المقالات

المحافظة على الهُوية الإسلامية

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد , ..

فالهُوية الإسلامية هي كل ما يميز المسلمين عن غيرهم من الأمم الأخرى , وقوام هُويتهم هو الإسلام بعقيدته وشريعته وآدابه ولغته وتاريخه وحضارته , لاسيما وقد جاء الإسلام دينا كاملا , وهديا شاملا , ونهجا عادلا , وأمر المؤمنين أن يكونوا أمة وسطا , وأن يكونوا على صراط مستقيم وألا يشابه هديهم هدي الأمم الأخرى , ولا يتشبهوا بهم , لتتحقق بهم الشهادة على الأمم , ولتظهر بهم حجة الله على الخلق أجمعين , كما قال تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس )   [ آل عمران :110] ولا يكون ذلك إلا بتميُّزهم عن أمم الأرض , واختصاصهم بهديهم وسمتهم الخاص بهم , الذي اختاره الله لهم .

ولتحقيق تميزهم عن غيرهم من الأمم جاءت الشريعة المطهرة بالمنع من تشبه المسلمين بغيرهم , والأمر بمخالفة طرائقهم , وأدلة النهي عن التشبه بالمشركين واليهود والنصارى كثيرة , وهي الشيء البيّن الذي لا يخفى على أحد من الناس , فهذا أثر عن أبي سعيد الخُدْري مرفوعا , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه , قلنا يا رسول الله : اليهود والنصارى ؟ قال : فمن "    [ البخاري في الصحيح رقم (3269) , ومسلم رقم (2669) ] .

وأيضا عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من تشبه بقوم فهو منهم ) [ أبو داود رقم (4033) وقال عنه الألباني : حسن صحيح ] .

وورد في أدلة المخالفة لهم في الأذان والإقامة , عن ابن عمر رضي الله عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الناس لما يهمهم إلى الصلاة , فذكروا البوق , فكرهه من أجل اليهود , ثم ذكروا الناقوس , فكرهه من أجل النصارى ) [ رواه ابن ماجة برقم (707) ] .

وورد في أدلة النهي عن التشبه بهم في الصلاة وهيئتها , عن عائشة رضي الله عنها ( كانت تكره أن يجعل يده على خاصرته وتقول إن اليهود تفعله ) [ البخاري رقم (3271) ] , وفي لفظ عنها ( أنها كرهت الاختصار في الصلاة , وقالت لا تتشبهوا باليهود ) [ ابن أبي شيبة في المصنف رقم (4634) ] وهذا له حكم الرفع فقد جاء عن أبي هريرة مرفوعا ( نهى النبي عن الخصر في الصلاة " وفي لفظ " نهى النبي عن أن يصلي الرجل مختصرا ) [ متفق عليه , البخاري رقم (1161) , مسلم رقم (545) ] .

وفي النهي عن التشبه بهم في الصيام , روى عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عطاء سمعت ابن عباس يقول يوم عاشوراء ( خالفوا اليهود , وصوموا التاسع والعاشر ) [في المصنف رقم (7839) ] وله حكم الرفع .

وفي مخالفتهم في الدفن والجنائز , عن معاوية رضي الله عنه قال ( إن تسوية القبور من السنة , وقد رفعت اليهود والنصارى , فلا تتشبهوا بهما ) [ ابن أبي شيبة رقم ( 11920) بإسناد صحيح ] .

وفي مخالفتهم في التسليم والتحية , عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا ( ليس منا من تشبه بغيرنا , ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى , فإن تسليم اليهود الإشارة بالإصبع , وتسليم النصارى الإشارة بالكف ) [الترمذي رقم (2695) , وحسنه الألباني في السلسة الصحيحة رقم (194) ] .

وفي إعفاء اللحى وإحفاء الشوارب , عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا ( خالفوا المشركين , وفروا اللحى , وأحفوا الشوارب ) [ البخاري رقم (5549) , ومسلم رقم (259) ] .

وفي مخالفتهم في الصبغ وتغيير الشيب , عن أبي هريرة مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ) . وفي مخالفتهم في الزي واللباس , عن أبي عثمان النهدي قال (كتب إلينا عمر ونحن بأذربيجان : يا عتبة بن فرقد , إياكم والتنعمَ وزيَ أهل الشرك , ولبوسَ الحرير , فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن لبس الحرير) [مسلم رقم (2069) ] وهذا يؤكد حرص أمير المؤمنين الخليفة الراشد على عدم تعلق قلوبهم بالدنيا والركون إليها وهذا من فعل اليهود والنصارى , فالدنيا هي جنتهم , وإلا فليتمنوا الموت إن كانوا صادقين , وأيضا حرصا منه على الهُوية الإسلامية التي من شأنها نبذ التنعم والخلود إلى الدنيا , فالدنيا ليست إلا سبيل للوصول إلى الآخرة .

ونجد أن من الحكمة في منع التشبه باليهود والنصارى , أن في التشبه بأحوالهم ما قد يُفضي إلى اتباع سبيلهم والركون إليهم والميل لدينهم , قال تعالى ( وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) [سورة هود :113] .

وأيضا إن التشبه بهم لا يكون عادة إلا بسبب حبهم , أو تعظيمهم , أو استحسان أحوالهم , وكل ذلك قد يؤدي إلى نوع من التوافق القلبي والانجذاب الروحي , وانخراط ثوابت وعقائد المسلمين في مستنقعاتهم التي لا تسلم أن تخرج منها إلا ملطخة بأدناس معتقداتهم الباطلة , وأن البعد عن كل ذلك هو السبيل للمحافظة على الهوية الإسلامية والشخصية الإيمانية القرآنية السليمة .

وإن من خطورة هذا التشبه , أن الفقهاء قد اختلفوا في حكم هذا التشبه , فمنهم من يحكم عليه بأنه كفر وردة , وهو التشبه المطلق حتى يكون مثلهم في شركهم وكفرهم بالله - سبحانه وتعالى - ومنهم من قال إنه فسق ومعصية وهو أن يتشبه بهم في أمر محرم في الشريعة الإسلامية , ومنهم من قال إنه مكروه وهو أن يتشبه بهم في شيئ مكروه في الإسلام .

وأما الاقتباس المشروع , فهو يجوز شرعا من الأمم الأخرى في العلوم والصناعات والاختراعات المادية لأنها ليست حِكرا على أحد , ولا شعارا لأمة من الأمم , ولا تؤثر على هُوية الأمة الدينية , ولهذا لم يتردد عمر رضي الله عنه في تدوين الدواوين , وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم باقتباس حفر الخندق من الفرس , واستعمل المنجنيق , والدبابات الخشبية في الحرب .

هذا, وصلي اللهم على النبي محمد و آله وصحبه وسلِّم , والحمد لله رب العالمين.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 3+3=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع