المقالات

كلمات خالدة للخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام

الشيخ /  سيد علام


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.

 

فمع الكلمة الرابعة من كلمات الخليل إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - وهي دعاء عظيم يجعل المسلم يستحي من ربه عز وجل مهما عمل من أعمال صالحة،؛ فهو بين خوف ورجاء ، خوف أن يرده الله سبحانه وتعالى لأنه مهما عمل من عمل فلا يليق بجلال الله وكماله، ومع ذلك فهو يرجو رحمة ربه ويقول اللهم عاملني بما أنت أهله ولا تعاملني بما أنا أهله فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة0.

 

قوله: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة 127] 

هذه دعوة الخليل وابنه إسماعيل - عليهما السلام – بعد بنائهما لبيت الله الحرام في مكة بأمر الله تعالى.
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في حديث مجيء إبراهيم لتفقد إسماعيل عليهما السلام: ثم قال: يا إسماعيل! إن الله قد أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (رواه البخاري).

قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله : رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ: أَنَّهُ قَرَأَ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} ثُمَّ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، تَرْفَعُ قَوَائِمَ بَيْتِ الرَّحْمَنِ وَأَنْتَ مُشْفق أَنْ لَا يَتَقَبَّلَ مِنْكَ.

قال الشعراوي - رحمه الله -: عجيب أن يصدر هذا الدعاء من إبراهيم، وما أدراك ما إبراهيم؟ إنه أدب عَالٍ مع الله وهضم لعمله؛ لأن الإنسان مهما قدَّم من الخير فهو دون ما يستحق الله تعالى من العبادة؛ لذلك كان طلب المغفرة من الطمع.

وقبول الله – عز وجل - للعمل أن يرضاه أو يثيب عليه.


ومن فوائد هذا الدعاء:


1- عدم الاغترار بالعمل مهما كان.
ًنعم، الصالحات تسعد أهل الإيمان، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو صالح، وقلب المؤمنين يفرح بالثواب .. ولكننا نحذر من الاغترار بالعمل، أن تعجبك عبادتك، والصالحون لا يفعلون ذلك؛ لأن الصالحين دائما يشفقون من ربهم ويخافون ألا يقبل منهم أعمالهم، ولا يأمنون على أعمالهم أن يكون قد شابها ما يرُدَّها عند الله فلا يقبلها سبحانه، قال الله سبحانه: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون:60]، قالت عائشة رضي الله عنها: سألت رسول الله عن هذه الآية فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: "لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، ويخافون ألا يتقبل منهم" (أخرجه الترمذي).

،قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها، وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفاراً عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه وقد أمر الله تعالى حجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات، وهو أجل المواقف وأفضلها فقال: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ. ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 198-199] ، وقال تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران:17] ، قال الحسن: مدوا صلاتهم إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون الله عز وجل، وفي ).الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثًا" (رواه مسلم) (مدارج السالكين

 

فإن الاعتماد على العمل وحده يولد غرورًا وعجبًا وسوء أدب مع الله سبحانه، وصاحب العمل لا يدري هل قُبل عمله أم لا، ولا يدري قدر ذنوبه ومعاصيه، وهل يثقل بها عمله أم لا، فينبغي طلب رحمة الله ومغفرته دائمًا وهو الغفور الرحيم.


2- الاهتمام بقبول العمل أشد من العمل.
لقد كان السلف الصالح يهتمون بقبول العمل أشد الاهتمام، حتى يكونوا في حالة خوف وإشفاق، ).
 وأثر عن علي رضي الله عنه أنه قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: {إنما يتقبل الله من المتقين}
 [المائدة:27].

 


3- شروط قبول العمل الصالح بعد الإيمان بالله عز وجل: الإخلاص والمتابعة كما قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف من الآية 110].

 يقول الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قول الله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف:110].

 


4- علامات قبول العمل أو صفات المقبولين الستة في آيتين من كتاب الله تعالى {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة 27]، وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} [الأحقاف 15 و16].

 

نسأل الله عز وجل أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يغفر ما اعتراها من تقصير وخلل.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع