المقالات

السلاح الخفي

الشيخ /  محمد الخشن


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد , و آله , و صحبه أجمعين , و بعد :

فإن أمتنا الإسلامية اليوم تمر بمنعطف خطير يكتب فيه التاريخ صفحات جديدة بعد أن طويت صفحات سوداء في أزمنة سالفة ملئت ظلماً , و جوراً لأنظمة بائدة ما أرادت لشعوبها المسكينة إلا الهلاك , والعطب .

 

و لكن ... ما الذي سيكتبه التاريخ و يسجل علينا ؟ و إلى أين تصير الأمور ؟

و أنت حين تقلب ناظريك هنا وهناك  فترى ما يجري لإخواننا في سوريا وأنهار الدماء هناك , ثم تنتقل إلى ليبيا , ومنها إلى تونس , ثم اليمن , ثم تحط الرحال في مصر ، وما أدراك ما مصر .. محط أنظار العالم أجمع .. إذا فاتتهم مصر فقد فاتهم كل شيء ! .

 لذا فأنت ترى مكر الليل والنهار لا يكاد ينقطع في صور كثيرة , فمن فوضى مدبرة مصطنعة إلى أزمات مختلقة إلى إجرام موجه إلى ... .

وهذا يشعرك بحجم المكائد والدسائس التي تدبر لهذا البلد الآمن لاسيما ونحن مقبلون على المرحلة الحاسمة التي نرجو أن تكون خاتمة حسنة لهذه الأحداث السالفة ، وبداية مشرقة لعهد جديد ننعم فيه بالأمن , والأمان , والسلامة , والإسلام , والرخاء , والاستقرار .

 نريد أن نكتب تاريخنا بأيدينا نرضى به ربنا و نتابع فيه نبينا و نكون خير سلف لآبائنا .

 

نبني كما كانت أوائلنا              تبني ونفعل مثل ما فعلوا

 

وكيف يتسنى لنا هذا وأعداؤنا يتربصون بنا الغوائل ، يواصلون الليل بالنهار ولا يعدمون أعواناً على الشر من بني جلدتنا .. خونة .. حسبنا الله ونعم الوكيل في هؤلاء وأولئك .

وفي وسط هذه الأحداث تجد الناس حيارى قد يقولون : نختار الأصلح ؟ أم نختار الأنسب ؟ أم ماذا ؟

والمسألة مرعبة على كل حال ! .. نازلة تحتاج أن ننزلها بالله تعالى عسى أن يكتب لنا فرجاً عاجلاً و يجعل لنا من بعد العسر يسراً . فنقول لا حول ولا قوة إلا بالله  { وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا }

 [ الجن :10 ] .

والظن في الله حسن جميل , والأمل فيه كبير كبير , الله الذي صنع وحده هذه الثورة المباركة التي أزال بها عروش الظالمين ، وأرى أمثال فرعون وهامان وجنودهما منه ما كانوا يحذرون .

فإذا ادلهمت الخطوب ، وعظم الكرب ، وزاد البلاء فأشرع رماحك و سدد سهامك فإن عندنا معاشر المؤمنين سلاحاً خفياً لا يعلمه الأعداء ، ولا يعلم عظم مداه و مضائه إلا من أمدنا به الذي قال :

{ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } [ النمل :62 ] .

 

إنه الدعاء .. سلاح المؤمن .. عدو البلاء يدافعه و يعالجه ويمنع نزوله ويرفعه ويخففه إذا نزل (1) .

قال صلى الله عليه وسلم : (( إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء )) (2) .

 

لقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يعظم شأن الدعاء ، وكان يدعو الله تعالى في جميع أحواله خاصة في الشدائد والملمات ، يتملق ربه فيأتيه الفرج عاجلاً ممن يكشف الضر و يجيب المضطر .

 

لما كان يوم بدر نظر رسول الله – صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله – صلى الله عليه وسلم - القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه (( اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض )) فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأنزل الله عز و جل : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ } [ الأنفال :9 ]  فأمده الله بالملائكة (3).

 

فإذا آلمك مصاب إخواننا المسلمين في سوريا فارفع يديك إلى من (( يستحي أن يردهما صفراً خائبتين )) (4)

وادع على الطغاة , والظالمين عسى الله أن يهلكهم وينج المؤمنين ، ولنا في رسول الله – صلى الله عليه و سلم - أسوة فقد دعا على صناديد قريش فقال : (( اللهم عليك بقريش اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعليك بعتبة بن  ربيعة ... ))  فاستجاب الله تعالى دعاءه فقتلوا جميعاً يوم بدر وسحبوا إلى القليب كالجيف (5) .

 

وإذا آلمك مكر الأعداء وخيانة المنافقين فاستعن عليهم بمولاك ، وادع كما دعا غلام أصحاب الأخدود : " اللهم اكفنيهم بما شئت " (6) ، وكما دعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم - شهراً على رِعْلٍ , وَذَكْوَانَ لما قتلوا أصحابه عند بئر معونة (7) .

 

وإذا اضطربت بك الأمور ، والتبست عليك الأحوال ، و وقعت في الحيرة ، وخالجتك الظنون .. فاستمطر الهداية من الرحيم الرحمن الذي يهدي المؤمنين لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه .

كان – صلى الله عليه وسلم -  يقول في صلاة الليل : (( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )) (8) .

 

وأخيراً : الدعاء شأنه عظيم ، وموقعه كريم , به يحفظ الأبرار ، ويصان الأخيار ، ويتحصن الأطهار ، فنسيانه ضياع ، وتركه شقاء ، والتهاون به عجز . قال صلى الله عليه وسلم : (( أعجز الناس من عجز عن الدعاء ،وأبخل الناس من بخل بالسلام  )) (9) .

وفي كل آخر يليق استئناف الحمد لرب رؤوف رحيم هو وحده القادر على أن يكفينا شر ما أهمنا وغمنا في أمر ديننا و دنيانا .

 



[1]- الجواب الكافي لابن القيم . ص 11 

[2] - رواه الترمذي والحاكم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ، وحسنه الألباني في الترغيب والترهيب ح 1634 .

[3] - رواه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ح 1763 .

[4] - قطعة من حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن سلمان رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح 1757 .

[5] - متفق عليه ( البخاري ح 240 ومسلم ح 1794 ) .

[6] - رواه مسلم ح 3005 .

[7] - متفق عليه ( البخاري ح 2814 ومسلم ح 677 ).

[8] - رواه مسلم ح 770 .

[9]  - رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع ح 1044 .

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع