المقالات

006 - حلقات صيد الفوائد من كلام فضيلة الشيخ سامح قنديل

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله رب العالمين , وأشهد ألا إله إلا الله ولي الصالحين , أشهد أن محمداً عبده ورسوله - صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه و من تبع هداه إلى يوم الدين - ثم أما بعد :

في حديث الصحيح يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ "

هذه الصورة تتكرر كل يوم مع كل أحد من المؤمنين .. مراغمة، مدافعة، مصارعة من الشيطان للعبد.

وهذا في الحقيقة نوع من أنواع المجاهدة للنفس، فالشيطان عدو كما ذكر الله - عز وجل - { إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً } فمن عداوته أنه ليس ناصحا للإنسان بخير أبدا . وما ظنك بمن فشل في نصح نفسه هل يصلح لنصح غيره؟ لا . ولهذا كلنا يعالج هذا الأمر، فالناس ثلاثة أقسام في هذا الباب منهم من يستيقظ نشيطا، راغبا، مقبلا، مستعدا، مستمتعا.

وقد كانوا وإذا عدوا قليلا ... فقد صاروا أقل من القليل

أين هؤلاء!

وكثير منهم يقوم وهو كاره يحدث نفسه بالألم ، والتعب ، والمرض ، والحاجة إلى الراحة ، وقد يعذر نفسه ، وقد لا يعذرها ولا يزال في صراع لكنه يستحضر من المعاني ما يوفقه الله - عز وجل  - به فينتصر في آخر الأمر لكنه بعد طول هذا الصراع يأخذ هذا من طاقته ، ومن خشوعه ، ومن إقباله فترى عنده نوعا من الكسل ، نوعا من النوم ، نوعا من التردد ، نوعا من عدم الاستعداد لما هو بشأنه من صلاة تحتاج إلى خشوع ، أو من مقرأة تحتاج إلى خشوع ، واستيعاب وفهم ، أو درس يحتاج إلى تحضير سابق  ومتابعة ، ونحو ذلك فلا يبقى له إلا ثلث الطاقة ، أو ربع الطاقة ، أو عشرها لكنه في النهاية هزم شيطانه لكن بعد الصراع خرج هكذا .

وأما القسم الثالث فإنه ينهزم ويعذر نفسه، ويرى نفسه فعلا متعبا، وبحاجة إلى راحة، وبحاجة إلى أن يعتذر، فلا يزال يعتذر مرة بعد مرة، ولا يزال يتأخر مرة بعد مرة، ولا يزال يترخص مرة بعد مرة حتى يفوته دأب الصالحين، وشأنه يصبح ممن يصلي في بيته، وربما يصلي في غير الوقت، وينصرف عن مقرأة أو قرآن أو درس علم، أو حضور جماعة، أو يكون هذا غالب حاله. وهذا مع الأسف حال كثير من المسلمين .

وفي الحقيقة هذا الصراع، وهذه المجاهدة التي يحتاجها الإنسان، والتي هي أصل أنواع الجهاد جهاد النفس يدلك بعد هذا على سبب إخفاق المسلمين في العصر الحاضر الذي ابتلينا أننا من أهله، وابتليا بنا.

هذا سبب الإخفاق في بقية أنواع الجهاد؛ فمن ضعف في مجاهدة نفسه كيف يجاهد الكفار، والمنافقين في هذا الصراع الحضاري الشديد الذي تعيشه أمتنا في هذه الأيام.

نحن نعيش في عصر القصعة " يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ". فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟! قال: " بَلْ أَنتُمْ يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، ...... ". أمة مليار وثلث المليار غثاء.

ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... إني وربك لم أقل فندا

إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير لكن لا أرى أحدا

 نزعت المهابة حتى أصبح الناس يتضامنون من أجل رجل جرح، أو امرأة أهينت بكلمة، أو طفل أوذي، أو قتل ، أو نحو ذلك في بلدة من بلاد الكفر ويضطر الناس جميعا أن يتضامنوا مع البلدة حكومة ، وشعبا ، ومع القيم ، ومع .. ، ومع .. ، في الوقت الذي يقتل فيه آلاف من المسلمين في كل يوم في عامة بلاد الله -عز وجل - ومنهم من تتداول الأخبار ويتناقل الإعلام أخبارهم لمجرد الإخبار ، ومنهم من لا يصل حتى لأن يخبر الإعلام بأحوالهم فهم يذبحون ذبح النعاج .

هذا كله مرتبط بعضه ببعض هذا الصراع الحضاري ، وهذا التراجع والانكسار الذي بلغه المسلمون في زماننا هو أصله مما نحن فيه ، من تنكبنا هدي خير العباد - صلى الله عليه وسلم - ومن قلة زاد المعاد الذي نحصله ، ومن ثَم يعجز أحدنا عن مجاهدة نفسه ، وبالتالي يجد نفسه أضعف في بقية أنواع المجاهدة .. لا يجاهد الشيطان ، لا يجاهد الكفار والمنافقين ، لا يجاهد الظالمين والمستبدين والطغاة ، ولهذا ترى النفر القليل إذ لا تخلو أمة ، ولا يخلو زمان من خير " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ "

هذه القلة أحيانا كثيرة لا تنهض بالمطلوب لكثرة الخبث " قالوا: أنهلك وفينا الصالحون ؟! قال: نعم ، إذا كثر الخبث " .

إذا كثر الخبث لا يؤدي الجهد المطلوب من أهل الحق ، ولا ينهض .. صحيح أنه ينفعهم في إقامة الحجة على الناس ، والإعذار إلى الله ، وفي النجاة بأنفسهم لكن من حيث الوضع العام تشتد الفتن كما قال الله - تعالى - : { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً } أي أنها حين تنزل لا تخص المتسببين بها من الظالمين وإنما تصيب هؤلاء وتصيب غيرهم ، ويكون هذا مزيدا من البلاء الذي ينفع الله به المؤمنين .

المقصود ... إذا كان هذا هو الواقع - بكل اختصار - فالواجب عدم الاستسلام للواقع ، فواجب المؤمنين أن يدافعوا هذه الأقدار بأقدار أخرى .

واجب المؤمنين أن يسعوا في صلاح أنفسهم أولا ، وتحقيق العبودية لله في خاصة أنفسهم ، ثم في صلاح غيرهم .. يسعوا إلى تغيير  الواقع ، والتغيير نحن مأمورون به ، وهو مستطاع ومؤثر لكن يحتاج إلى مزيد من الجهد حتى يأذن الله - عز وجل - .

والله - تعالى - سيأذن بنصرة دينه ، وإعزاز شريعته ، والتمكين لمنهجه في الأرض { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُوله بِالْهُدَى وَدِين الْحَقّ لِيُظْهِرهُ عَلَى الدِّين كُلّه وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } هذا حاصل حاصل نحن لا نشك في هذا لكن هذا يحتاج إلى مزيد من الجهد .

وقد يبدأ هذا الجهد ولا بد أن يبدأ بأفراد .. يبدأ بالفرد نفسه وتتسع الدائرة اتساعا لا يكاد يظهر للعين المجردة لكنه مستمر كما أنك تبذر البذرة ولا ترى الثمرة إلا بعد مُدَدٍ ، وقد تجاوز الأعوام ، وربما العقود لكن هناك شغل قد لا يظهر تحت الأرض و البذرة بدأت تتحرك ، وبدأ الجذر ينمو ، وبدأ يتصاعد لكنه لا يرى على سطح الأرض إلا بعد مدة ، وإذا رُئي يرى صغيرا ، قليلا ، حقيرا وبالكاد ينتبه له ، ثم يحتاج إلى وقت وإلى سقي ، وإلى تعاهد إلى أن يصبح كما ذكر الله - تعالى - { أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ }

نحن على يقين أن هذا حاصل ، وأن هذا سيكون لكن سيكون بأيدينا ، أو بأيدي غيرنا { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } .

 

 

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع