المقالات

ضوابط إنكار المنكر في الخلافات

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله رب العالمين , والصلاة , والسلام على أشرف المرسلين , وعلى آله , وصحبه أجمعين , وبعد :

 

س: هل صحيح أنه لا يُنكر في المسائل الخلافية؟

ج: "المسائل الخلافية هي التي تكون محل اجتهاد , وليس فيها نص صريح , ولا دليل يرجح أحد القولين, ووقع فيها الخلاف بين الأئمة المشهورين , وهي تتعلق بفروع الشريعة , فهذه لا يُنكر فيها بشدة على أحد المجتهدين , مثل الجهر بالبسملة , والقراءة خلف الإمام , والتورك في الثنائية ,وقبض اليدين بعد الرفع من الركوع , وعدد تكبيرات الجنازة , ووجوب الزكاة في العسل , وفي الخضروات , و الفواكه , والفطر بالحجامة,ووجوب الفدية على المحرم إذا قص شعره , أو تطيب ناسيا , ونحو ذلك .


أما إذا كان الخلاف ضعيفا ,و مصادما لنص صريح ,فإنه يُنكر على من تركه , ويكون الإنكار بالدليل , كرفع اليدين عند الركوع ,والرفع منه , والطمأنينة في الركوع , والسجود , والرفع منه , والتأمين مع رفع الصوت به في الجهرية , والصلاة علي النبي - صلى الله عليه وسلم –في التشهد , ووجوب السلام للخروج من الصلاة , ونحو ذلك . أما إذا كان الخلاف في العقائد ,كصفة العلو, والاستواء , وإثبات الصفات الفعلية لله - تعالى - وخلق أفعال العباد , والتكفير بالذنوب , والخروج على الأئمة, والطعن في الصحابة - رضي الله عنهم - والغلو في علي - رضي الله عنه - وإخراج الأعمال من مُسمّى الإيمان , وإنكار الكرامات , والبناء على القبور , والصلاة عندها, ونحو ذلك ,فهذا يُنكر على من خالف فيه بشدة, حيث إن الأئمة متفقون فيه على قول السلف , وإنما جاء الخلاف من المبتدعة , أو من بعد الأئمة , والله أعلم" ([1]) .

* تقسيم الدين إلى أصول لا يسوغ الاختلاف فيها ,و إلى فروع يسوغ الاختلاف فيها :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية " أما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول، وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة ,ولا عن التابعين لهم بإحسان ,ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة ,وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم, فإن من مسائل الاعتقاد ما لا يجوز الاختلاف فيها مثل تنازع الناس في محمد-صلى الله عليه وسلم –هل رأى ربه ,أم لا؟ وفي عثمان أفضل من علي ,أم علي أفضل؟, وفي كثير من معاني القرآن , وتصحيح بعض الأحاديث".[مجموع الفتاوى 23\347,346 ]([2]) .

وهناك من المسائل العلمية المُنكِر لها يكفر بالاتفاق , مثل وجوب الصلاة , والزكاة , والصيام , والحج.

وقال ابن القيم في أعلام الموقِّعين(3\300) " و قولهم إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح ,فإذا كان القول سنة , أو إجماعا وجب إنكاره اتفاقا , وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلَف فيها , والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابا ,أو سنة؟!"([3])

*  أمثلة للاختلاف السائغ في الأمور الاعتقادية:

1)   منها اختلاف العلماء في عصمة الرسل - عليهم السلام - من الصغائر غير المزرية , ورجح طائفة - منهم شيخ الإسلام - عدم عصمتهم منها لظواهر الآيات كما في إبراهيم - عليه السلام :{ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } , وفي موسى - عليه السلام - :{قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم}, وداود - عليه السلام -  : { فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} , وسليمان - عليه السلام  -  :{ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً}  و محمد - صلى الله عليه وسلم - : { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} .

2)  ومنها اختلافهم في نبوة الخَضِر,فقد رجح ابن حجر- رحمه الله - أنه نبي , وفي مريم - عليها السلام - هل هي نبية , أم لا ؟ والجماهير قالوا : ليست نبية لقوله تعالي : { وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} , ورجح ابن حزم - رحمه الله - نبوتها .

3)  ومنها الخلاف في رؤية الله في الآخرة , هل هي خاصة بالمؤمنين , أم يراه أهل الموقف جميعا , ثم يُحجب عن الكفار؟ ومال شيخ الإسلام إلى ترجيح أن أهل الموقف يرونه .

4)  ومنها الخلاف في كثير من مسائل التكفير , كمسائل تكفير تارك الصلاة .

*  أمثلة للاختلاف غير السائغ في المسائل العملية :

1)  القول بجواز ربا الفضل , ويُروى عن ابن عباس , ويُروى رجوعه عنه.

2)  القول بجواز شرب النبيذ المسكِر كثيرة من غير عصير العنب , وهو قول أهل العراق , وهو خلاف حديث : (كل مسكر خمر, وكل خمر حرام) [رواه البخاري] .

3)  القول بجواز نكاح المتعة , وقد ثبت النهي عنه , ونُسخ جوازُه عام الفتح .

4)  القول بصحة النكاح دون ولي , وهو قول الحنفية, وهو خلاف الحديث : (أيما امرأة نكحت بغير ولي فنكاحها باطل) , وحديث (لا نكاح إلا بولي , وشاهدين) .

5)  القول بجواز المعازف , وسماعها , وهو قل ابن حزم , وهو خلاف حديث : ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ (الزنا) , والحرير , والخمر , والمعازف) [رواه البخاري] .

6)  القول بجواز تصوير ذوات الأرواح إذا لم يكن للصورة ظل(غير مجسمة) , أي جواز الرسم باليد , وهو خلاف حديث النمرقة عن عائشة – رضي الله عنها – قالت :قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سفر , وقد سترت سهوة لي بقرام -السهوة: الطاقة في الحائط، و القرام: الستارة- فيه تماثيل , فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلون وجهه -أي: تغير غضباً ,واحمر- وقال: يا عائشة ! أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله. قالت: فقطعناه ,فجعلنا منه وسادة,أو وسادتين) [رواه البخاري ,ومسلم].

7)  القول بتحريم الذهب المحلَّق على النساء, وهو قول الألباني - رحمه الله - وهو خلاف الإجماع, وخلاف ظاهر حديث : (أيسركما أن يسوراكما الله بسوارين من نار؟ أديا زكاته) فهو صحيح في جواز لُبس المحلَّق مع أداء زكاته .

8)  القول بعدم وجوب الطمأنينة في الركوع , والسجود , والرفع من السجود في الصلاة , وهو قول الحنفية , وهو خلاف حديث المسيء صلاته .

9)  قول بعض المعاصرين أن تحديد قدر ثابت من المال في المضاربة لا يفسدها , و هو خلاف الإجماع الذي نقله ابن المنذر , و بنَوا عليه جواز تعاملات البنوك الربوية .

وصلى الله على النبي محمد ,وآله ,وصحبه ,وسلم, والحمد لله رب العالمين



[1] ) اللؤلؤ المكين للشيخ ابن جبرين:صــــــــــــــــــ297:296.

[2] ) فقه الخلاف بين المسلمين,د:ياسر برهامي ,صــــــــ24.

[3] )المرجع السابق,صــــــــ26. 

  1. بارك الله فيك وسدد الله خطاك
    نعم فالمقال فى وقته وزمانه
    هدى الله الجميع

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 4+4=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع