المقالات

غزوة تبوك

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

أخذ الإسلام يستقر في الجزيرة العربیة بعد فتح مكة وإسلام ھوازن، وغیرھما من قبائل العرب، واستولى على الأفئدة وملأت ھیبته النفوس، وھذا ما جعل الروم وأتباعھم من نصارى العرب يخافونه، ويراقبونه من بعید في تربص وحذر.

 

 ولما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْیَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَھُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] عزم رسول الله صلى الله علیه وسلم على قتال الروم، لأنھم أقرب الناس إلیه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق، لقربھم إلى الإسلام وأھله، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّھَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْیَجِدُواْ فِیكُمْ غِلْظَةً} [التوبة:123].

 

ثم إن الأنباء كانت تترامى إلى المدينة بإعداد الرومان للقیام بغزوة حاسمة ضد المسلمین، بعد فشلھم الذريع يوم مؤتة، والذي خرج منه المسلمون بنصر عجیب، وسمعة طیبة، أزعجت النصارى الذين لا يرحبون بديانة التوحید.

 

 وفي شھر رجب من السنة التاسعة للھجرة، ندب رسول الله صلى الله علیه وسلم أھل المدينة ومن حولھم من الأعراب لقتال الروم، وھي آخر غزوة غزاھا بنفسه صلى الله علیه وسلم، وقد كان لا يكاد يخرج بغزوة إلا ويخفى مقصده، كیلا تسیر الأنباء إلى عدوه لكنه في ھذه الغزوة أخبر الناس بوجھته وقصده، لبعد المسافة، وشدة الحر، ونقص النفقة، فقد كان عام جدب، وأيضاً لقوة العدو، فقتال الروم لیس قتال قبیلة مجاورة، وإنما مواجھة مريرة مع دولة تبسط سلطانھا على عدة قارات، وتملك أكبر قوة عسكرية في ذلك الوقت، ولھذا نزلت الآيات تستنفر المسلمین، وتستحث ھممھم، وتقوى عزائمھم لتحمل مسئولیة ھذا الدين أمام صلف الصلیبیین، وتحذرھم من الركون إلى الدنیا، والخلود إلى الدعة والراحة خصوصاً وقد اشتد حر الصیف، وطاب الثمر.

 

قال تعالى: {يَا أَيُّھَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِیلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِیلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِیتُم بِالْحَیَاةِ الدُّنْیَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَیَاةِ الدُّنْیَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِیلٌ * إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِیماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَیْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَیْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة39-38].

 

وأخذ رسول الله صلى الله علیه وسلم يعد الجیش الذي عرف بجیش العسرة من أجل الظروف العصبیة التي صاحبت تجھیزه، وحث أصحابه على الإنفاق حتى قال: "من جھز جیش العسرة فله الجنة!" فقام عثمان بن عفان رضي الله عنه بتجھیزه، وھذا من مناقبه العظیمة، وصب يومئذ في حجر النبي صلى الله علیه وسلم ألف دينار، فجعل رسول الله صلى الله علیه وسلم يردد: "ما ضر ابن عفان ما فعل بعد الیوم" فرحاً بنفقته، وأخذ الصحابة رضي الله عنھم يأتي كل بما يستطیعه، حتى الفقراء، كانوا يجودون  على استحیاء  بما يستطیعونه من النفقة رغبة في ثواب الله، ولم يفلت يومئذ الفقراء ولا الأغنیاء من ألسنة المنافقین! فقد جعلوا يسخرون من الفقراء ويتھمون الأغنیاء بالرياء، وھذا ديدنھم، الغمز واللمز، والتشھیر والإرجاف، فأنزل الله في فضح أسالیبھم: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِینَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُھْدَھُمْ فَیَسْخَرُونَ مِنْھُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْھُمْ وَلَھُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ} [التوبة:79].

 

ولم يتوقف دور المنافقین في ھذه الغزوة عند اللمز والغمز فقط، بل أعلنوا نفاقھم في جرأة خسیسة، وأخذوا يثبطون المسلمین ويقولون: لا تنفروا في الحر، {وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَھَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَھُونَ}[التوبة:81].


وأخذوا يتوافدون على النبي صلى الله علیه وسلم يعتذرون بأعذار كاذبة، ويستأذنونه في التخلف عن الخروج! {وَمِنْھُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَھَنَّمَ لَمُحِیطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}  [التوبة:49] حتى عاتب الله نبیه على الإذن لھؤلاء {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَھُمْ حَتَّى يَتَبَیَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِینَ} [التوبة:43].

 

 ولم يكن النفاق محصوراً في أھل المدينة، بل تعداھم إلى أعراب البوادي، الذين وصفھم الله بأنھم: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة:97]، وذلك لأنھم جمعوا بین قسوة القلب والجھل بالأحكام الشرعیة، وھكذا توالت الآيات تكشف سرائر المنافقین، وتحذرھم من كیدھم، حتى عرفت سورة التوبة بالفاضحة التي فضحت المنافقین.

 

وأما المؤمنون فقد كان لھم شأن آخر، إذ صدقت نیتھم في الجھاد مع رسول الله صلى الله علیه وسلم، وتسابقوا يعرضون أنفسھم علیه، وبلغ الأمر بالضعفاء المعذورين، الفقراء الذين أعجزتھم النفقة عن الخروج إلى أن بكوا شوقاً للجھاد، وتحرجا أن يكونوا من القاعدين، وفي شأنھم نزل قوله تعالى مسلیا ومواسیاً: {لَیْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِینَ مِنْ سَبِیلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِیمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَھُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَیْهِ تَوَلَّوْا  وَأَعْیُنُھُمْ تَفِیضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة:91-92].

 

لقد كافأ الله تعالى ھؤلاء الذين حسنت نواياھم للخیر بأن أجرى لھم ثواب نیاتھم الصادقة، لقد أخذ النبي صلى الله علیه وسلم يذكر أصحابه وھم في سفرھم البعید بھؤلاء الصادقین: "إن بالمدينة أقواماً، ما سرتم مسیراً، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم!"  قالوا يا رسول الله: وھم بالمدينة؟! قال: "وھم بالمدينة! حبسھم العذر!".

 

 نعم، إن المرء لیبلغ بنیته مالا يبلغ بعمله، ولھذا قالوا: (نیة المؤمن أبلغ من عمله)، وخرج رسول الله صلى الله علیه وسلم في ثلاثین ألفا من أصحابه إلى تبوك، وھو أكبر جیش قاده النبي صلى الله علیه وسلم في حیاته، وكان الرجلان على بعیر واحد، والثلاثة على بعیر واحد، والحر شديد، والعطش شديد حتى جعلوا ينحرون إبلھم لینفضوا أكراشھا، ويشربوا ماءھا، فكان ذلك عسرة في الماء، وعسرة في النفقة، وعسرة في الظھر، قال تعالى: {لقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُھَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة: 117].

 

 وبلغ المسلمون تبوك فلم يلقوا جموع الروم ھناك! ولا وجدوا القبائل العربیة المتنصرة، وكأنھم آثروا الاختفاء داخل حدودھم، دون مغامرة قد تكلفھم الكثیر.

 

وقد أقام النبي صلى الله علیه وسلم نحوا من عشرين لیلة في تبوك، ھابه خلالھا أھل المدن المجاورة من قبائل العرب المتنصرة، فجاءوا يصالحونه على الجزية، ودخل في عھد المسلمین يومئذ أھل أيلة وأذرح وجرْباء، وأھداه يومئذ ملك أيلة بغلة بیضاء وبرداً، ثم عاد النبي صلى الله علیه وسلم منصوراً غانماً.

 

 وفي طريق العودة إلى المدينة مر المسلمون بديار ثمود الذين غضب الله علیھم لعصیانھم نبیھم وذبحھم الناقة، ولما سارع الناس إلى دخول بیوتھم ومساكنھم البائدة  كما يفعل السائحون في زماننا  نھاھم النبي صلى الله علیه وسلم وقال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسھم، أن يصیبكم ما أصابھم، إلا أن تكونوا باكین"، ثم قنع رأسه، وأسرع السیر حتى أجاز الوادي، كما نھاھم عن شرب الماء من بئرھا أو الوضوء منه.


وفي ھذا تنبیه للسائحین الذين يذھبون إلى آثار الكفار الذين غضب الله علیھم بقصد النزھة والمشاھدة والاستمتاع والفرح، وربما أكلوا ھنالك وشربوا، وضحكوا ولعبوا، وتناولوا صوراً تذكرھم بھذه اللحظات السعیدة في زعمھم، لكن نبینا صلى الله علیه وسلم نھى عن ذلك، وقال: لا تدخلوا إلا أن تكونوا باكین، وعلل ذلك بقوله: أن يصیبكم ما أصابھم، يعنى خشیة أن يصیبكم ما أصابھم من العذاب.

 

ورجع رسول الله صلى الله علیه وسلم إلى المدينة، وقوبل بحفاوة بالغة، وجاءه المنافقون المتخلفون يعتذرون، فقبل منھم ظواھرھم، ووكل إلى الله سرائرھم وبايعھم واستغفر لھم.

 

 ثم جاءه ثلاثة من المؤمنین من أصحابه كانوا قد تخلفوا، فلم يعتذروا كالمنافقین بل أقروا بالذنب، فھجرھم النبي صلى الله علیه وسلم خمسین يوماً حتى أنزل الله توبتھم جزاء صدقھم واعترافھم: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَیْھِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَیْھِمْ أَنْفُسُھُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَیْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَیْھِمْ لِیَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ ھُوَ التَّوَّابُ الرَّحِیمُ } [التوبة:118].

  

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع