المقالات

من مقاصد الحج

الشيخ /  سيد علام


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله الذى رضى لنا الإسلام ديناً، وفرض على عباده حج بيته الحرام، وبعث لنا محمداً - صلى الله عليه وسلم - أفضل الأنام، فأنزل علينا أجل كتاب، وأرسل إلينا أعظم رسول، وشرع لنا أكمل ملة، وجعلنا من خير أمة، فالحمد لله كثيراً كما ينعم كثيراً، و صلى الله وسلم على المبعوث بشيراً ونذيراً وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد...

 

فإن الحج ملتقى المسلمين، وهو المجمع العظيم، الذي فيه تتلاقى أممُ مختلفةٌ ألسنتها وألوانها وأوطانها وطباعها، وفيه تجتمع العبادات القلبية والمالية والبدنية والقولية، وفيه تتعانق الحِكَم التربوية والدعوية والاجتماعية .

والمتأمل في هذه العبادة العظيمة - الحج - يجد لها مقاصد وغايات عظيمة، وإذا كان المسلم مطلوب منه أن يسمع ويطيع لمولاه فيفعل ما أمره به، ويجتنب ما نهاه عنه دون تردد أو تأخر سواء عرف الحكمة من ذلك أم لم يعرفها، إلا أن التفكر في مقاصد العبادات وغاياتها مما يزيد المؤمن إيماناً، ويعينه على الثبات عليه ويجعله يحتسب هذه العبادات، بل ويدفعه ذلك إلى فعل هذه العبادات بإقبال وانشراح صدر.

 

وقد غفل كثير من المسلمين عن مقاصد الحج فتجده يتعامل مع هذه الفريضة العظيمة وكأنه ذاهب في نزهة أو لقضاء بعض الوقت مع أصدقائه أو غير ذلك، وقد رأينا من يرتدى ملابس الاحرام وهو واقف على جبل عرفات ويدخن السجائر والشيشة،! وأخبرني بعض الأخوة أن بعض الحجاج وهم واقفون على عرفات يلعبون الطاولة لتضيع الوقت،! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

ومن طريف ما يذكر - وهو من المضحكات المبكيات - قصة ذكرها لي أحد الدعاة، أنه ذهب مع فوج من أفواج الحجيج إلى بيت الله الحرام، يقول ذلك الداعية:
أنه أثناء معايشته لهذه المجموعة وجد الكثير منهم يتكاسل عن أداء الصلاة!!! وينام عنها ويؤخرها عن وقتها، وهم في الحرم المكي - أعظم بقعة وأفضلها على وجه الأرض - فقام هذا الداعية بواجبه تجاههم، وأخذ يوقظهم للصلاة، ويذكرهم بأهمية أدائها في وقتها، يقول: وقد وجد معاناة شديدة في ذلك وتكرر هذا الأمر عدة مرات، حتي كأنهم ملوا من تذكيره لهم وحثه لهم على الصلاة، فقالوا له باللغة العامية: (ياحاج فلان هو إحنا جايين نحج ولا جايين نصلي)!!!

 

فمثل هؤلاء وغيرهم ممن لم يستطيعوا أن يتغلبوا على أنفسهم ولم يقدروا على ترك المعاصي الظاهرة وهم في هذه الأماكن المباركة والأزمنة الفاضلة لم يفهموا المقصود من الحج.

فتعالوا بنا نتدارس بعض مقاصد هذه العبادة العظيمة.

 

فمن مقاصد الحج العظيمة:-

 1- التربية على التسليم لله تعالى والانقياد لشرعه:-

 
فتنقل الحاج بين المشاعر وطوافه حول الكعبة وهى من الحجارة، وتقبيله أو استلامه أو اشارته للحجر الأسود، ثم السعي بين جبلي الصفا والمروة، والمبيت بمنى والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ثم رمى الجمار، وغير ذلك لا يفعله الحاج إلا لأن الله عز وجل أمره بذلك.

ويجسد لنا هذا المعنى قول عمر - رضى الله عنه - حينما أراد تقبيل الحجر الأسود: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك[البخاري ومسلم].

فما أحوجنا إلى ترويض أنفسنا على تقبل شرع الله عز وجل والتسليم له، ففي ذلك الحياة الكريمة في الدنيا والجزاء الأوفي يوم القيامة.

 

 2- إقامة التوحيد:-

 قال تعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً...}[الحج62]، وتدبر هذا النداء العظيم الذى تلهج به أفواه الحجيج "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك".
،وحول البيت وبعد الطواف يقرأ الحاج في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص والكافرون، وعلى الصفا يبدأ دعائه "بلا إله إلا الله والله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له...إلخ، ويوم عرفة يكثر من قوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".

 

فقضية التوحيد أعظم قضايا الدين وأجلها، فيستشعر الحاج ذلك في كل المناسك، ثم بعد ذلك في حياته كلها، كما قال الله عز وجل: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}[الأنعام261].

فالتوحيد أغلى ما يملكه المسلم في حياته، وسبب نجاته يوم القيامة.

 

3- محبة الرسول صلى الله عليه وسلم:-

فمحبة النبى -صلى الله عليه وسلم- من أجل أعمال القلوب، وأفضل شعب الإيمان، وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في الحج فقال: "خذوا عني مناسككم"، ولا شك أن التأسي يورث المودة وهو سبب لنيل المحبة، وفي اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - عموماً تحقيق لمحبة الله عز وجل كما قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله...}[آل عمران31].

فما أحوجنا إلى تعميق هذا المعنى في نفوس الحجيج خصوصاً، وفي نفوس المسلمين عموماً، خاصة في هذا الزمان الذى يساء فيه إلى شخص الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- من شرذمة حقيرة امتلأت قلوبهم غيظاً وحنقاً على الإسلام والمسلمين، فخاضوا في حق النبي الكريم - عليه الصلاة والسلام - وأبلغ رد على هؤلاء الأعداء الحاقدين هو العودة لهدى نبينا - صلى الله عليه وسلم - واتِّباعه واقتفاء أثره في كل شيء، ونشر فضائله وشمائله وسننه والدعوة إلى ذلك.

 

4- تعظيم الشعائر والحرمات:-

فقد قال عز وجل في سورة الحج : {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه} [الحج 30] وقال: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج 32].

 

   5-  الإكثار من ذكر الله تعالى:-

 قال عز وجل: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً} [البقرة200]، فالسعيد من استثمر أيام الحج بالذكر ومناجاة الله - عز وجل - ودعائه وتلاوة القرآن.

 

   6-  ربط الحجيج بأسلافهم:-

 فيتذكر الحاج وهو يتنقل بين المشاعر الذكريات القديمة، من هجرة إبراهيم الخليل - عليه السلام - وزوجه هاجر وابنه الرضيع إسماعيل - عليه السلام - إلى الحجاز ومواقفهم العظيمة، ثم يتذكر حجة الوداع لنبينا - صلى الله عليه وسلم - وحوله أصحابه - رضوان الله عليهم - الذين أناروا الدنيا بعد ذلك بنشر دين الله عز وجل في أرجاء المعمورة.

 

  7-  تعميق الأخوة الإيمانية:-

فالحجيج على كثرتهم - وهم من أوطان وأجناس وأشكال كثيرة - يقفون في مكان واحد، وزمان واحد، بمظهر واحد، لهدف واحد، فتتعمق بذلك المحبة بينهم، ويزداد ترابطهم، فهم وغيرهم من إخوانهم في مشارق الأرض ومغاربها كالجسد الواحد.

 

  8- تذكر اليوم الآخر واستحضاره:-

 فمن تدبر ملابس الإحرام لوجدها تشبه كفن الميت، ومن تدبر الموقف بعرفات ثم الدفع إلى مزدلفة ومنى لعلم أن كل ذلك يذكر بالحشر والبعث والموقف العظيم بين يدي الله يوم القيامة.

 

   9- تحقيق التقوى:-

 ففي وسط آيات الحج في سورة البقرة يقول الله عز وجل: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب} [البقرة196].

والتقوى هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجوا ثواب الله، وأن تجتنب معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله، كما قال طلق بن حبيب رحمه الله.

 

   10-  التربية على الأخلاق الحسنة والعادات الجميلة:-

قال تعالى: {...فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة197]، ويتربى الحاج على التواضع حيث يتساوى كل المسلمين ويزول التميز بينهم، ويتربى على الصبر وتحمل المشاق، والرفق واللين والسكينة، وعلى البذل والسخاء وكذا على التعود على النظام والانضباط.

وفي الحج منافع أخرى دنيوية وأخروية، فردية وجماعية تَجِلُّ عن الحصر، يدل عليها تنكير المنافع وإبهامها في قوله عز وجل: {ليشهدوا منافع لهم} [الحج28].

 

11- تحقيق مبدأ المساواة الحقيقي

فعن أبي نضرة رضي الله عنه قال: حدثني من سمع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال: "إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا اسود على أحمر إلا بالتقوى " (رواه أحمد وهو صحيح).

وما فاق بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي أبا جهل بالنسب ولا بالمنصب، بل بحقيقة التفاضل، وهو الإيمان بالله، والتقوى، وقد نالوا شرف صحبة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

والحمد لله رب العالمين

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بتصرف من كتاب الرفيق في رحلة الحج أصدرته مجلة البيان 1429هـ.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع