المقالات

الابتلاء ... سنة ماضية

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله رب العالمين, وأشهد ألا إله إلا الله ولي الصالحين, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبع هداه إلى يوم الدين .

 

أما بعد :

 

فإن الدنيا لذات فانية وآمال منقطعة وشهوات تعقبها حسرات, إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا, وإن سرت يوما أحزنت شهورا, وإن أمتعت يسيرا منعت كثيرا.

 

 ما أشبهها بظل يزول, أو سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء :{ حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)}.( النــور)

 

أو منام يري العبد فيه ما يحب وما يكره فإذا استيقظ علم أن ذلك لا حقيقة له!

 

لعب ولهو وزينة تفاخر بينكم وتكاثر في الأموال و الأولاد :{ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ(20) } ( الحـديــد)

 

هل ينتظر الصحيح إلا السقم, والكبير إلا الهرم, والوجود سوى العدم ؟

 

على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة           وميت ومولود وبشر وأحزان !

طبعت على قدر وأنت تريدها                    صفوا من ألأقدار والأكدار!

 

هيهات ولات حين .. فوات !

 

لما علم الله أن أعمال أوليائه لا ترتقي بهم إلى ما أعده لهم من منازل الجنان قدر لهم من صفوت الابتلاءات ما يبلغ بهم تلك الدرجات فضلا منه ونعمة, ولطفا ورحمة, فقضى الله هذا وأبرمه وقدره برحمته :{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156)} ( البقرة) هذه سنته في خلقه : { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴿62)} (الأحزاب﴾

 

وقد أجرى الله هذه السنة ليُعلم الصادقُ من الكاذب, ويتبين المؤمنُ من المنافق, وليميز الخبيث من الطيب :{وَلَنَبْلُوَنَّكُم حَتَّى نَعْلَم الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُو أَخْبَاركُمْ (31) } (محمد)

 

{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)} (العنكبوت)

 

{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ (179)} (آل عمران)

 

{أمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)} (البقرة)

 

فهذه بعض الحكم التي ذكر الله أنه يبتلي عباده لأجلها .

 

ومع عظم البلاء يكون الجزاء كما عند الترمذي من حديث أنس مرفوعا :(( إنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وإِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ )).

 

وعند الترمذي أيضا وابن ماجه من حديث سعد قَالَ :" قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : " الأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ، حَتَّى يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ صُلْبَ الدِّينِ اشْتَدَّ بَلاؤُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ أَوْ حَسَبَ ذَلِكَ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَة " .

 

وعند ابن ماجه عن أبي سعيد قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوعَكُ , فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ , فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَيْنَ يَدَيَّ فَوْقَ اللِّحَافِ , فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ , قَالَ : إِنَّا كَذَلِكَ يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلَاءُ وَيُضَعَّفُ لَنَا الْأَجْرُ " , قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ : " الْأَنْبِيَاءُ " , قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : " ثُمَّ الصَّالِحُونَ , إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ إِلَّا الْعَبَاءَةَ يُحَوِّيهَا , وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ ".

 

وهكذا قام الصالحون من أصحاب محمد يستقبلون أنواع البلاء بنفوس راضية, فابتلوا بالخوف, فأخيفوا في الله قبل الهجرة وعند الهجرة وبعد الهجرة, حتى قال قائلهم :" ما وضعنا السلاح عن عاتقنا منذ وطئنا المدينة ".

 

وحسبهم ما كان يوم الأحزاب من شدة الخوف مع الجوع والبرد, حتى قال النبي : من رجل يأتينا بخبر القوم ويرجع ويكون رفيقي في الجنة ؟ فلم يقم أحد ! حتى عين النبي  حذيفة .قال حذيفة : فلم يكن بد .

 

ومن قبلهم خاف أبو بكر على النبي في رحلة الهجرة, وخاف موسى وهارون من فرعون { قَالَا رَبَّنَا إنا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى)201) } (طــــه).

 

 ابتلوا - رضي الله عنهم -  بالجوع ..حتى أكلوا ورق الشجر, حتى كانوا يربطون الحجارة على بطونهم من الجوع, وحتى كان طعام أحدهم تمرة في اليوم وربما  فقدوها !.

 

ومن قبلهم جاع النبي وكانت تمر الأهلة الثلاثة فلا يوقد في بيوت أزواجه نار, وطالما سألهم : هل عندكن شيء ؟ فكان الجواب : " لا والذي بعثك بالحق, ما عندنا إلا الماء".

 

ومن قبله جاع أيـــوب عليه السلام, وجاع موسى لما توجه تلقاء مدين وسقى للمرأتين فقال: { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) } ( القصص)

 


ابتلوا بنقص الأموال ..حين ترك المهاجرون أموالهم وخرجوا بأنفسهم مهاجرين إلى الله ورسوله ما معهم شيء, وكان الجهاد والعمل للدين شغلهم الشاغل فصبروا ومثلهم رسول الله  فقد كان مقلا من الدنيا, ومن قبله

ابتلي أيوب بالفقر بعد الغنى .

 

 ابتلوا بنقص الأنفس ..فقل منهم من لم يدفن زوجة, أو ولدا, أو أبا, أو أما, أو أخا.

 

وقد فاقهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا البلاء؛ ففقد زوجين خديجة وزينب - رضي الله عنهما - وفقد جميع أولاده ( القاسم و عبد الله وزينب ورقية وأم كلثوم وإبراهيم ) ولم يعش بعده إلا فاطمة .

 

 ابتلوا بنقص الثمرات ..كما قال ابن عباس - رضي الله عنهما -:" بقلة النبات ونقص البركات".

 

ومع عظم هذه الابتلاءات .. فأين هذا من بلاء الأنبياء ؟!

 

فقد ابتلي الأنبياء في أولادهم إما بعدم الإنجاب كما وقع لزكريا - عليه السلام - :{ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) } ( الأنبياء )

ومثل ذلك وقع لإبراهيم - عليه السلام - إذ تأخر إنجابه حتى رزق بإسماعيل من هاجر.

 

ومن البلاء بالولد أن يولد ويشب ثم يموت كما وقع لنبينا  ومن أشد البلاء أن يعيش ويشب ولكن يكفر بالله كولد نوح -عليه السلام- أو يخالف بر والده كما كاد أخوة يوسف لأخيهم, لولا أن الله أصلحهم : { إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ(8) اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) } (يوسف)

 

ورغم ما وقع لأصحاب محمد مما شاركوا فيه الأنبياء  فقد تفرد الأنبياء بأشد أنواع البلاء.

 

# ابتلي الأنبياء في أزواجهم.. { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ(10) } (التحريم)

وابتلي الأنبياء في عيشهم, فهذا عمر -رضي الله عنه- يبكي لأثر الحصير في جنب النبي مع ما فيه كسرى وقيصر من الترف, فقال له النبي : (( ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الأخرة ؟ )) .

 

وأشد ما يكون من أنواع الابتلاءات ابتلاء الدعوات.. { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) } (الأنعام)

 

{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْلَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13)} (إبراهيم)

 

فما من نبي إلا وكذب, وقيل شاعر وقيل ساحر وقيل مجنون .

 

وفي هذا يقول نبينا  : (( عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ .. )).  فأي بلاء أشد من أن يأتي النبي وليس معه أحد !

فما من صاحب دعوة إلا يمحص ويبتلى كما قال ورقة للنبي :" ليتني أكون حيًا إذ يُخرجك قومك، فقال رسول الله : أوَمخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأتِ رجل قطّ بمثل ما جئتَ به إلا عُودِي".

 

وقال الراهب للغلام :" أي بني أنت اليوم أفضل مني وإنك سبتلى" .

 

فلابد لكل صاحب دعوة - إن صدق في دعوته وظهر أثرها - من البلاء.

 

# فهذا إبراهيم أبو الأنبياء الخليل لما أنكر على قومه وعاب آلهتهم, وحطم أصنامهم { قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ )68) } (الأنبياء)

 

وأشد من ابتلائه بالنار ابتلاؤه في عرضه! كما في البخاري :" بينما هو ذات يوم وسارة إذ اتى على جبار من الجبابرة, فقيل له إن ها هنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس ,فأرسل إليه ... فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخذ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأُطلق".

 

# وابتلى نوح في دعوته: { قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً (9) } ( نوح) { قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا (21) } ( نوح) , { قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ  (116)} (الشعراء)

 

فصبر نوح على هذا ألف سنة إلا خمسين عاما, حتى رأى من زوجه وابنه ما رأى !.

 

# وابتلي موسى – عليه السلام – حتى قال الله له: { وفتناك فُتُونًا } وقال له فرعون: { لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)29)} (الشعراء), وقال الملأ من قوم فرعون :{ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) } (الشعراء)

 

# وابتلى عيسى - عليه السلام- بتآمر اليهود على قتله حتى رفعه الله إليه .

 

# وابتلي يحيى وقدم رأسه مهرا ليفر من بقايا بني إسرائيل.

 

# وهذا نبينا محمد .. { وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) } ( الأنفال)

 

وقد قام أصحاب الدعوات من أتباع الأنبياء على نفس الطريق, فقد أخرج مسلم من حديث صهيب قصة غلام أصحاب الأخدود الذي أرسله الملك إلى الساحر ليتعلم منه, وكان في طريقه راهب فجعل يقعد إليه ويتعلم منه, فبينما هو كذلك إذ رأى دابة عظيمة قد حبست الناس فقال:" اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب ,فأخذ حجرا فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس ,فرماها فقتلها ومضى الناس ".

 

#سحرة فرعون .. { قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ (71( قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)} (طـــــــــه)

 

# ماشطة بنت فرعون وحديثها عند أحمد وابن ماجه. عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لما كانت الليلة التي أسري بي فيها وجدت رائحة طيبة ، فقلت : ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل ؟

قال : هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها ، قلت : ما شأنها ؟ قال : بينا هي تمشط ابنة فرعون إذ سقط المشط من يدها ، فقالت : بسم الله ، فقالت ابنة فرعون : أبي ؟ فقالت : لا ، ولكن ربي وربك ورب أبيك الله ،

قالت : وإن لك ربا غير أبي ؟ قالت : نعم ، قالت : فأعلمه ذلك ؟ قالت : نعم ، فأعلمته فدعا بها ، فقال : يا فلانة ، ألك رب غيري ؟ قالت : نعم ، ربي وربك الله ، فأمر بنقرة من نحاس فأحميت ، ثم أخذ أولادها يلقون

فيها واحدا واحدا ، فقالت : إن لي إليك حاجة ، قال : وما هي ؟ قالت : أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد فتدفنها جميعا ، قال : لك ذلك علينا ، فلم يزل أولادها يلقون في النقرة حتى انتهى إلى ابن لها

رضيع ، فكأنها تقاعست من أجله ، فقال لها : يا أمه ، اقتحمي ؛ فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة

 

 حبيب بن زيد الأنصاري وقصته مع مسيلمة لما قال له : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم أشهد أن محمدا رسول الله . وعاد يسأل: وتشهد أني رسول الله؟ فقال حبيب: إن في أذني صمما عما تقول. فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يده .

 

 أبو مسلم الخولاني وموقفه مع الأسود العنسي لما قال له : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم أشهد أن محمدا رسول الله . ثم قال : وتشهد أني رسول الله؟ فقال أبو مسلم: ما أسمع. فأمر بنار عظيمة فأججت ثم ألقي فيها فلم تضره ! فأمره بالرحيل ,فخرج إلى المدينة .

 


عبد الله بن حذافة

لما أسره الروم وذهبوا به إلى ملكهم فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي . فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد   طرفة عين، ما فعلت. فقال: أقتلك. فقال: أنت وذاك. فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية، فيأبى. ثم أُمر به فأنزل، ثم أمر بقدر فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يُلقى فيها، فرُفع في البكرة ليُلقى فيها، فبكى فطمع فيه ودعاه، فقال: إني إنما بكيت؛ لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تُلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تُعذَّب هذا العذاب في الله فأعياه حتى قال له الملك: فقبِّل رأسي وأنا أطلقك. فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم. فقبَّل رأسه، فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده. فلما رجع، قال عمر بن الخطاب حقٌّ على كل مسلم أن يقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ. فقام، فقبَّل رأسه.

 

لقد كان صبر هؤلاء في ذات الله القنطرة التي عبروا عليها إلى أعالي المجد ..خبيب بن عدي وبلال وعمار وسمية وياسر .... قافلة طويلة وهكذا, ومن بعدهم فقد سجن ابن تيمية, وأبو حنيفة والإمام أحمد, وأخرج الألباني من بلده مرارا ومنع من المحاضرة والتدريس, وافتري على ابن باز وابن عثيمين ...

 

-نقل القرطبي عن وهب بن منبه فيما قرأه من الكتب السابقة : إذا سلك بك سبيل البلاء فقر عينا؛ فإنه سلك بك سبيل الأنبياء والصالحين, وإذا سلك بك سبيل الرخاء فابكِ على نفسك؛ فقد خولف بك عن سبيلهم !.

 

وإذا كان المؤمن لابد له من البلاء فليتأدب في ذلك بأدب الأنبياء حتى يضاعف له الأجر, ويمشي على الأرض وما عليه خطيئة .

 

فأول ذلك الصبر كما أمر الله نبيه قال :{ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ (48)} (الطور)

 

{ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ (35) } (الأحقاف)

 

ويفسر النبي الصبر بقوله :((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) كما قال للمرأة.

 

وبين للمرأة المصروعة :(( إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ )) فَقَالَتْ:" أَصْبِرُ" .

 

صابر الصبر فاستجار به الصبر                                  فقال الصبور للصبر صبراً

 

ومما يلزم لذلك من أدب البلاء اللجوء إلى الله, وإنزال الحاجة به, وأنزال المصاب به, وأعظم ذلك الصلاة , هكذا أمر الله { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)} (البقرة)

ولذلك كان إذا حزبه أمر صلى.

 

ولما وقع لسارة البلاء توضأت وصلت فكشف الله  الغم ... ولما ابتلي جريج توضأ وصلى فأنطق الله الغلام .

 

ونُعي لابن عباس ابن له وهو في سفر فنزل وتوضأ وصلى ثم استرجع وقال : فعلنا كما أمرنا الله { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ } وكذلك فعل لما نُعي إليه أخوه .

 

وأوصى عبادة بن الصامت من حضره عند الموت : فإذا خرجت نفسي توضئوا فأحسنوا الوضوء، ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجدا فيصلي ثم يستغفر لعبادة و لنفسه؛ فإن الله عز و جل قال : { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ }

 

لذلك كان دعاء التعزية :" لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل مسمى فلتصبر ولتحتسب " .

 

وفوق ذلك منزلة المرض :{ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) } (التغابن)

 

ومما يلزم من أدب البلاء الاحتساب .. أمر النبي   ابنته زينب أن تحتسب فبعث إليها حين توفي ابنٌ لـها : (( تصبر وتحتسب، إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجلٍ مسمى )).

 

وعنه  أنه قال :(( يقول الله تعالى : مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبضْتُ صَفِيّهُ مِنْ أَهْلِ الدنْيَا ثُمّ احْتَسَبهُ إِلاَّ الجَنَّة )). ( رواه البخاري عن أبي هريرة )

 

وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله  قال: (( إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ , قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلائِكَتِهِ : " قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي ؟ ، فَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، فَيَقُولُ : قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، فَيَقُولُ : قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ ؟

فَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، فَيَقُولُ : مَاذَا قَالَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ : حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ ، فَيَقُولُ : ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ )). (رواه الترمذي وقال : حديث حسن)

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسوة من الأنصار:(( لا يَمُوتُ لإِحْدَاكُنَّ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبَهُمْ إِلا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ , فَقَالَتِ امْرَأَةٌ : أَوِ اثْنَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَوِ اثْنَيْنِ)). (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)

 

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : إِذَا أَخَذْتُ مِنْ عَبْدِي كَرِيمَتَهُ أَوْ حَبِيبَتَهُ فَصَبَرَ لِحُكْمِي وَرَضِيَ بِقَضَائِي ، لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابًا إِلا الْجَنَّة )) .(رواه البخاري)

 

وهذا معنى " إنا لله وإنا له راجعون"

 

ومما يلزم من أدب البلاء ..التوبــــة ,فقد كان المعصوم صلى الله عليه وسلم يتوب ,ويخاف من الذنوب, فكلما هبت ريح راح وجاء ولم يقعد .

 

قال تعالى :{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير(30)} (الشورى)

 

{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(165)} (آل عمران)

 

والحذر من عدم الشعور بالذنب, أو الف المنكر, والف العقوبة.

 

ومن الآداب أيضا التفتيش في النفس, والمحاسبة, والحرص على العمل بأسباب الاستقامة من الفرائض والنوافل.

 

وهذا وصلى الله وبارك على عبده محمد , والحمد لله رب العالمين.

  1. ibrahim ibrahim February 07, 2015

    جزاه الله خيرا ورده الينا سالما

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 4+4=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع