المقالات

وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

لما نزل قوله تعالى: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ توابا (3)} وكان ذلك في حجة الوداع، علم رسول الله صلى الله علیه وسلم أنه قد نعیت إلیه نفسه، ولا ريب أن الأحداث العظیمة سبقھا من الإرھاصات و العلامات ما يشیر إلى قرب وقوعھا.

 

 وقد تم فتح مكة أم القرى في السنة الثامنة للھجرة، وفي السنة التاسعة أقبلت الوفود تقر بالإسلام، أو تعطي الجزية عن يد وھم صاغرون، وأرھب جیش العسرة الذي خرج به النبي صلى الله علیه وسلم جحافل الروم حتى فروا من مواجھته، ودانت جزيرة العرب بالإسلام، وكان ذلك بعد عشرين سنة من الجھاد المتواصل الذي خاضه النبي صلى الله علیه وسلم وأصحابه الكرام، فكل العلامات تشیر إلى انتھاء مھمة النبي صلى الله علیه وسلم، فقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وأصبح الناس علي محجة بیضاء، لیلھا كنھارھا، لا يزيغ عنھا إلا ھالك، فكأن الله يخبره: أنك إذا فتحت مكة وھي قريتك التي أخرجتك  ودخل الناس في دين الله أفواجا، فقد فرغ شغلنا بك في الدنیا، فتھیأ للقدوم علینا، والوفود إلینا، فالآخرة خیر لك من الدنیا، ولسوف يعطیك ربك فترضى، ولھذا قال: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} [النصر3].

 

 قال ابن عباس رضي الله عنھما: نعیت إلى رسول الله صلى الله علیه وسلم نفسه، حین أنزلت  يعني ھذه السورة  فأخذ في أشد ما كان اجتھاداً في أمر الآخرة، فمن ذلك أنه كان صلى الله علیه وسلم يعتكف كل سنة عشراً في رمضان، فاعتكف في السنة الأخیرة عشرين لیلة، وكان جبريل يعارضه القرآن مرة في رمضان، فعارضه في السنة الأخیرة مرتین، وجعل رسول الله صلى الله علیه وسلم يُعَرِّضُ بقرب أجله، فمن ذلك قوله لمعاذ وھو يودعه إلى الیمن: "عسى ألا تلقاني بعد عامي ھذا، ولعلك تمر بمسجدي ھذا وقبري!".

 

 وأخذ يرغب أصحابه في كثرة ملازمته والجلوس إلیه صلى الله علیه وسلم قبل أن يحرموا ذلك، ويتمنى أحدھم لو رآه بأھله وماله كما قال لهم: "والذي نفس محمد بیده لیأتین على أحدكم يوم ولا يراني، ثم لأن يرآني أحب إلیه من أھله وماله معھم" ولما أراد أن يحج حجته التي لم يحج بعدھا  بأبي ھو وأمي صلى الله علیه وسلم أعلم الناس بنیته حتى يحرصوا على الحج معه والاستفادة منه، وجعل يقول: "خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري! لعلي لا ألقاكم بعد عامي ھذا"، وطفق يودع الناس، وفي يوم عرفة من حجة الوداع نزل قوله تعالى : {الْیَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِیتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة3].

 

  وقد تتابع الوحي على رسول الله صلى الله علیه وسلم قبل وفاته كما قال أنس رضي الله عنه حتى توفاه الله أكثر ما كان الوحى، وذلك أن الوفود كثروا بعد فتح مكة وكثر سؤالھم عن الأحكام ، فكثر النزول بسبب ذلك، ومن أواخر ما نزل قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِیهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَھُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [البقرة 281].

 

 ولما ازداد شعور النبي صلى الله علیه وسلم بقرب اللقاء خطب الناس فقال: "إن عبداً خیره الله بین الدنیا، وبین ما عند الله، فاختار ما عند الله"، فبكى أبو بكر رضي الله عنه ثم قال: فديناك بآبائنا وأمھاتنا يا رسول الله، فتعجب الناس من بكائه، ولم يفطنوا لما فطن إلیه، فكان أبو بكر أعلمھم، وكان رسول الله صلى الله علیه وسلم ھو العبد المخیر.

 

وخرج رسول الله صلى الله علیه وسلم إلى أحد فصلى على الشھداء كالمودع للأحیاء والأموات، ثم انصرف إلى المنبر فقال: "إني فرطكم وإني شھید علیكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وأني أعطیت مفاتیح خزائن الأرض، أو مفاتیح الأرض، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدى، ولكن أخاف علیكم أن تنافسوا فیھا"

 

 وقد بدأت آلام النبي صلى الله علیه وسلم صداعاً وجده في بیت عائشة رضي الله عنھا حتى ثقل علیه الوجع، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بیت عائشة رضي الله عنھا، فأذنّ له لما علمن من ارتیاحه لخدمتھا له، وقد استغرق مرضه عشرة أيام وقیل ثلاث عشر يوماً، وكان يقول لعائشة مازلت أجد ألم الطعام الذي أكلته في خیبر، يعني الشاة المسمومة التي قدمتھا له المرأة الیھودية، وكانت عائشة تقرأ المعوذتین، وتمسح بیده صلى الله علیه وسلم لبركتھا.

 

 ولما ازدادت حرارة جسمه طلب أن يصب علیه سبع قرب من ماء حتى يخرج إلى الناس فیعھد إلیھم، ففعلوا حتى طفق يقول: "حسبكم حسبكم" ثم عصب رأسه ودخل المسجد، وصعد المنبر وخطب الناس قائلاً: "قاتل الله الیھود والنصارى اتخذوا قبور أنبیائھم مساجد" تقول عائشة رضي الله عنھا: يحذر ما صنعوا، وذلك من حمايته صلى الله علیه وسلم لجناب التوحید، ثم خاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى فأشار إلى ذم من يفعل ذلك، وجعل يوصي بالصلاة والرقیق ويكرر ذلك، "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم"،  وأوصى بالأنصار خیراً، كما أوصى بإخراج المشركین من جزيرة العرب، "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان" ووصى بإجازة الوفود على نحو ما كان يخبرھا صلى الله علیه وسلم، ووصى بالاعتصام بالكتاب والسنة، وأوصى أن تغلق الأبواب المفتوحة بالمسجد إلا باب أبي بكر رضي الله عنه، وقال: "إن أمنَ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر ولوكنت متخذاً خلیلاً غیر ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، ألا لا يبقین في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر".

 

 وھذا من الإشارات العديدة إلى استخلافه رضي الله عنه، ومن ذلك أنه لما اشتد علیه الوجع قال: "مروا أبا بكر يصلى بالناس"، وقال: "يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر"، فلعن الله قوماً يؤخرون مَن قَدَّمَه الله ورسوله والمسلمون، ولا يقرون للشیخین منزلتھما أبي بكر وعمر.

 

  ثم إن النبي صلى الله علیه وسلم دعا فاطمة رضي الله عنھا فسارَّھا بشيء فبكت، ثم دعاھا فسارَّھا بشيء فضحكت، فسألتھا عائشة بما لھا علیھا من حق، فقالت: (ما كنت لأفشي سر أبي)! ثم سألتھا بعد وفاة النبي صلى الله علیه وسلم فقالت: (إنه أخبرھا أنه يموت فبكت، وأخبرھا أنھا أول من يلحق به من أھله فضحكت)، وفي رواية أنه صلى الله علیه وسلم قال: "يا فاطمة أما ترضین أن تكوني سیدة نساء المؤمنین" فضحكت لذلك رضي الله عنھا.

 

 وازدادت وطأة المرض على النبي صلى الله علیه وسلم، ورأت فاطمة رضي الله عنھا وجعه الشديد فقالت، واكرب أباه: فقال لھا: "لیس على أبیك كرب بعد الیوم" تقول عائشة ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله علیه وسلم، ودخل علیه ابن مسعود رضي الله عنه فقال: يارسول الله إنك لتوعك وعكاً شديداً ، فقال: "أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم".

 

 وظل أبو بكر يصلى بالناس حتى صبیحة الیوم الذي قبض فیه رسول الله صلى الله علیه وسلم، وكأنه أراد أن يودع أمته فكشف في صلاة الفجر ستر حجرة عائشة، ونظر إلى صفوف المسلمین وھم في صفوف الصلاة، ثم تبسم وضحك، وھم المسلمون أن يفتتنوا فرحاً بخروجه، وتأخر أبو بكر ظاناً أن النبي صلى الله علیه وسلم سوف يعود إلى مكانه في إمامة الناس، فأشار إلیھم بیده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر ولما حضرته الوفاة أسند صدره إلى عائشة، فدخل أخوھا عبد الرحمن بسواك، فنظر إلیه النبي صلى الله علیه وسلم كأنه أعجبه، فأخذته عائشة فلینته وأعدته، فاستن به رسول الله صلى الله علیه وسلم، وكان بین يديه علبة فیھا ماء، فجعل يمسح بھا وجھه ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات"، وأخذته بحة وھو يقول: "مع الذين أنعم الله علیھم، اللھم الرفیق الأعلى"، فكانت آخر كلمة قالھا.

 

  قالت فاطمة رضي الله عنھا: يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.

 

 واضطرب المسلمون، فمنھم من دھش وخولط، ومنھم من أقعد فلم يطق القیام، ومنھم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنھم من أنكر موته بالكلیة، وقال إنما بعث إلیه، حتى جاء أبو بكر وكشف عن وجه النبي صلى الله علیه وسلم ثم أقبل علیه يقبله، ثم قام بتثبیت الناس فقال: أيھا الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلى قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَیْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَیْئاً وَسَیَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} [البقرة144].

 

 ثم غسلوا النبي صلى الله علیه وسلم في ثوبه، وكفنوه، وصلوا علیه أرسالاً أرسالاً، يدخلون من باب ويخرجون من الآخر.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 4+4=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع