المقالات

مراعاة المصالح ,والمفاسد في الدعوة إلى الله تعالى

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

لا شك أن مراعاة الداعي للمصالح , والمفاسد في الدعوة إلى الله – تعالى -  من أهم أبواب العلم ؛لما لها من منزلة عالية , وثمرة عظيمة , مهتديا بالنصوص الشرعية ,مقتديا بالسيرة النبوية العَطِرة , فيحدوه الفضل المترتب عليها {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت:33 ], فهو يدل الناس على الحق بعلم, وبصيرة , قال - تعالى - : - { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108], وهكذا يمضي الداعية لا تأخذه الأهواء, وبذلك تسهم قواعد المصالح ,والمفاسد في ترشيد العمل الدعوي , والوصول به إلى أهدافه المنشودة , ومن هذه القواعد ما يلي:


أولا: تحقيق المصالح , وتعطيل المفاسد:

إن الدعوة تهدف إلى هذه الغاية, وهي جلب المصالح ,وتحقيقها , ودرء المفاسد ,وتقليلها, وهي مقاصد الشريعة في جميع أحكامها , قال الله – تعالى - : { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}[الإسراء:82].

وأعظم ما أمر به التوحيد , وهو إفراد الله بالعبادة, وأعظم ما نهى عنه الشرك في عبادته.


ثانيا: تفاوت المصالح , والمفاسد:

إن حديث معاذ – رضي الله عنه – لما بعثه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى أهل اليمن أصل في هذا الباب, قال : (إنك تقدم على قوم أهل كتاب , فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة ألا إله إلا الله, وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افْتَرَضَ عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم...) [رواه مسلم] ,فبترتيب المصالح التوحيد أولا , ثم إقامة الصلاة ,وإيتاء الزكاة.


قال تعالى : { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13], وقال تعالى : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام:151], وقد مضى رسل الله جميعا – عليهم السلام – يقررون التوحيد , ويشفعونه بما كبُر شره في أقوامهم , فهذا لوط – عليه السلام – دعا قومه إلى ترك الشرك ,ثم نهاهم عن إتيان الفاحشة , وهذا شعيب – عليه السلام – شفع ذم الشرك بالتحذير من أكل أموال الناس بالباطل, وهذا يوسف – عليه السلام – قبل أن يعبر الرؤيا لصاحبي السجن دعاهما إلى التوحيد.


ثالثا: تزاحم المصالح, والمفاسد:

قال الله – تعالى - : { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:17].

قال ابن كثير – رحمه الله - :"هو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها" , وقال ابن القيم : "فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين مع كون السب غيظا , وحمية لله , و إهانة لآلهتهم ؛ لكونه ذريعة إلى سبهم لله تعالى, وكانت مصلحة ترك مسبتهم لله – تعالى – أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم"

- وليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر كما قيل, وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين , وشر الشرين.


- وروى مسلم عن أنس – رضي الله عنه – قال: ( بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مه مه . قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تزرِموه ، دعوه , فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه فقال له : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ,ولا القذر ، إنما هي لذكر الله عز وجل ,والصلاة ,وقراءة القرآن . فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه ([متفق عليه].


قال ابن حجر – – " لم ينكر النبي – صلى الله عليه وسلم – على الصحابة نهيهم الأعرابي, بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة , وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما , وتحصيل أعظم المصلحتين بترك  أيسرهما , وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع" اه   فتح الباري(1\388) .


- ومن ذلك ما روى البخاري – تعليقا – أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم , وصلى , وتلا {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29], فتَرْك الغسل مفسدة ,ولكن موته ,أو ضرره مفسدة أعظم منها.

- ومن ذلك خرق الخضِر للسفينة, وفيه دفع أغلظ الضررين, واحتمال أدناهما.


رابعا: تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة:

ومن ذلك تخليص أُسارى المسلمين من أيدي العدو بالفداء , وهذه مصلحة راجحة قدمت على مفسدة انتفاع العدو بالمال المدفوع لهم.


خامسا: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة:

قال الله – تعالى - : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة:219], فأما منفعة الخمر فبالتجارة ,وأما منفعة الميسر فبما يأخذ المقامر , ولكن مفسدة ذهاب العقل , والمال هي الأهم.

- ومن ذلك ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ,روى البخاري عن عائشة – رضي الله عنها – مرفوعا : (لولا أن قومك حديث عهد بكفر لنقضت الكعبة , فجعلت لها بابين , باب يدخل منه الناس ,وباب يخرجون).


قال ابن حجر – في الفتح –: "و فيه تقديم الأهم فالمهم من دفع المفسدة, وجلب المصلحة, و أنهما إذا تعارضا بُدئ بدفع المفسدة, وأن المفسدة إذا أُمن وقوعُها عاد استحباب عمل المصلحة".


- ومن ذلك ترك قتال المنافقين ؛لأن المفسدة المترتبة على قتلهم أعظم , وهي حمية قومهم , والقيام معهم , وكذا قول القائل: إن محمدا يقتل أصحابه!.


روى البخاري عن عائشة – رضي الله عنها – من قول النبي – صلى الله وسلم – وهو على المنبر: ( مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي , فَوَا للَّهِ , ثَلاثَ مَرَّاتٍ , مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلا خَيْرًا , وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا , وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلا مَعِي , فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْذِرُكَ مِنْهُ , وَإِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ , وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا ، فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ , فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَكَانَ سَيِّدَ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلا صَالِحًا ، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ : كَذَبْتَ , لَعَمْرُ اللَّهِ لا تَقْتُلُهُ وَلا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ , فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ : كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ ، وَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ, فتساور الحيان).

 

 

تطبيقات عملية.... تأليف القلوب:

التأليف بالمال:

لما قسم النبي – صلى الله عليه وسلم – أموال هوازن قال رجال من الأنصار: يغفر الله لرسول الله, يعطي قريشا ويتركنا , وسيوفنا تقطر من دمائهم! فقال رسول الله -  صلى الله عليه وسلم - : (فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم, ألا ترضون أن يذهب الناس بالأموال , وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فو الله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به) و قال:(والله لو سلك الناس واديا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار) [رواه مسلم].

 

الدعاء لهم

أرسل النبي – صلى الله عليه وسلم – طفيل بن عمرو الدوسي يدعو قومه إلى الإسلام , ومكث فيهم غير بعيد , ثم قدم النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله,إن دوسا عصت , وأبت , فادع الله عليها, فقيل: هلكت دَوْس , فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : اللهم اهدي دَوْسا ,و أتِ بهم , فلما سمعت دَوْس بهذا الرد دخلوا الإسلام .

إظهار المحاسن , والمزايا:

كان النبي – صلى الله عليه وسلم -  يقول: (الأنصار , ومُزَيْنة ,وجُهَيْنة , وغِفار, وأشجع, ومن كان من بني عبد الله موالي دون الناس , والله , ورسوله مولاهم) [رواه مسلم].

التخفيف عنهم :

ومن ذلك قول – صلى الله عليه وسلم – (أفتان أنت يا معاذ؟! من أم بالناس فليخفف ؛ فإن فيهم الضعيف, والسقيم , و ذا الحاجة).

أما السكوت عن الباطل بحجة التأليف فلا يجوز أبداً . [فتح الباري 5/237]. 

وصلى الله على عبده , ونبيه محمد , وعلى آله ,وصحبه وسلم.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 4+4=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع