المقالات

استغفار الطائعين

الشيخ /  سيد علام


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

 

فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً (رواه البيهقي في شعب الإيمان).

 

وعن الزبير رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن تسُرَّهُ صحيفته فليُكْثِرْ فيها من الاستغفار" (صححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة).

 

والاستغفار هو طلب الغفران، والغفران: تغطية الذنب بالعفو عنه، والغفران والمغفرة من الله تعالى أن يصون الله تعالى العبد من أن يمسه العذاب.


ومن أسماء الله عز وجل: الغفور والغفار وغافر الذنب.


قال الغزالي رحمه الله تعالى: الغفار: هو الذي أظهر الجميل وستر القبيح، والذنوب من جملة القبائح التي سترها الله بإسبال الستر عليها في الدنيا، والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة، والغفر هو الستر، والغفور بمعنى الغفار، ولكنه بشيء ينبىء عن نوع مبالغة لا ينبىء عنها الغفار، فالفعَّال ينبىئ عن كثرة الفعل، والفعول ينبىء عن جودته وكماله وشموله.

 

قال الكفوي: إن الغفران يقتضي إسقاط العقاب ونيل الثواب، ولا يستحقه إلا المؤمن، ولا يستعمل إلا في حق الباري تعالى، والعفو يقتضي إسقاط اللوم والندم ولا يقتضي نيل الثواب، ويستعمل في العبد أيضاً.

 

وحينما يتحدث أحد عن الاستغفار إذ بمن يستمع إليه يذهب فكره وعقله بأن هذا الكلام موجه للعصاة والمذنبين والمجرمين وأصحاب الكبائر والذين انغمسوا في المخالفات.


وهذا حق وصحيح إلا أنه لا ينتبه الكثير إلى أنه هناك نوع آخر من الاستغفار خاص للطائعين!!!


نعم الطائعون أيضاً يستغفرون بل يكثرون من الاستغفار، والأدلة على ذلك كثيرة جداً، ولنتدبر هذه النصوص ليتضح لنا هذا المعنى جلياً.

 

-          بعد ما أمر الله عز وجل بالحج والعمرة وبين بعض المناسك فيهما قال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة 199].

 

قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السِّعدي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية مبينا أنَّ الحكمة من ذلك ليكون جابراً لما حصل من العبد من نقص، ولما وقع منه من خلل أو تقصير: فالاستغفار للخلل الواقع من العبد في أداء عبادته وتقصيره فيها، وذِكْرُ اللهِ شُكْرُ اللهِ على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنَّة الجسيمة، وهكذا ينبغي للعبد كلَّما فرغ من عبادة أن يستغفرَ الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمَن يرى أنَّه قد أكملَ العبادةَ ومنَّ بها على ربِّه، وجعلت له محلاًّ ومنزلةً رفيعة، فهذا حقيق بالمقت ورد العمل كما أنَّ الأول حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أُخر.

 

-          وقال بعد الأمر بالصلاة والإنفاق في سبيله: {.........................وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [من الآية 20 المزمل].

 

-          وقال: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة285].

 

-          وقال على لسان الخليل إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم 40 – 41].

 

-          وقال عز وجل: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران 15 – 17] قال القاسمي: وتسمى سورة آل عمران بسورة الاستغفار لورود هذه الآية فيها.

 

-          وقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات 15 – 18]
قال القاسمي في محاسن التأويل: {وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال القاضي: أي أنهم مع قلة هجوعهم، وكثرة تهجدهم، إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم.
قال الرازيّ: في الآية إشارة إلى أنهم كانوا يتهجّدون ويجتهدون، ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك، وأخلص منه، فيستغفرون من التقصير، وهذا سيرة الكريم: يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقله، ويعتذر من التقصير، واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره، ويمنّ به، وفيه وجه آخر ألطف منه: وهو أنه تعالى، لما بين أنهم يهجعون قليلا، والهجوع مقتضى الطبع، قال {يَسْتَغْفِرُونَ} أي من ذلك القدر من النوم القليل، وفيه لطيفة أخرى نبيّنها في جواب سؤال: وهو أنه تعالى مدحهم بقلة الهجوع، ولم يمدحهم بكثرة السهر، وما قال: كانوا كثيرا من الليل ما يسهرون، فما الحكمة فيه؟ مع أن السهر هو الكلفة والاجتهاد، لا الهجوع؟ نقول: إشارة إلى أن نومهم عبادة، حيث مدحهم الله تعالى بكونهم هاجعين قليلا، وذلك الهجوع أورثهم الاشتغال بعبادة أخرى، وهو الاستغفار، في وجوه الأسحار ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم والاستكبار.

 

-          وقال عز وجل {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء 105 - 106].

 

وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح.


وعن حاطب قال: سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت فإذا هو ابن مسعود -رضي الله عنه -.


 وعن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة.

 

ومن الأحاديث:

-          عن ثوبان رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثآ وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والاكرام" (صحيح الجامع  4688).
قيل للأوزاعى - وهو واحد من رواته - كيف الاستغفار؟ قال : استغفر الله، استغفرالله، استغفر الله.

 

-          وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صلاة بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} إلاَّ يَقُولُ فِيهَا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَفِي لَفْظٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي .

-  وفي رواية للبخاري ومسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثِر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأوّل القرآن، ومعنى يتأوّل القرآن: أي يفعل ما أُمِرَ بِهِ في قول الله عز وجل: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} قاله النووي.

 

وسبب قوله صلى الله عليه وسلم ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثِر من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه، قالت: فقلت: يا رسول الله أراك تُكثِر من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه ، فقال: "خبّرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرتُ من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه فقد رأيتها: {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} فتح مكة، {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}".

 

-          وفي سنن أبي داود من حديث حذيفة قال: كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ وَكَانَ يَقُولُ: ‏"‏رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي"‏  وفي رواية عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، اَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: ‏"‏اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي"‏ ‏.

 

-          وعن الأغر المزني - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة" (رواه مسلم وأبو داود).

 

وعن عائشة - رضي الله عنها -  أنها قالت: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصغيت إليه قبل أن يموت وهو مسند إليّ ظهره يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى" (رواه مسلم).

 

  • واستشكل وقوع الاستغفار من النبي وهو معصوم؛ فالاستغفار يستدعي وقوع المعصية، وأجاب العلماء على ذلك بعدة أجوبة، منها: قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد.

وقال ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهاداً في العبادة لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير، فكأن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى.


وقال القرطبي في (المفهم): وقوع الخطيئة من الأنبياء جائز؛ لأنهم مكلفون، فيخافون وقوع ذلك ويتعوذون منه.

 

وعَدّ ابن كثير أمر الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بالاستغفار تهييجاً للأمة على طلب المغفرة، إذ كيف يكون خطاب أفراد الأمة إذا أمر نبيها بالاستغفار؟

 

وشُرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالتوبة فإنَّ أحسن ما ختمت به الأعمال التوبة والاستغفار، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِى مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ" (رواه الترمذي).

 

ومن مظاهر اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار: تعليمه لأصحابه، بل لخيرة أصحابه، وصاحبه في الهجرة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: إن أبا بكر الصديق قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي وفي بيتي قال: قل: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم" (رواه البخاري ومسلم) وعن قوله: "مغفرة من عندك" قال الطيبي: دل التنكير على أن المطلوب غفران عظيم لا يحيط به وصف، وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين، أحدهما: الإشارة إلى التوحيد، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، فافعله لي، والثاني: أنه إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من عمل حسن ولا غيره، وبهذا الثاني جزم ابن الجوزي فقال: المعنى: هب لي مغفرة تفضلاً، وإن لم أكن لها أهلاً بعملي.

 

بل لقد ختم عليه الصلاة والسلام حياتَه العامرةَ بتحقيق العبودية وكمال الطاعة بالاستغفار، ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنَّها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصغت إليه قبل أن يموت وهو مُسنِدٌ إليها ظهرَه يقول: "اللَّهمَّ اغفر لي وارحَمني وأَلحِقنِي بالرَّفيق الأعلى" (رواه البخاري) مع ملازمةٍ عظيمة منه صلى الله عليه وسلم للاستغفار في أيام حياته الزكيَّة وعمره الشريف.

 

قال ابن القيم - رحمه الله - في بيان حاجة العبد للتوبة والاستغفار: انسب أعمالك وأحوالك إلى عظيم جلال الله، وما يستحقه، وما هو له أهل، فإن رأيتها وافية بذلك مكافأة له فلا حاجة حينئذ إلى التوبة، وإذا رأيت أن أضعاف أضعاف ما قمت به من صدق، وإخلاص، وإنابة، وتوكل، وزهد، وعبادة لا يفي بأيسر حق له عليك، ولا يكافئ نعمة من نعمه عندك، وأن ما يستحقه لجلاله وعظمته أعظم وأجل وأكبر مما يقوم به الخلق: رأيت ضرورة التوبة، وأنها نهاية كل عارف وغاية كل سالك، وإذا لم يكن للقيام بحقيقة العبودية سبيل فعلى التوبة المعول ... ولولا تنسم روحه التوبة لحال اليأس بين ابن الماء والطين وبين الوصول إلى رب العالمين، هذا لو قام بما ينبغي عليه من حقوق لربه، فكيف والغفلة والتقصير والتفريط والتهاون وإيثار حظوظه في كثير من الأوقات على حقوق ربه لا يكاد يتخلص منها؟ !(تهذيب مدارج السالكين).

 

قال ابن حجر: المؤمن يغلب عليه الخوف؛ لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن من العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم: أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيء.

 

وقال المحب الطبري: إنما كانت هذه صفة المؤمن؛ لشدة خوفه من الله ومن عقوبته، لأنه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة.

 

وكان هذا دأب السلف الصالح ، قال ابن رجب رحمه الله: كان السلف يرون : أن من مات عقب عمل صالح ؛ كصيام رمضان أو عقيب حج أو عمرة يرجى له أن يدخل الجنة، وكانوا مع اجتهادهم في الصحة في الأعمال الصالحة يجددون التوبة والإستغفار عند الموت ويختمون أعمالهم بالاستغفار وكلمة التوحيد.
لما احتضر العلاء بن زياد بكى فقيل له: ما يبكيك ؟ قال : كنت والله أحبُّ أن أستقبل الموت بتوبة قالوا: فافعل رحمك الله، فدعا بطهور فتطهر، ثم دعا بثوب جديد فلبسه، ثم استقبل القبلة فأومأ برأسه مرتين أونحو ذلك ثم اضطجع و مات.
ولما احتضر عامر بن عبد الله بكى وقال: لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري و تفريطي و أتوب إليك من جميع ذنوبي، لا إله إلا الله، ثم لم يزل يرددها حتى مات رحمه الله. وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه عند موته: اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إلا عفوك، لا إله إلا الله، ثم رددها حتى مات.

 

وهذا الاستغفار ثماره وبركاته على أهله لا تُعدُّ ولا تُحصى في تتميم أعمالهم وجبر تقصيرهم، ورفعة مقامهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه إلى الفعل المحبوب، من العمل الناقص إلى العمل التامّ، ويرفع العبدُ من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل، فإنَّ العابد لله والعارف بالله في كلِّ يوم، بل في كلِّ ساعة، بل في كلّ لحظة يزداد علماً بالله وبصيرةً في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله، ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية وإعطائها حقّها، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، بل هو مضطرٌّ إليه دائماً في الأقوال والأحوال، في الغوائب والمشاهد، لما فيه من المصالح وجلب الخيرات ودفع المضرّات، وطلب الزيادة في القوّة في الأعمال القلبية والبدنيّة اليقينية الإيمانية.

 

من ثمار الاستغفار:

أولاً: غفران جميع الذنوب، ويشمل ذلك ذنوب العبد التي لم يحصها أو نسيها، وقد أحصاها الله عليه مهما صغرت أو مضت عليه السنون، وقد حكى الله

عن أناس غفلوا عن أعمالهم ففجأتهم يوم القيامة، قال الله عنهم: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] .

ثانياً: الدخول على الله من باب الخضوع والخشية والإخبات، وهذا يورث التواضع باطناً وظاهراً.

ثالثاً: الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، وظاهرٌ ما في الاقتداء به من البركة وحصول الخيرات.

رابعاً: الاعتراف بالتقصير في الطاعات والخوف من الذنوب هو مطية الإقبال على التزود من النوافل وعمل الصالحات والاستكثار من الحسنات.

خامساً: المحافظة على سلامة القلب وصفائه من آثار الذنوب.

قيل:
كُلمَا قلَّ استغفَارك ،

كُلّمَا قسَى قَلبُك

وكُلّمَا قسَى قَلبُك ،

كُلّمَا هانَت عليّكَ المعَاصِي ،

وكُلّمَا اقتَرَفتَ المعَاصِي ،

كُلّمَا ضّاقت عليّكَ نَفسُك ،

وكُلّمَا شعرتَ بالضّيق ،

كُلّمَا فَقدتَ الحيّاة بريقُها فِي عينِك ،

فرطِّب لِسانك بالاستغفَار والذّكر

 

فحري بالمؤمن أن يُلازم الاستغفار وأن يكثر منه، ولا سيما في ختام الطاعات جبراً لما فيه من نقص، وتتميما لطاعته وعبادته، وليفوز بثواب المستغفرين وكريم مآبهم .

 

روي عن بن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب" (رواه أبو داود وأحمد وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر وضعفه الألباني ولكن معناه صحيح).

 

نسأل اللهَ - جلَّ وعلا - أن يجعلنا من عباده التوابين الأوّابين المستغفرين، وأن يتوب علينا إنَّه هو التواب الرحيم ، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع