المقالات

المعادلة !!!

الدكتور /  أحمد فتحي


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

جلست متأملا في حال بلادي , و أحداثها المتقلبة المتلاحقة ... فهذه ثورة سارت سفينتها , تتقاذفها الأمواج , وتشتد عليها العواصف , والرياح ... و تلك حوادث جسام فيها أبرياء يقتلون و يعتقلون , هذا غير حرائق تجوب البلاد , وينزل معها الكرب بالعباد .

منذ بداية الرحلة , وتنحي مبارك و هناك سرابات تظهر حينا بعد حين , و مع كل سراب نظن أنه قطرة الماء التي ستروينا , فمن سراب تغيير الوزارة برئيسها إلى سراب الاستفتاء , ثم سراب مجلسي الشعب و الشورى , ثم سراب الرئاسة , و بين هذا و ذاك حدِّث - و لا حرج – عن مليونيات الحسم , والنهاية , وغير ذلك .

 فقلت في نفسي مترددا : هل أضعنا الطريق ؟ هل ضُرب علينا ألبته ؟ ما هو الحل ؟! و أين المخرج ؟!


أسئلة كثيرة تنازعني فيها نفسي , و إذا بها تصرخ قائلة : رويدك , أنسيت ما تربيت عليه , وكنت تردده ليل نهار ؟ ألم تكن أنت ممن ينادي في الناس بقول الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } [الرعد : 11] ؟

أنسيت أن ربك حين أراد أن يدل النبي – صلى الله عليه وسلم – على المدرسة التي يعيد فيها صناعة الإنسان ليفجر فيه الطاقات , والإمكانات التي تجعله فاتحا للبلاد , وناشرا للخير بين العباد قال له : { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْك قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا } [ المزمل : 1: 6] ؟!

ألم تتعلم أن هذه الآيات هي مفتاح صناعة الرجال , و أن الاجتهاد في العبادة هو مفتاح التغيير الحقيقي .

حينها تذكرت قول الله تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يشركون بي شيئا } [ النور : 55 ]

و أيقنت حينها أن التمكين , والتغيير , و الإصلاح لن يتحقق إلا حين تتحقق حقيقة الإيمان التي تستغرق الإنسان كله , و توجه حركة المجتمع بأكمله , الإيمان الذي يستغرق العبد كله بخواطر نفسه , و خلجات قلبه , و أشواق روحه , وميول فطرته .

و حين قلبت نظري و جلْت بخاطري في هذه الآيات التي فيها هذه الآية و رُفع عليها لواء التمكين للمؤمنين الصالحين الموحدين وجدت محاور تربية المجتمع قد أحاطت جوانب هذه الآية , و كأن هذه الآية ما هي إلا نتاج طبيعي لمجتمع حقق هذه المحاور و تربى على هذه الأسس , فمجتمع امتثل لأوامر الله بإقامة الحدود كحد الزنا : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ } [ النور : 2 ] و حد الملاعنة : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } [ النور : 5 , 6 ] و حد القذف : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ النور : 23 ] , ومجتمع تصدى لانتشار الفواحش , و الإشاعات : { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النور : 19 ] , ومجتمع امتثل لإقامة الآداب الإسلامية كآداب الاستئذان : { يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا ذالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } [ النور : 27 ] و مجتمع امتثلت فيه النساء المؤمنات الطاهرات لأوامر الله : { وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } [ النور : 31 ] , بل ومجتمع استجاب لله و لرسوله – صلى الله عليه وسلم - : { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } [ النور : 51 , 52 ]

نعم - والله – إن مجتمعا امتثل لهذا كله لحري أن يمكن للمؤمنين الصالحين فيه .

إن الإصلاح , و التغيير سنة لها قوانين , وأصول لن تتغير و لن تتبدل : { فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } [ فاطر :43 ]

و من هذه السنن ألا نسكت على الظلم , و أن نصدع بالحق , ونتصدى للغش , و التزوير , والخداع , ولكن لا ننسى : { الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ }

و أعجب لمن يصرخ بتطبيق الشريعة , والتمكين و هو بعد لا يستطيع أن يكف لسانه عن القذف , والسب و التخوين . ألم يعلم هؤلاء أن من الدين و الشريعة حسن الخلق , وإمساك اللسان عن هذه السهام .

ألم نعِ بعد أن من الدين الاستجابة لقوله تعالى : { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [ الأنفال : 46 ]

إذاً فالمعادلة ....


مسلم متمسك بدينه , وأخلاقه + صدع بالحق , و رفض للظلم + تعاون بين أبناء الوطن المخلصين

=

مجتمع فاضل ينعم بالعدل , و الأمان


أسأل الله  الأحد الفرد الصمد أن يقيل العثرة , أن يغفر الذلة , و أن يجمع كلمتنا , و أن يوحد صفنا إنه ولي ذلك والقادر عليه .

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 4+4=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع