وأن الانطباع عن العمل Perception لا يقل أهمية عن الأداء Performance، ويجد هذا المعنى أصله في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما عندما ولاه قضاء الكوفة المعروفة بدستور القضاء حيث جاء فيها : آس بين الناس في مجلسك، وفى وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك".

 

 فجاء التلازم بين الأداء وبين الانطباع العام الذي يتركه وتأثيره الهام في نفوس الناس.

 

ووفقا لمبادئ بانجلور بشأن السلوك القضائي فإن الإطار العام الذي يحكم مسألة حدود إنشغال القضاة بالشأن العام يدور حول القواعد التالية:

 

الأصل أن يتمتع القاضي شأن غيره من المواطنين بحرية الرأي والتعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، فهو لا يتنازل عن هذه الحقوق لدى قبوله العمل القضائي، ولكن يتعين لدى ممارسة تلك الحقوق أن تكون تلك الممارسة بشكل يحافظ على هيبة المنصب القضائي وحياد السلطة واستقلاليتها. وبشكل عام فإن انخراط القاضي في الشأن العام يحدده اعتبارين:

 

 الأول ما إذا كان هذا الانخراط من شأنه أن يؤثر بشكل معقول على الثقة في حياده.

 والثاني ما إذا كان هذا الانخراط قد يعرض القاضي لهجوم سياسي بما لا يليق بكرامة الوظيفة القضائية.

 فإذا أمن القاضي أن انخراطه في الشأن العام لن يعرضه لأي من المحاذير السابقة فلا بأس إذاً.

 

وعلى القاضي أن يمتنع عن مباشرة عدد من الأعمال السياسية مثل العضوية في البرلمان والأحزاب السياسية والعضوية في الوحدات المحلية.

 وعلى القاضي أن يتجنب إبداء الرأي في المسائل التي يثور حولها جدل سياسي عام، لأن ذلك يؤثر في ثقة الجمهور في حياده، لأن الحياد يفترض قدرة القاضي على رؤية الموضوع من كافة زواياه بشكل متساو،ٍ ومتفتح ذهنياً، وخالٍ من الأحكام المسبقة.

 ويبدو الأمر جلياً إذا عرضت مسألة من هذه المسائل على القاضي في قضية متداولة، أو مثلاً أمامه شخصية عامة كطرف في قضية أو شاهد أو خبير.

 أما الأمور التى لا يوجد بأس في مشاركة القاضي في مناقشتها والتعبير عن رأيه بصددها فتشمل:

‌أ.    مشاركة القاضي في مناقشات عامة تتعلق بالشأن القضائي أو بإدارة العدالة، ومع ذلك يجب الحذر لدى إبداء هذه الآراء وتجنب الظهور بمظهر من يحاول التأثير على الحكومة في قراراتها.

‌ب.  مناقشة أحد القوانين في فعالية تدريبية حتى لو تضمن ذلك نقداً للتشريع القائم، ويجب مع ذلك توضيح أن هذا الرأي يمثل رأي شخصي ولا يعبر عن الجهة التي ينتمي إليها.

‌ج.  المشاركة في مناقشة أحد مشروعات القوانين أثناء إعداده، ويعد استطلاع رأي القضاة في هذه المسائل ذا فائدة كبرى لكونه يبرز الجوانب العملية لتطبيق القانون ويوضح أبعادها.

‌د.   الأمور العامة ذات البعد الأخلاقي مثل حملات مكافحة الفقر، والاهتمام بالبيئة والأنشطة الخيرية.

 

ويلاحظ أن القيود السابقة تزول إذا ما أحيل القاضي للتقاعد، إلا أنه يجب عليه إذا ما تحدث وأبدى رأيه في شأن عام أن يتجنب استخدام الألقاب المقترنة بالوظيفة القضائية.

 

  1. إذا كان القاضي يخضع لقيود ذاتية تتعلق بحرية التعبير فإنه في المقابل أصبح من المتعارف عليه أن عمل القاضي يمكن أن يكون محلاً للنقد والتعليق من قبل وسائل الإعلام.

 وإذا كان الأصل أن القاضي شأن أي مواطن من حقه اللجوء للقضاء إذا تجاوزت هذه الانتقادات حدود حرية التعبير وتطرقت لشخص القاضي، إلا أن الطريق الأمثل للتعامل مع هذه الانتقادات هو تجاهلها وعدم التعليق عليها أو اتخاذ إجراء ضدها[9].

 

  1. من الجائز أن يقوم القاضي بكتابة أو نشر أبحاث قانونية، على ألا يخل ذلك بوظيفته القضائية  وعليه أن يوضح أن ما يقدمه من آراء لا علاقة له بآرائه التي يبديها في عمله والتي تتوقف على الأدلة والمستندات والمداولة مع الزملاء في المحكمة.

ويجوز أيضاً ندب القاضي للعمل في لجان حكومية، أو أجهزة استشارية تابعة للدولة على ألا يكون لهذا الندب تأثير على عمله القضائي وأن يخضع لموافقة الجهة المعنية بإدارة شئون القضاة.

 

  1. يحق للقضاة تكوين جمعيات ونوادي للدفاع عن مصالحهم، إلا أنه نظراً للطبيعة الخاصة لوظيفة القاضي الدستورية وكونه يمارس سلطة من سلطات الدولة فإنه من الجائز أن تتضمن القوانين الوطنية تقييداً لحق القضاة في الإضراب[10].

 

*ويلاحظ من كل ما تقدم أن قرار تعليق العمل القضائي سواء أكان كلياً أو جزئياً لا يجد في تقديري سنداً شرعياً لا في نصوص القوانين الوطنية ولا الاتفاقيات والمباديء الدولية بل إن آلية تنفيذه قد صاحبها انتهاكات صارخة لهذه المباديء، لعل أبرزها إجبار غير المشاركين في الإضراب على تعليق العمل من خلال اتخاذ قرار عام بتعليق العمل في بعض المحاكم، وليس الدعوة إلى الإضراب وترك الأمر منوطاً بإرادة كل قاضي.

 وعلاوة على ذلك فإن تجاوز الإضراب في أهدافه ومراميه لما يعد دفاعاً عن القضاء إلى الانخراط في الشأن العام وما صاحبه من ممارسات صاخبة من شأنه التأثير كثيراً في ثقة العامة في القضاء ومدى تمتعه بالحيدة والنزاهة على نحو ما تقدم.  

 


[1]  ILO, 1994a, paras. 173 and 174, Reffered to in: Bernard GERNIGON, Alberto ODERO and Horacio GUIDO, ILO Priciples  Concerning the Right to Strike, International Labour Office, Geneva, 2000,  P. 17

[2] Bernard GERNIGON, Alberto ODERO and Horacio GUIDO, OP. P 55.

[3] ILO, 1996d, paras. 588 and 589. , Reffered to in: Bernard GERNIGON, Alberto ODERO and Horacio GUIDO, OP. P. 48

[4]  ILO, 1996d, para. 527. , Reffered to in: Bernard GERNIGON, Alberto ODERO and Horacio GUIDO, P. 18.

[5] ILO, 1984a, 233rd Report, para. 668; ILO, 1983b, 226th Report, para. 343; and ILO, 1996d, note to para. 492., Reffered to in: Bernard GERNIGON, Alberto ODERO and Horacio GUIDO, OP. P. 19.

[6] ILO, 1996d, para. 541. , Reffered to in: Bernard GERNIGON, Alberto ODERO and Horacio GUIDO, OP. P. 20.

[7] المستشار د. محمد عبد الوهاب خفاجي، قيود حق الإضراب في الاتفاقية الدولية، الأهرام الرقمي عدد 18 فبراير 2012  http://digital.ahram.org.eg/

[8] United Nations Office on Drugs and Crime, Commentary on the Bangalore principles of judicial conduct, September, 2007, P. 80. 

[9]  United Nations Office on Drugs and Crime, Commentary on the Bangalore principles of judicial conduct, September, 2007, P. 92.

[10] United Nations Office on Drugs and Crime, Commentary on the Bangalore principles of judicial conduct, September, 2007, P. 117. 

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع