المقالات

صبراً حرّاس العقيدة

    اسم الكاتب غير معروف

أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله وكفى ,والصلاة والسلام على عبده المصطفى ,ونبيه المجتبى ..

أضحت حاجة العباد في زمان الفتن إلى معرفة سبل النجاة فوق أي حاجة ؛ لأن الفتن تترى كالسحب المتراكمة ، وتتوالى كالأمواج المتلاطمة ، وتتواتر عمياء صمَّاء كقطع الليل المظلمة, ومن شؤمها أنها تطيش فيها العقول ، ومن شرها أنها تُزلزل القلوب. كيف لا وقد أخبرنا الصادق المصدوق بأن الفتن " كمواقع القطر " لكثرتها ولأنها تعم الناس جميعاً , العلماء, والدعاة, وطلاب العلم, والعوام على حد سواء ، وقلّما يسْلم مِن أعاصيرها إلا من سلّمه الله .

 ولا ريب أنّ كل من له عينان قد أبصر سواد التجريح وشهوة التصنيف تدب في تجاليد الدعاة دبيب المشيب في تجاليد الشباب ، فأصبحت أمراض التصنيف والتجريح تهوي بظلامها ، وتخيم على سماء الدعوة, وطلاب العلم هوى الكرى إلى الأجفان.وسرى دبيب الحسد البغيض يشتهي خراب القصور ، وخلاء الدور, فلا ينقضي العجب من أن تجد كتيبة الطاعنين في الدعاة الصادقين ، والعلماء المخلصين إذا ما ظفرت بعثرةٍ لعالم, أو هفوة لداعية خُيِّل إليهم أنهم قد ظفروا بالدينار في حقيبة السارق !! وكم هلك مِن صادق – وا لهف قلبي بين يأس قاتل ، ورجاء كاذب- هلكاً لا تزال الدعوة تتجرع كأسه المريرة في هذه الآونة ، وبات كل منصف يحس بما يهجس في نفوس الثلة المباركة من حرّاس الدين إذا رُمي أحدهم بهذه السهام, فيا لحرقة الشريف إذا عبث بشرفه عابث ، ويا لحرقة الغيور إذا لمس عرضه لامس . يا حسرةً على أولئك المترصدين ، ألم يئنْ لأهل المروءة والإنصاف أن ينتصفوا لأولئك الرهط الكريم من سياط الجرَّاحين حتى يديل لهم الله ممن هانت عليهم حرمة العلماء ، فما حفظوا لأحد منهم عهداً ، ولا صانوا لإخوانهم سراً ، ولما رأيت داء الحسد قد صار كخضم زاخر يعبُّ عُبابه ، وتصطخب أمواجه ، فلا يحمل في جوفه الدُّر والجوهر وإنما يفيضبالموت الأحمر ، ضج لآلام أهل الفضل وآمالهم قلبي ، ففاض بها قلمي ، فلقد صرنا – يا للعجب – في حالة : 

   تصم السميع وتعمي البصير        ويُسـأل مـن مثلهـا العافيـة 


  فيالكم من مُغتابين لأهل العلم والفضل كأن قلوبكم المتحجرة لا تنفذها أشعة الرحمة ، ولا تمر بين طياتها نسمات الإحسان !! ما لكم عبيداً للإفك ، أسرى للفتن ، سراعاً إلى كل داعٍ ، سعاة مع كل ساعٍ ، تُشهرُّون بلا روية ، وتحكمون بغير علم ، وتثرثرون بغير حلم , فكم من داعية حق لقي في سبيل الحق منكم شراً ، وكم من حارس للعقيدة والملة كابد من ألسنتكم ضراً , فوالله – أيها القارئ الحبيب – لأن تقع السماء على الأرض أحب إلى أهل المروءة – كثَّرهم الله – من أن يُتهم البريءُ أو يجازى المحسن سوءاً على إحسانه. .....

 وهكذا فالصدق جَنة حُفَّت بالمكاره ، فليتحمل المصلحون في سبيلها ما تحمّله الأنبياء والمرسلون , فليقبض على جمر الحق الدعاةُ الربانيون ؛ لأن السنة ماضية أن الجود يفقر والإقدام قتَّال ، فلتصبروا قليلاً دعاة الحق والهدى يثمر للناس غراسه ، ويمتد على العالم ظله . فواعجبا يا أيها الجرَّاحون والمرجفون, وهل جاء الإسلام إلا ليستل من القلوب أضغانها وأحقادها ، ثم يملأها بعد ذلك حكمة ورحمة ؟! ومن أي صخرة من الصخور, أو هضبة من الهضاب نَحَتُّم هذه القلوب التي تنطوي عليها جوانحكم ، والتي لا تردعها أنات المظلومين ، ولا تحركها زفرات المكلومين ، ولا نفثات المحزونين ؟!

ولقد علم الموفّقون الفارون من غيوم الفتن بأن النجاة لا سبيل إليها إلا بالتسلح بالعلم والبصيرة ، وبالجد والاجتهاد ,والاستعداد ليوم المعاد بعدم الغفلة عن الذنوب .

ومَن تأمل آفات الطعن في العلماء والدعاة انتهى وازدجر, فإلى الخائضين في أعراض حراس الملة ، المستطيلين في عرض حيِّهم ، النابشين قبر ميتهم ، نسوق من الآثار المرة التي حذّر منها طيب الأثر العلامة بكر أبو زيد رحمه الله بقوله :

" وكم جرَّت هذه المكيدة من قارعة في الديار ، بتشويه وجه الحق ، والوقوف في سبيله ، وضرب للدعوة من حدثاء الأسنان في عظماء الرجال باحتقارهم وازدرائهم ، والاستخفاف بهم وبعلومهم ، وإطفاء مواهبهم ، وإثارة الشحناء ، والبغضاء بينهم , ثم هضم لحقوق المسلمين في دينهم ، وعرضهم, وتحجيم لانتشار الدعوة بينهم ، بل صناعة توابيت تُقبر فيها أنفاس الدعاة ونفائس الدعاة ونفائس دعواتهم انظر كيف يتهافتون على إطفاء نورها ، فالله حسبهم ، وهو حسيبهم " .ويقول أيضاً طيَّب الله ثراه :

" ويا لله كم صدَّت هذه الفتنة العمياء عن الوقوف في وجه المد الإلحادي ، والمد الطرقي، والعبث الأخلاقي ، وإعطاء الفرصة لهم في استباحة أخلاقيات العباد ، وتأجيج سبل الفساد والإفساد, إلى آخر ما تجره هذه المكيدة المهينة من جنايات على الدين ، وعلى علمائه ، وعلى الأمة ، وبالجملة فهي فتنة مضلة ، والقائم بها مفتون " انتهى كلامه رحمه الله .ويقول في موضع آخر مبيِّناً أن هذا الخُلق هو من أخلاق المنافقين والكافرين لثلم هذا الدين بالطعن في رجاله :" وهذا مطمع مؤكد من خطط أعداء الملة لأعدائها ، والاستعداد عليها في منظومتهم لكيد المسلمين ، ومنها : أن الكفار تكلموا طعناً في راوية الإسلام, أبي هريرة رضي الله عنه دون غيره من الصحابة رضي الله عنهم ؛ لأنه أكثرهم رواية ,وما زالت ثائرة أهل الأهواء ، توظف هذه المكيدة في ثلب علماء الأمة ,فقد لجُّوا في الحط على شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – لأنه عمدة في القرون المتأخرة لإحياء منهج السلف ..."ثم يقول الشيخ بكر -رحمه الله- : " وفي عصرنا الحالي يأخذ الدور في هذه الفتنة دورته في مسلاخ من المنتسبين إلى السنة متلفعين بمرط ينسبونه إلى السلفية – ظلماً لها – فنصبوا أنفسهم لرمي الدعاة بالتهم الفاجرة المبنية على الحجج الواهية ، واشتغلوا بضلالة التصنيف, وهذا بلاء عريض ، وفتنة مضلة في تقليص ظل الدين ، وتشتيت جماعته ، وزرع البغضاء بينهم ، وإسقاط حملته من أعين الرعية, وما هنالك من العناد ، وجحد الحق تارة، ورده أخرى" . انتهى كلامه رحمه الله([1 .

 بشرى ورسائل من القلب

وأخيراً .. بشرى وأمل ,فإننا نهدي مِن شغاف القلب رسائل ثلاث مفعمة بالآمال والأماني ؛ إذ لا تطيب الحياة إلا بالآمال وإن كانت باطلة ، ولا  تسعد النفوس إلا بالأماني وإن كانت كاذبة : 

                       وليست حياة المرء إلا أمانيا            إذا هي ضاعت فالحياة على الأثر

الرسالة الأولى : إلى أهل الإخلاص والإنصاف :

 اعلموا أن الحطَّ من أقدار العلماء ,أو رميهم بأنهم مبتدعةٌ ضُلاَّل ، كل هذا من عمل الشيطان ، وباب ضلالة وإضلال ، فإن جرح شهود الشرع جرح المشهود به ، لو كان الأغرارُ يفقهون أو يتثبَّتون !.

الرسالة الثانية : إلى الداعية الذي تعرَّض " لمقالة الإفك " نقول :

اذكر ما أُوحي إلى نبيك- صلى الله عليه وسلم- : (مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) [فصلت: 43] فهذه هي سنة من الله ماضية لكل من سلك سبيل الرسل ، واقتفى أثرهم ، وطالع سير الصحابة والتابعين ,وأتباعهم في كل عصر ومِصر ، تجد مواقف لا تُحصى ، وقصصاً لا تُنسى ,فكم في سيرهم الشريفة من إمام ضُرب ,بل قُتل ، وإمام سُجن وإمام نُفى ، بل فيهم من جُمعت له هذه كلها .أو جُلُّها .وحياة بطل الإصلاح الديني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مثلٌ أعلى للعلماء العاملين ، والدعاة المصلحين من أتباع خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم .وقد نُقل عن سيد التابعين  أويس القرني أنه قال :

" إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقاً ، نأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا ، ويجدون في ذلك أعوانا من الفاسقين ، حتى – والله – لقد رموني بالعظائم ، وأيم الله لا أدع أن أقوم فيهم بحقه " . انتهى .

فإياك أخي الداعية ، يا من تعرضت لهذه الأباطيل الزائفة ، والأكاذيب المرجفة – أن تقف ولو للحظة واحدة تلتفت فيها إلى هؤلاء ، فدعواتكم إلى تلك اللحظة أحوج ، وردِّد بصوت يسمعه وأنت ماض عنه : ( لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) [المائدة : 28]

الرسالة الثالثة : إلى أخي الذي استزله الشيطان فوقع في مقالة الإفك :

فإن كنت أخي الحبيب ممن وقع يوماً في أعراض بعض العلماء الربانيين ,أو الدعاة العاملين فعليك بتقوى الله ومراقبته ، وابك على خطيئتك ، وأعلنها توبة نصوحاً ، وردِّد بانكسار وندم :(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  ). [الحشر : 10 ]

فبادر أخي المنيب إلى التوبة وأداء الحقوق إلى أهلها ، والتحلُّل منهم ، ولعلي أذكرك بما قال صخر :

لعمري لقد نبّهت من كان نائما         وأسمعت من كانت له آذنان

وشأن المؤمن الأوّاه المنيب أن يستجيب للحق ومن أبى فنذكِّره بقوله عز وجل : ( إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ. ) . [فاطر : 22]

وأعيد على مسامعك قول ابن الشجري :

إذا نُهي السفيه جرى إليه               وخالف والسفيهُ إلى خلاف

وأخيراً وليتذكر كل مسلم ,ومسلمة أن طوق النجاة من هذه الفتنة والعاصم من قواصم هذه الآفة ، هو تعلّم هذه الثلاثة الأصول وتعليمها الناس :

الأصل الأول : قاعدة الشرع تحريم النيل من عرض المسلم : فمن قدر الله حق قدره ، وعظّم دينه وشرعه ، عَظُمَت في نفسه حرمة المسلم : في دينه ودمه ، وماله ، ونسبه ، وعرضه .

الأصل الثاني : بناء حال المسلم على السلامة ، والستر ؛ لأن اليقين لا يُزيله الشك ، وإنما يُزال بيقين مثله ، فالحذر الحذر من الاتهامات الباطلة ، واستسهال الرمي بها هنا وهناك .

الأصل الثالث : الزم واجب التثَّبت من الأخبار ؛ إذ الأصل البراءة ، فكم من خبر لا يصحُّ أصلاً ، وكم من خبر صحيح حُرِّف وغُيِّر وبُدِّل فغدا لا يصح أصلاً . والأدلة على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تُحصى .

وقد أمرنا الله تعالى بالتبيُّن فقال سبحانه :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) [الحجرات : 6] .

وقال تعالى : ( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) [النساء : 83] .

قال السيوطي – رحمه الله تعالى – : " نزلت الآية في جماعة من المنافقين ، أو في ضعفاء المؤمنين كانوا يفعلون ذلك فتضعف قلوب المؤمنين ، ويتأذى النبي صلى الله عليه وسلم "([2]) .

وختاماً : إذا أنساك الشيطان ذكر هذه الأصول الثلاثة فاحذرْ مجلس الجرَّاحين المغتابين وادعُ لهم بالعافية ، وإذا ما ابتُليت بالذين يأتون في مجالسهم هذا المنكر " الوقوع في أعراض ورثة النبوة " فعليك بقول ربك سبحانه : (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) [الأنعام : 68] . والله أسأل أن يعصمنا جميعاً من قواصم الفتن ، وقوارع الوقيعة في حراس الشريعة .

 


([1]) تصنيف الناس بين الظن واليقين (9-34)  بتصرف واختصار .

([2]) وانظر في سبب النزول : (صحيح مسلم) ، (تفسير الطبري) .

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع