المقالات

حول السياسة وشهر رمضان

    اسم الكاتب غير معروف

أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن من أعظم مخاطر العمل السياسي ومتابعته أن ننشغل به عن الغرض المقصود منه عند أهل الإسلام وهو تحقيق العبودية لله -سبحانه-؛ عبودية الأمة والمجتمع من خلال بناء أنظمة الحياة الإسلامية المفقودة منذ قرون من الزمان، وهذه العبودية العظيمة لا يمكن أن يحققها مَن ضيعوا فروض الإيمان وعبوديتهم الشخصية، وبتعاظمها صلاح القلوب، وما فسدت السياسة على أهلها إلا بسبب أمراض القلوب.


وهل أهلك فرعون إلا كبره وغروره بنفسه؟! (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ((الزخرف:51). وقال -تعالى-: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَالقصص:39).


وهل أهلك قوم نوح إلا ما في قلوبهم من هذه الأمراض؟! قال الله -تعالى-: (فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) (هود:27).


وهل أهلك عادا إلا الكبر والتكبر؟! (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) (فصلت:15)، وغيرهم كثير عبر الزمان...


وإذا تأملنا ما وقع ويقع حولنا في ليبيا وسورية وغيرهما... فما سفكت الدماء وانتهكت الأعراض، ودمرت البلاد والأموال والمساكن إلا بسبب الحرص على الملك والرياسة، والشهرة والسمعة وتزكية النفس، والبحث عمن تكون له الكبرياء في الأرض.


"لا يأمن على نفسه مَن هو في وسط أمواج الفتن إلا جاهل، ولا يزكيها ويمدحها إلا مغرور"

وحين تصبح هذه الأمراض هي القاعدة المقررة في التعامل السياسي وكأنها الأمر الأصلي الطبيعي فلا بد أن تكون النتيجة: الصراعات غير الشريفة، والأساليب القذرة التي لا بد أن تلبس لباس: (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر:29).

ولا بد أن تزين بزينة: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر26).

ودعوى: (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) (البقرة:11)، ولو كان هذا الصلاح المزعوم ومحاربة الفساد المدعاة بالحرب على دين الله ومقاومته بكل ممكن ومستطاع!

والخلطة مع أهل هذه الأمراض يمرض، بل هو من ضمن العقوبات القدرية؛ فهذا "جريج العابد" دعت عليه أمه لما لم يجبها وآثر صلاة النافلة عليها بألا يمته حتى ينظر في وجوه المومسات، وما نظر في وجوه المومسات إلا مضطرًا؛ ليبرئ نفسه من تهمة كاذبة؛ ضُرب وأهين، وهُدمت صومعته بسببها.

ووالله إن الكفار والمنافقين الذين يحاربون الدين لهم عند الله شر من المومس، والنظر في وجوههم ومجالستهم بغير أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ودعوة إلى الله ؛ لهو عقوبة حقيقية، فضلاً عن مداهنتهم على حساب الدين، ومجاملتهم بقبول باطلهم وإقراره، أو الفرح بثنائهم وتزكيتهم والسعي إليها.

ولا يأمن على نفسه مَن هو في وسط أمواج الفتن إلا جاهل، ولا يزكيها ويمدحها إلا مغرور، ولا يطلب التفتيش في نفسه وعرضها على القرآن "الذي هو شفاء هذه الأمراض" إلا محظوظ.


"لا بد لنا أن نمرر الآيات أمام القلوب، ولا يكون همنا آخر السورة؛ لنعالج أمراض قلوبنا وننظر كيف كان عاقبة المفسدين"

ورمضان شهر القرآن والصيام والقيام، ولا بد لنا أن نمرر الآيات أمام القلوب، ولا يكون هم أحدنا آخر السورة؛ لنعالج أمراض قلوبنا وننظر كيف كان عاقبة المفسدين، حتى إذا خضنا في غمار السياسة ظللنا على منهجنا وطريقنا؛ لنصلح السياسة لا لتفسدنا السياسة.

لنغير السياسة إلى سياسة شرعية لا لتغيرنا السياسة إلى طريق أصحابها الذين مارسوها على قواعد الوصولية والانتهازية، والكذب والغيبة والنميمة والخداع، وتزكية النفس والإعجاب بها، وحب المدح بما لم يفعل الإنسان، وسائر الأهواء الشيطانية المهلكة.

فلنستغل فرصة هذا الشهر العظيم بسماع القرآن الكريم ؛ لندخل مرحلة جديدة لا غنى لنا فيها -والله- عن الله طرفة عين.

المصدر :صوت السلف

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 3+3=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع