المقالات

رسالة النصر

المهندس /  أحمد وهبة


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

على رمال الشاطئ بين الصخور المتناثرة هنا وهناك , والشمس تميل للغروب , وقف جواد عربي أصيل ,على ظهره فارس مَهيب يرتدي درعه , وسيفه في غِمده ,وقف ينظر إلى الأفق البعيد , وأمواج البحر المتلاطمة , والريح تضرب وجهه ولحيته وثيابه , والشمس تلقى بأشعتها الصفراء الخافتة على جانب وجهه , وقف وظاهره السكون , فلولا عبث الريح بثيابه لظننت أنه جُلمود من جلاميد الصخر الراسخة على الرمال , أما باطنه فلم يكن ساكنا , لم يكن ساكنا أبدا , بل كان يتحرك , يتحرك بحركة هي أشد من حركة أمواج البحر الذي أمامه , كان ملتهبا كنار تَسعَر , أو بركان يتفجر , وأسئلة تترد في أعماقه , أين أنا ؟ ومن أتى بي إلى هنا ؟ وكيف أتيت ؟ ولماذا أتيت ؟ 

لقد انفصلت لتوي  عن الجيش , جيشِ المسلمين , لقد كنا ندك أسوار حصن من حصون الروم أنا ورِفاقي , لقد كنا نتسابق من يصعد فوق ظهر الحصن أولا , فلا يكاد الجندي الرومي يرى الواحد منا وقد اعتلى الأسوار حتى يلقى بنفسه من فوق الأسوار قبل أن تناله سيوفنا ..وبينما نحن نعمل بدَأَب ونشاط إذ سمعت صوت القائد ينادى علي من خلفي : أيها الفارس , فأجبته سريعا: لبيك يا سيدي , قال: اترك مكانك واذهب سريعا إلى أمير المؤمنين , وسلمه هذه الرسالة , وبشره بالفتح والنصر , فقبضت على الرسالة بقوة وأجبته : أمرك يا سيدي ..وعلوت ظهر جوادي , وانفصلت عن الجيش , وانطلقت مُسرِعا إلى دار الخلافة أطوي إليها الأرض طيا , ثم نزلت لأستريح في مرحلة من المراحل , ربطت جوادي واستلقيت على الأرض  .., ومن شدة التعب رحت فى سُبات عميق , ثم استيقظت وقد شعرت أني أفرطت في النوم , فعلوت جوادي , وانطلقت بأسرع ما أكون لأعوِّضَ ما قضيته من وقت في النوم ,انطلقت إلى دار الخلافة ... ولكن .. لم أجد دار الخلافة , لم أجد أمير المؤمنين , بل لم أجد المؤمنين الذين أعرفهم , رأيت مُسوخا , رأيت بلادا غير البلاد , وعبادا غير العباد ..رأيت نساء لا أدري أكاسيات أم عاريات , أعربيات أم أعجميات , من المؤكد أنهن لسن مسلمات , بل ولا أظنهن أعجميات إن نساء الأعاجم الذين أعرفهم أشد تسترا وحياء من هؤلاء , ورأيت رجالا عظام الأجسام فظننتهم ذاهبين للانضمام إلى معسكر الجيش المرابط على حدود الروم , فرأيتهم - يا للعجب! - قد دخلوا مسرعين إلى حانوت تخرج منه الأبخرة المنتنة الرائحة , وانضموا إلى آخرين قد جلسوا مشدوهين يراقبون شيئا عجيبا ما رأيت مثله , يظهر عليه صورا لأناس يجري بعضهم وراء بعض , ويتقاتلون بعزم شيد على شيء يجرى بين أقدامهم على الأرض , وحولهم تظهر صور لآلاف من البشر هم أكثر عددا من الجيش الذي تركته مرابطا , يتراقصون ويتصايحون ..ثم ما هذا الذي أسمعه , أناس ينادون بتحكيم الإسلام في بلاد الإسلام وآخرون يتهكمون بهم !!!أحقا أن عكا وحمص ويافا حاكمهم ( المسلم ) يسفك دماءهم ويستبيح أعراضهم , وشعبهم يصرخ مستنجدا بالروم ليستنقذوهم من فتك حاكمهم المسلم , ثم ما الذي أتى بهؤلاء اليهود الذين يسكنون وسط الشام ( فلسطين ) بعد أن أخرجهم عمر رضي الله عنه , ثم أين دار الخلافة ؟! بل أين دولة الإسلام التي بنيناها بجماجمنا ودمائنا وعروقنا وسيوفنا ورماحنا ؟! أين خليفة الإسلام الذي أتيته من بلاد بعيدة لأبشره بالنصر , أين رفاقي في الجهاد , أين بلاد الإسلام التي أعرفها , لا أجد شيئا يشبهها ..ثم انطلق بجوداه مسرعا يشق الزحام , والكل ينظر إليه مستغربا هيئته ومنظره , انطلق يجري .. ويجري , حتى وقف على شاطئ البحر ثم صرخ .. وجدته ..!! وجدت شيئا يشبه ما كان على عهد رفاقي , إن البحر لا يتغير , لابد أن هذا البحر هو الذي كان موجودا في عهدنا , ثم وقف على شاطئ البحر ينظر إلى الأفق البعيد , وقد امتطى جواده , أين القائد الذي أرسلني ؟  أين الخليفة الذي سأسلمه الرسالة ؟ رسالة النصر , أي نصر وقد رأيت ما رأيت , وسمعت ما سمعت , وحدث ما حدث , ماذا سأفعل بالرسالة , سألقيها في البحر , نعم , إن هذه الرسالة العظيمة ليس لها مكان إلا البحر , لالالا ... سأُبقِي عليها , سأبقَى هنا , سأحيى هنا ..سأنتظر هنا قابضا على الرسالة , لقد أرسلني قائدي في مهمة , ولا يحسن أن أقصر في تأديتها , أنا جندي في جيش الإسلام , ما أخون أبدا , ولا أقصر أبدا , ولا أخالف أمر قائدي أبدا , سأظل ممسكا بالرسالة حتى يأتي خليفة المسلمين , نعم , حتى يأتي خليفة المسلمين , وأسلمه الرسالة ..... رسالة النصر .

  1. abdelazim July 08, 2012

    بارك الله فيك ياشيخنا الفاضل ..
    وأسأل الله الكريم عز وجل أن يعجل بنصر المسلمين فى الشام وفى كل بقاع الأرض

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع