المقالات

حرية التعبير بين المفهوم الشرعي والمفاهيم المعاصرة

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

في هذا الجزء من البحث سنحاول التعرف على جانب معين من هذه الحرية ، و هو الجانب المتعلق بالتعبير ، فما حجم و طبيعة هذا النوع من الحرية في ضوء النصوص الشرعية ؟ و ما حجم و طبيعة هذا النوع في إطار الفلسفة الليبرالية الغربية كذلك ؟

 

1) حرية التعبير في ضوء النصوص الشرعية

تعرضت كثير من نصوص القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة لهذا النوع من النشاط الإنساني ، أعني " التعبير " أو " القول و الكلام " و جاء التوجيه القرآني الكريم بالتزام القول الحسن ، و ترك ما عداه مما لا فائدة منه ، أو مما فيه مضرة للدين أو في العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع المسلم .

لقد حدد القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة ضوابط الكلام و آدابه تحديداً دقيقاً واضحاً نجمل شيئاً منه فيما يلي : قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} [70 : الأحزاب] , و قال تعالى :{وقُلْ لعبادي يقولوا الَّتي هيَ أحسنُ إنَّ الشَّيطانَ يَنزَغُ بينَهُم} [53:الإسراء] وقوله تعالى {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ.... وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏ } [33:الأعراف] .

هذه الضوابط المتعلقة بالهدف والأسلوب ، وهناك ضوابط متعلقة بالتثبت من المصدر في مثل قوله تعالى {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [83:النساء]  قال ابن كثير في تفسير هذه الآية :  إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها ، فيخبر بها و يفشيها و ينشرها ، و قد لا يكون لها صحة .

وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع" وعن المغيرة ابن شعبة "أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن قيل و قال ..." (متفق عليه) أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت  و لا تبين . و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت " (متفق عليه ) و قال صلى الله عليه و سلم : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده "

كما حرم الله ورسوله الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور والسب والقذف في أدلة ظاهرة معلومة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ،ويستفاد من هذه الأدلة وأمثالها أن ممارسة الإنسان للتعبير ليست مطلقة وإنما هي مقيدة بضوابط ومعايير ، بل إن مما توصي به هذه النصوص أن الأصل هو القيد ومعنى ذلك أن الإنسان ليس حراً في الشيء الذي يقوله بحيث يقول ما يشاء بل لا بد أن يختار الأحسن وما فيه الخير ، فإن لم يكن ذلك فهو مطالب حينئذ بالتزام الصمت و السكوت و هو في كل حال خاضع لرقابة الله تعالى له {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}  [18:ق]

 

- حرية التعبير في الفلسفة الليبرالية

ممارسة التعبير في الفلسفة الليبرالية جزء من الحريات العامة و من الحقوق الطبيعية التي تطالب بها النظرية مثلها في ذلك مثل حرية التدين و المسكن والتنقل و التملك و تعني إمكانية تعبير الفرد عن فكرة في أي أمر من الأمور سواء أكان سياسياً أم دينياً .... إلخ ، وذلك دون موافقة أو تصريح سابق وحرية الرأي قد تكون بالقول أو بالكتابة ، أو بأية وسيلة من وسائل التعبير وتتمثل حرية التعبير عندهم في جانبيين أساسيين .

أحدهما : حرية التعبير في المجال الفكري والعلمي .

الثاني : حرية التعبير في الجانب السياسي ، بمعنى حق الاعتراض و الانتخاب .

 

الفرق بين المفهوم الإسلامي و المفهوم الليبرالي لحرية التعبير

من أجل الوصول إلى بيان الفرق في هذا الموضوع ، يحسن التقديم بذكر صور التعبير المشروعة في الإسلام ، والأحكام المتعلقة بها ، حتى يمكن التعرف على طبيعة  التعبير في الإسلام بصورة كاملة الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى التقويم والمقارنة بصورة صحيحة .

 

أولاً : صور التعبير المشروعة في  الإسلام

ومعنى المشروعة التي تتردد بين الواجب والمستحب ، ومن أبرز هذه الصور:-

 

1- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر  

قال تعالى :} وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [104آل عمران ] وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " .

 

2- النصيحة

و لها قسمان

 الأول : النصيحة الخاصة ، و هي الموجهة لشخص بعينه ، و هي داخلة في عموم قوله صلى الله عليه و سلم : "الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ، و لرسوله، و لأئمة المسلمين و عامتهم "(رواه مسلم)

 وتتعين في حال القدرة و عدم وجود من يكفي للقيام بها ، و في حال الطلب كذلك كما في قوله صلى الله عليه و سلم : " حق المسلم على المسلم ست ، قيل : ما هن يا رسول الله ؟ قال : إذا لقيته فسلم عليه ، و إذا دعاك فأجبه ، و إذا استنصحك فانصح له ... " (رواه مسلم) .

 

الثاني : النصيحة العامة ، و هي التي لا توجه لفرد بعينه ، و هي متعينه في كل وقت حسب الاستطاعة و يدل عليها الحديث السابق " الدين النصيحة " وبين هذه و بين الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أوجه تشابه ، و عموم  وخصوص فالعموم عموم مؤازرة الحق و الذب عنه ، ومواجهة الباطل ودحره ، والخصوص ، الأمر والنهي وهما يتعينان في حال ترك المعروف أو فعل المنكر، أما النصيحة : فهي أعم لاشتمالها على البيان والأمر والنهي ، كما يدخل في النصيحة نشر العلم وبيان الحق وهي من صور التعبير القوليه ومعناها شامل لجميع أمور الدين .

 

- النصيحة من خلال وسائل الإعلام الجماهيرية  

بالنسبة للنصيحة العامة : وهي التي توجه لعموم الناس دون تخصيص لأحد فلا مانع منها : وبالنسبة للنصيحة الخاصة ، وهي التي توجه لشخص بعينه فالذين منعوا وهم الأغلب قالوا : ستتحول من نصيحة القصد منها التقويم والإصلاح إلى تشهير وفضيحة ، تزيد المخطئ إصراراً وعناداً و استمرار على الخطأ إلا إذا استعلن المخطئ بخطئه وأصر وعاند واستكبر عن قبول الحق بالأسلوب السري الهادئ ، فالأصل في النصيحة  .الخاصة أن تكون خاصة وسرية ، إلا عندما يتعلق الأمر بمصلحة مجموع الأمة ، وكيانها الخلقي أو مصالحها العليا ، فإن هذه المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة التي يستلزم منها الإسرار بالنصيحة

3- نشر العلم

وهو من صور القول المشروعة ، بل من الواجبات الشرعية التي تجب على أفراد المسلمين و جماعاتهم ، فضلاً عن ولاة أمورهم كل بحسبه كما قال الله تعالى : {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [187: آل عمران] وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " نضر الله  امرأ سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " ( رواه أحمد  ) .

 

4- الشورى

 وهي من صور القول المشروعة ، بدلالة قوله عز وجل : {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [ 159:آل عمران ] و قوله تعالى : {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} [ 38:الشورى]  ويأتي اعتبار كونها من صور القول المشروعة في حال طلب المستشير ، و تكون واجبة كما يفهم من قوله صلى الله عليه و سلم : " إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه " ( رواه ابن ماجه ) ، و تكون مستحبة في حال عدم تعيينها بطلب و نحوه .

و التعبير في الإسلام يخضع للأحكام الخمسة الواجب و المستحب و المحرم و المكروه و المباح .

 

فالواجب إما من باب العزيمة كما يدل عليه قوله صلى الله عليه و سلم : " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" (رواه ابن ماجة )وإما من باب التعيين كما في قوله صلى الله عليه و سلم : " من سئل على علم فكتمه ألجمه الله عز وجل بلجام من نار يوم القيامة " (رواه أحمد) .

 

الفرق بين المفهوم الشرعي و المفهوم الليبرالي للتعبير

في ضوء ما سبق يظهر الفرق بين المفهومين في جوانب عدة ، من أهمها :-

 

1- الفرق في مصدر تقرير مبدأ التعبير بالنسبة للإنسان

فمصدر تقرير مبدأ التعبير في الإسلام هو الوحي ( الكتاب و السنة ) و الإجماع والقياس أما مبدأ مصدر التعبير في الليبرالية فهو الحقوق الطبيعية ، وهي حقوق افتراضية افترضها الفلاسفة الغربيون من عند أنفسهم دون أدنى دليل {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا} [سورة النجم:23] .

 

 ففي الإسلام الله هو المانح المانع لحرية التعبير في الإسلام .

 

2- الفرق في درجة الإلزام

درجة الإلزام لبعض أحكام صور التعبير في الإسلام متدرجة بين الواجب والمستحب في جانب الفعل ، والمحرم  والمكروه في جانب الترك .

أما المفهوم الغربي لحرية التعبير : فهو لا يعني أكثر من كونه حقاً من الحقوق الطبيعية المفترضة فقط ، وهو يقبل المعاوضة والتنازل ، فهذه الحقوق لا تنطوي على أي درجة من الإلزام غير الإلزام العرفي الذي يطرأ عليه التغير والتبدل بحسب الظروف والمصالح فكون حرية التعبير حقاً وليست واجباً بالنسبة للأفراد يعني أن القانون لا يرتب عليها أي عقوبة أو حتى حرج ، ففي التصويت الانتخابي مثلاً وهو صورة من صور التعبيرفي الليبرالية إذا امتنع أحد ممن له هذا الحق عن ممارسته ، فإن امتناعه هذا لا يترتب عليه أي وقف قانوني .

 

3- الفرق من حيث حجم و مساحة التعبير بالنسبة للأفراد و المضمون

فحرية التعبير في المفهوم الغربي تعني حق جميع الناس في التعبير ، كما تعني إلغاء القداسة عن المساس بأي شيء والخوض فيه ، فلكل فرد الحق في أن يقول ما يشاء في أي موضوع شاء .

 

وهذا المعنى مخالف لما تقرر من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب الدفاع عن دين الله  وقد نص العلماء على وجوب إتلاف الكتب المشتملة على الترويج للبدع أو تسيء إلى الدين ، وأن ذلك أولى  من إتلاف آلات اللهو و المعازف باعتبار أن ضررها أعظم من ضرر إتلاف هذه الآلات .

 

4- الفرق في التسمية  

و لهذا جاءت التسمية الشرعية لصور التعبير محددة الدلالة و الطريق ، فالأمر بالمعروف له دلالته الشرعية الخاصة به ، والنهي عن المنكر كذلك له دلالته ومسمى النصيحة له دلالته ، ومثل ذلك نشر العلم والشورى على ما سبق بيانه وهذه الفروق تدعو إلى التساؤل عن إمكانية وضع الصور المشروعة في منزلة حرية التعبير ، ونتيجة لما سبق يمكن القول بأن الموازنة بينهما في المنزلة خطأ شرعي ومن هنا كذلك يتبين أن استعارة المفهوم الغربي لحرية التعبير يؤدي إلى كثير من المغالطات ، والوقوع في كثير من المحاذير ، والاستهانة بالعديد من الحقوق الشرعية لله عز و جل ، ويبقى بعد ذلك تأكيد تمييز الإسلام في منهجيته و نظرته للحياة .

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 3+3=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع