المقالات

خاطرات حول معسكر مرسى مطروح

المهندس /  أحمد وهبة


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

 حزمت أمتعتى وحملت حقيبتي وودعت أهلي, وانطلقت السيارة نحو مكان التجمع, أفكار شتى تنتهب عقلي, نظرات أبنائي الثلاثة لازالت منطبقة على حدقة عيني, مشاكل العمل تأبى أن تغادر عقلي, ثم المسجد كيف نسيت المسجد؟! من سيؤم المصلين في فترة غيابي, من سيقوم على رعاية شؤونه وأحواله ؟!.

 

وفجأة... لاح في الأفق مكان التجمع, ما هذا الذى أرى, فركت عيني, مئات اللحى والثياب البيض, إنهم حجاج بيت الله الحرام, الله أكبر, لقد بدأت أفواج الحجيج الشروع في السفر إلى بيت الله العتيق, ولكن... اقتربت أكثر حتي بانت الوجوه وتفتحت الملامح, إنهم ليسوا حجيجاً, إنهم إخواني الذاهبون معي إلى المعسكر, شعرت بخيبة الأمل, لقد كنت أطمع أن أوصي بعضهم بالدعاء لي عند الكعبة, إنهم ليسوا ذاهبين إلى الكعبة, بل إلى البحر.

 

ركبنا الحافلة وانطلقنا, أرحت ظهري إلى المقعد واسترخيت منهمكاً, انتظرت أن يطرق سمعي صوت حمار ينهق, أو كلب ينبح من مذياع الحافلة, أو يتسرب إلى أنفي رائحة الدخان البغيضة, ورحت أجهز نفسي لمعركة حامية مع قائد الحافلة ليقفل مذياعه, ومع صاحب الدخان حتي يصرف عني بعضاً من أنفاسه الكريهة, إنها معركة شهيرة ينتصر فيها صاحب الشخصية الأقوى والصوت الأعلى, فما حدث شئ من ذلك, نعم تذكرت أن إخواني لا يدخنون ولا يسمعون مثل هذه الأشياء, هذا حسن إذاً.

 

ثم لم يلبث أن قام بعض إخواني وأمسك بمكبر الصوت الخاص بالحافلة, وراح لا يألوا جهداً في أن يخفف عنا بعضاً من وعثاء السفر, وراح يقدم فقرات متعددة من ذكر ودعاء السفر وحديث و..., لقد أشفقت عليه جداً, لاشك أنه مجهد مثلي تماماً, ثم إن قطاعاً ليس بالصغير من إخواننا لا يأبه له, فانخرط بعضهم في اللعب على جهاز الكمبيوتر المحمول, وبعضهم في الممازحات, والبعض الأخير في النوم, إلا أنه رغم كل ذلك لم يتوقف عن التخفيف عنا وشغل عقولنا حتي لا نعد ساعات السفر, ويبدو أنه يتقرب إلى الله تعالى بذلك.

 

وصلنا المعسكر ليلاً وقد بلغ منا النصب مبلغه, لم أحدثكم عن مشكلة التسكين, وعن كيف أنها تعصف بمعسكر ما, بل والله قد تفسد عمرة البعض وحجة البعض, لن أحدثكم عنها وعن كيف تم تجاوزها بين الأخوة بسهولة بالغة في وقت قصير.

 

أصبح الصباح وجلس البعض متثاقلاً يسمع محاضرة لشيخنا الحبيب إلى قلوبنا, والبعض الأخر كما هو معلوم بالطبع لا زال يغط غطيطاً, انتهت المحاضرة وصلى إخواني صلاة الضحى في سكينة وخشوع, ثم بدأ اللهو واللعب, صيحات عالية وقفزات هائلة, ما كنا نتخيل أن نرى أو نسمع مثلها من إخواننا الموقرين, فقفز إلى ذهني خاطر: إنها مجموعة من المحرومين المكبوتين المكبلين, فكت قيودهم, فأطلقوا العنان لفطرهم –لا تنسوا أني واحد منهم- فخرجت منهم تلك الصيحات البدائية, والحركات البهلوانية.

 

جلست بجوار المسبح, ورجعت بظهري لأقصى الوراء على مقعد, ما جلست على مثله من قبل, وأطلقت العنان لأفكاري, ما هذا المكان الجميل الذى نحن فيه, ما هذه الروح الطيبة التي تسري بيننا, ما هذا الود الذى يسود هذا المكان, وجوه طيبة, ومساكن طيبة, إخوان على سرر متقابلين, وجنات وعيون, نتقلب من متعة إلى متعة أعظم منها, آمنين لا نخشي شيئاً, لا يشغلنا شيء, لا ينقصنا شيء, لا نقول إلا خيراً, ولا نسمع إلا خيراً, إن هذا المكان يذكرني بالجنة, إنه صورة مصغرة من جنات الخلود, نسأل الله تعالى الذى جمعنا في هذه الجنة الصغرى أن يجمعنا في جنته الكبرى.

 

ربما لو رآنا أحد لأول وهلة بملابسنا البيضاء وسيماء أهل الجنة لظن أننا إلى الحج ذاهبون, لكنَّ الأمر ليس كذلك . إنهم ذاهبون إلى البحر, هل تعلم لماذا ذهبوا إلى البحر؟؟ ذهبوا ليتعارفوا, ذهبوا ليتآلفوا, ذهبوا ليجتمعوا على قلب رجل واحد, وهل جُعل الحج إلا من أجل هذا المعنى وهذه الغاية, ليتعارف الناس, ليتآلف الناس, ليجتمع الناس على قلب رجل واحد.

 

إني أرجوا لإخواني إن صحت نياتهم, ورقت قلوبهم, وصفت أرواحهم, ونبذوا الشحناء والبغضاء من بينهم, أن يعودوا إلى أهليهم بأجور تدنو من أجور الحجيج, إن الله على كل شيء قدير وهو بالإجابة جدير وهو نعم المولى ونعم النصير.                                                                                             

  1. خالد قنديل October 11, 2012

    جزاك الله خيرا لقد جعلت قلبى يهفوا ويندم على التخلف ولكن شيخنا حنانيك فنحن فى الدنيا والدنيا للتعب والكبد الدنيا للدعوة والدعوة كلها تعب ونصب لكى يكون فى النهاية ماتصبوا إليه رزقنا الله وإياك جنات النعيم  والجنة التسكين فيها سهل هين أنطلقوا إلى مسكنكم أو إلى منازلكم اللهم إنا نسألك من فضلك

  2. ابراهيم مشعل October 11, 2012

    رائعه جدا وخاصه عندما كان يلقيها الشيخ احمد فى المعسكر

  3. محمود إبراهيم October 14, 2012

    كلمات رائعة معبرة من أديب وصفت بها ما يدور بداخلنا  وفقك الله إلي ما يحب ويرضى أشهد الله أني أحبك في الله

  4. محمد عبيد October 14, 2012

    لا فُض فوك يا شيخ أحمد. والله إنها لكلمات أحسبها خرجت من القلب فسكنت في القلب. كانت بحق ساعات جميلة قضيناها هناك, نتقلب من طاعة غلى اخرى, ومن مباح إلى آخر.

    لو قال لي أحد من قبل إني سأقود سيارتي ألف كيلومتر لأمكث ثلاثين ساعة فقط ما صدقته, ولكن لما كان المكث مع إخوان صدق هانت كل الصعاب وخفت كل المؤن وطوى الله لنا الأرض طيا.

    لا حرمنا الله من صحبتكم ولا من تلاوتكم ولا من مقالاتكم, اللهم آمين.

  5. اشرف ابو طالب June 24, 2013

    لا املك حلاوة الكلام كى اعبر عما اشعر  من سعادة وشوقى الى مثل هذة المعسكرة لا حرمنا الله من صحبتكم ولا من تلاوتكم ولا من مقالاتكم, اللهم آمين.

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع