المقالات

الجهر بالدعوة وإيذاء المشركين

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد.

فلما فشا الإسلام بمكة، وأصبح الناس يتحدثون به، وقد مرت أعوام ثلاثة من عمر ھذه الدعوة المباركة، وتكونت نواة لھذا الدين ممثلة في السابقین الأولین الذين لم تخل عشیرة من أحدھم، أنزل الله تعالى على نبیه صلى الله علیه وسلم {وَأَنْذِرْ عَشِیرَتَكَ الْأَقْرَبِینَ} [الشعراء: 214].

 

 فكان ھذا إيذانا بالجھر بالدعوة، وتأكیداً على أن البدء بالأقربین عنوان صدق الداعیة، وقد بادر رسول

الله صلى الله علیه وسلم فصعد على الصفا وھتف: يا صباحاه، فجعل ينادى بطون قريش، يا بني فھر يا بني عدى، يا بني فلان حتى اجتمعوا، فجعل الذى لم يستطیع أن يخرج يرسل رسولاً لینظر ما ھو؟ فجاء أبو لھب وقريش، فقال النبي صلى الله علیه وسلم: أرايتم لو أخبرتكم أن خیلاً بالوادى تريد أن تغیر علیكم، أكنتم مصدقى ؟ قالوا: ما جربنا علیك كذبا! قال: فإنى نذير لكم بین يدى عذاب شديد! فقال ابو لھب: تباً لك سائر الیوم! ألھذا جمعتنا ؟ فنزل قوله تعالى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَھَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1].

 

 وھذا يدل على أن زعیم المعارضة لتلك الدعوة المباركة ھو أبو لھب عم النبي صلى الله علیه وسلم فضلاً عن بقیة زعماء قريش الذين عادوا رسول الله صلى الله علیه وسلم وقاطعوا دعوته، وفي ھذا رد واقعى على دعاة القومیة الذين زعموا أن محمداً صلى الله علیه وسلم كان يمثل آمال العرب في ذلك الحین، فما أتعس دعاة القومیة! في كل موقف لا يعقلون، ومن كل جحر يلدغون!

 

متى نفعت القومیة أصحابھا في حاضر أو ماض؟ لقد فاصل رسول الله صلى الله علیه وسلم قومه على دعوته، وأوضح لأقرب الناس إلیه أن التصديق بھذه الرسالة ھو حیاة الصلة بینه وبینھم، وأن عصبیة القرابة التي يقوم علیھا العرب ذابت في حرارة ھذا الإنذار الآتي من عند الله : " يا معشر قريش إشتروا أنفسكم لا أغنى عنكم من الله شیئا، يا بني عبد المطلب! لا أغنى عنكم من الله شیئا، يا عباس يا عم رسول الله ،لا أغنى عنكم من الله شیئا، يا صفیة عمة رسول الله، لا أغنى عنكم من الله شیئا، يا فاطمة بنت رسول الله، سلینى من مالى ما شئت فإنى لا أغنى عنكم من الله شیئا".

 

لكن قريشاً عاندت وأبت الدخول في الإسلام بحجة سخیفة، قالوا : {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ص 5-7].

 

فأصروا على ما ألفوه من عاداتھم، وما درجوا علیه من تقالیدھم، فصدتھم العادات والتقالید عن ذكر الله وغرھم في دينھم ما كانوا به يفترون، ولیتھم إذ جھلوا ما جاءھم به النبي صلى الله علیه وسلم توقفوا وانتظروا، ولكن سارعوا إلى إيذائه صلى الله علیه وسلم والنیل منه بشتى الصور من السب العلني، والضرر المادى، فكانوا يدعونه مذمما على عكس اسمه محمد، ويسبون مذمما، وكان النبي صلى الله علیه وسلم يقول لأصحابه: " ألا تعجبون كیف يصرف الله عني شتم قريش ولعنھم! يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد "، ولا يخفى ندائھم للنبي صلى الله علیه وسلم بالمجنون ووصفھم له بالسحر والكذب.

 

ويروى عبدالله بن مسعود رضي الله عنه صورة من أبشع صور إيذائھم للنبي صلى الله علیه وسلم فیقول: بینما رسول الله صلى الله علیه وسلم قائم يصلى عند الكعبة، وجمع من قريش في مجالسھم إذ قال قائل منھم: ألا تنظرون إلى ھذا المرائى؟ آيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فیعمد فرثھا ودمھا وسلاھا فیجئ به، ثم يمھله حتى إذا سجد وضعه بین كتفیه، فانبعث أشقاھم فلما سجد رسول الله صلى الله علیه وسلم وضعه بین كتفیه، وثبت النبي صلى الله علیه وسلم ساجداً فضحكوا حتى مال بعضھم على بعض من الضحك، فأنطلق منطلق إلى فاطمة -رضي الله عنھا- وھي جويرية فأقبلت تسعى وثبت النبي صلى الله علیه وسلم حتى ألقته عنه وأقبلت علیھم تسبھم، فلما قضى رسول الله صلى الله علیه وسلم الصلاة قال : "اللھم علیك بقريش، اللھم علیك بقريش، ثم سمى اللھم علیك بعمرو بن ھشام، وعتبة بن ربیعة، وشیبة بن ربیعة، والولید بن عتبة، وأمیة بن خلف، وعقبة بن أبي معیط، وعمارة بن الولید، قال عبدالله بن مسعود: فوالله لقد رأيتھم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القلیب - قلیب بدر - ثم قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: " وأتبع أصحاب القلیب لعنة " وقد صح أن أبا جھل كان المحرض على ھذا، وعقبة بن أبي معیط ھو المنفذ.

 

 وقد سأل عروة بن الزبیر عبدالله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما-  أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله علیه وسلم؟ قال: بینما رسول الله صلى الله علیه وسلم يصلي بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معیط فأخذ

بمنكب رسول الله صلى الله علیه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله علیه وسلم وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبینات من ربكم؟

 

ھذا ولم يقتصر أذى قريش على الاتھام الباطل، والتكذيب السافر، والسخرية المرة، والأذى لرسول الله صلى الله علیه وسلم، بل تصاعد إلى ذروة العنف وخاصة في معاملة المستضعفین من المسلمین، فنكلت بھم لتفتنھم عن دينھم، ولتجعلھم عبرة لسواھم، ولتنفس عن غضبھا بما تصبه علیھم من العذاب، فألبسوھم أدرع الحديد وصھروھم في الشمس، فما منھم إنسان إلا وقد واتاھم على ما أرادوا إلا بلالاً، فإنه ھانت علیه نفسه في الله، وھان على قومه، فأعطوه الولدان، وأخذوا يطوفن به شعاب مكة وھو يقول: أحدٌ أحد، حتى اشتراه أبو بكر-رضي الله عنه-  فأعتقه.

 

وتترادف أنواع التعذيب من المشركین للمؤمنین حتى يذھب خباب بن الأرت -رضي الله عنه- إلى النبي صلى الله علیه وسلم وھو متوسد بردة في ظل الكعبة، وقد لقى المسلمون من المشركین شدة، قال: فقلت يا رسول الله ألا تدعوا لنا! ألا تستنصر لنا! فقال النبي صلى الله علیه وسلم وقد قعد وأحمر وجھه: " لقد كان مَنْ قَبلَكْم يؤخذ الرجل فیُحفر في الأرض فیُجعل فیھا، ثم يؤتى بالمنشار فیوضع على رأسه فیجعل نصفین، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله لیتمن الله ھذا الأمر حتى يسیر الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله ولكنكم تستعجلون".

 

إن رسول الله صلى الله علیه وسلم أراد أن يبین لأصحابه أن الصبر على الفتن والابتلاء ھو المیزان الذى يمیز الصادق من الكاذب {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَھُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِھِمْ فَلَیَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَیَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِینَ} [العنكبوت: 2].

 

إنه لا مجال للیأس إذاً، بل إن وقوع الفتن والابتلاء والصبر علیھا في ذات الله ھو طريق النصر، وعامل الفرج  {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْھُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

 

لقد كان النبي صلى الله علیه وسلم يأمر أصحابه بضبط النفس، والتحلى بالصبر، وعدم مواجھة العدوان بمثله في مرحلة أُمر فیھا المسلمون مع الجھر بالدعوة بالإعراض عن المشركین! حرصاً على مستقبل الدعوة، وإبقاءاً على الدعاة بعیداً عن المواجھة التي لیست الآن في صالحھم، وكان ھذا مقتضى الحكمة، ولتفويت الفرصة على المشركین الذين يحرصون على مواجھة حاسمة تئد الدعوة في مھدھا.

 

ولما كان الإعراض عن المشركین مع استمرار أذاھم يؤدي إلى قوة قلبیة، وتربیة عملیة، كان النبي صلى الله علیه وسلم يوجه أصحابه نحو توثیق صلتھم بالله، والتقرب إلیه بالعبادة فھو وحده نعم المولى ونعم النصیر، ولھذا أنزل الله تعالى: {يَا أَيُّھَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّیْلَ إلَّا قَلِیلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِیلاً * أَوْ زِدْ عَلَیْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِیلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَیْكَ قَوْلاً ثَقِیلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّیْلِ  ھِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِیلاً} [المزمل: 1-6].

 

فقام رسول الله صلى الله علیه وسلم وأصحابه قريباً من عام حتى ورمت أقدامھم، ثم أنزل الله التخفیف عنھم بعد أن علم اجتھادھم في طلب مرضاته فانزل: {فَاقْرَأُوا مَا تَیَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: من الآية: 20].

 

 لقد امتحنهم الله بقيام الليل ليربيهم على المجاهدة، ويحررهم من الخضوع لأهواء النفس تمهيداً لقيادة البشرية، وقد خاض الصحابة رضى الله عنهم هذه الاختبارات بنجاح باهر ظهر أثره في تحملهم أعباء الجهاد وإنشاء الدولة بالمدينة، وفي إخلاصهم العميق للإسلام، وتضحيتهم من أجل تطبيقه في واقع الحياة، ونشره بين العالمين.

 

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع