المقالات

مشاهد أعجبتني وأخرى أزعجتني

الدكتور /  محمد عبد الرحيم


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

بينما أنا جالس بالمسجد, إذا بالشيخ الوقور يقوم قبيل أذان العشاء بعد انصرافه من صلاة التطوع, وهو يحمل "بخاخ" معطر السجاد, فعرفت قصده حينئذ, فلما هممت بإعفاءه عما يريد - لما له من فضل والله حسيبه – أصر ولمحت منه العزم, ثم قال معللاً: "أريد الثواب", ونعم, ولكن ما لم يقله: أنه أراد كذلك أن يراه الناس على ذلك.


وبالمناسبة فلهذا الشيخ الفاضل مواقف على هذا النحو كثيرة...


والأصل أن ذلك لا يستغرب من سلفي له في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والسلف أسوة حسنة, لكن المستغرب هو ما يظهر من بعض المصابين بداء التعالم أو المنتفخين انتفاخ الورم حيث التعاظم الخنفشارى على خلق الله بدعاوى العلم أو التربية أو الدعوة أو المصلحة.


وأخطر ما يكون في ذلك من ضرر, هو أن يحدث خلط بين ما هو ديني وما هو ذاتي بحيث تفضل المصالح والمفاسد تفضيلاً على المقاس والرغبة!!


فمثلاً بدل أن تكون الغاية هي دعوة الناس وتعبيدهم لربهم, تصير الغاية دعوتهم إلى ذات أو جهة أو مجموعة. وبدل أن تكون المعاملة مناسبة لظاهر الشخص المعامل مع حسن التأول له قدر الوسع, تؤول الأحوال إلى محاولة الإبحار فى داخل ذلك الشخص, والتفتيش فى مكنون ضميره وامتحانه في ذلك.


ومن آثار ذلك أن يصبح الانقباض والانبساط لغير الله ودينه بل لحسابات فئوية ذاتية. والأخطر أن يأتي حين من الدهر فتستحل أعراض أو أموال أو أسرار بدعوى المصلحة, وربما ينفر من بعض عباد الله أو يصد الناس عنهم كذلك بدعوى درء المفسدة!!


إن التبسط مع عبيد الله والتواضع لهم والإنصاف معهم لا يتعارض إطلاقاً مع إفادة الناس وإرشادهم, ولو كان هناك ثمة تعارض لما قال النبي الأعظم للرجل الذى أخذته الهيبة من رؤيته: "هون عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد" (1) وغيره كثير لا تستوعبه هذه السطور.


ولما حمل الفاروق وهو أمير المؤمنين العباس على ظهره حتى يصلح الميزاب الذى كسره عمر – رضى الله عنهما-. (2)


وهل المتأخرون أفقه من أبى هريرة - رضي الله عنه - عندما خرج على الناس وهو يحمل حزمة حطب _ وكان خليفة لمروان بن الحكم حينئذ- ؟!! (3)


إن الأمر يحتاج إلى حذر شديد من نفث الشيطان, ومراقبة لا تفتر من تأويلات النفس, وتبصر دائم, وعدم اغترار بتزين الأصحاب والأحباب.


ومن آثار ذلك أيضاً أن تكون الإنصاف مع الجميع, وأن يكون الاعتذار عن الغير أولى من الاعتذار للنفس أو على الأقل مساويا له,

لا كما يقول القائل:


وتعذر نفسك إن أخطأت                          وغيرك بالعذر لا تعذر

وتبصر فى العين من القذى                      وفى عينك الجذع لا تبصر


فنسأل الله - تعالى - أن ينجينا من المهالك, وأن يهدينا سواء السبيل. 

(1)    صححه الألباني عن أبى مسعود (صحيح الجامع)

(2)    حلية الأولياء. ترجمة عمرو وفيها ما فعله عند فتح بيت المقدس كذلك فليراجع.

(3)    صفة الصفة. ترجمة

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 2+2=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع