المقالات

** وإنَّ لنا في مُرور الأعوام عِبرة **

الشيخ /  سيد علام


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد .

 

فمنذ أيام ودَّعنا عاماً هجرياً واستقبلنا عاماً جديداً .

 مضى عام بكل ما يحمل من أحداث وأفراح وأحزان، وجاء عام لا ندري ما الله فاعل فيه .

ولنا في مرور الأعوام عبرة! .

 

عام كامل، تصرَّمت أيامه وتفرقت أوصاله، وقد حوى بين جنبيه حِكَماً وعبراً، وأحداثاً وعظات، فلا إله إلا الله، كم شقي فيه من أناس؟ وكم سعد فيه من آخرين؟ 
كم من طفل قد تيتم؟ وكم من امرأة قد ترملت؟ وكم من مريض قد تعافى؟ وكم من سليم في التراب قد توارى؟.

ولنا في مرور الأعوام عبرة! .

 
رأينا أهل بيت يشيعون ميتهم، وآخرون يزفون عروسهم، دار تفرح بمولود، وأخرى تُعَزَّى بمفقود، هناعناق وعبرات من شوق اللقاء، وهنا عبرات تهلّ من لوعة الفراق، وهذه آلام تنقلب أفراحاً، وأفراح تنقلب أتراحاً.

ولنا في مرور الأعوام عبرة! .

 
هذا أحدهم يتمنى دوام يومه ليتلذذ بفرحه وغبطته وسروره، وأخر يتمنى انتهاء يومه ليتخلص من همومه وشروره، أيام تمر على أصحابها كالأعوام، وأعوام تمر على أصحابها كالأيام .

ولنا في مرور الأعوام عبرة! .

 

إن تعاقب الشهور والأعوام على العبد، قد يكون نعمة له أو نقمة عليه، فطول العمر ليس نعمة بحد ذاته، فإذا طال عمر العبد ولم يعمره بالخير فإنما هو يستكثر من حجج الله تعالى عليه.

ولنا في مرور الأعوام عبرة! .

 

مضى عام، وهكذا تمر الأيام تسحب وراءها الشهور تجر خلفها السنين ويمر جيل بعد جيل .

ولنا في مرور الأعوام عبرة! .

 

!!!مضى عام ، والمتأمل المتبصر يعلم أنه قد نقص من عمره عام، ماذا؟!!!
نعم نقص من عمره عام، فقد يظن البعض أن عمره زاد عاماً فالعام الماضي كنت أبلغ تسعاً وثلاثين سنة، وهذا العام قد بلغت الأربعين فزاد عمري، نقول: لا، بل نقص عمرك؛ لأنه قد علم أن أجل الإنسان محدد قبل أن ينزل إلى هذه الدنيا، كما في الحديث  "يجمع خلق أحدكم في بطن أمه...." وفيه "فيؤمر الملك بكتب أربع كلمات ومنها أجله" (رواه البخاري ومسلم)

 إذاً فأجل الإنسان معلوم ومحدد، فالذي ينظر بعين البصيرة يعلم أن عمره قد نقص كلما مر عليه عام .

ولنا في مرور الأعوام عبرة! .

 

وبناءاً على ذلك فينبغي للمسلم الذى يرجوا الله واليوم الآخر أن يتوقف مع نفسه وقفة لله عز وجل، يحاسبها على ما مضى وينظر فيما هو آتٍ، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر18].

وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه:  حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واستعدوا للعرض الأكبر {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة 18].

 

وإذا كان الأمر كذلك فأذكر نفسي وإياكم بحديث عظيم من أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم - وكل أحاديثه عظيمة -.

 

 فعن ابن عباس رضى الله عنه قال: قال سول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزولا قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وماذا عمل فيما علم" (رواه الترمذى وقال : حديث حسن صحيح وصححه الألباني ) .

 

 فالعبد سيُسأل عن كل شيء قال تعالى{وَقِفُوَهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} [الصافات 24]، وقال عز وجل{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر 92،93]، وقال عز وجل: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف 6]، وقال عز وجل: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء 36].

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: من علم أنه لله وأنه إليه راجع فليعلم بأنه موقوف، ومن علم أنه موقوف فليعلم بأنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول فليُعِدَّ للسؤال جواباً .

 

نعم سيُسأل العبد عن كل شيء، فقد سُطِّرت أعماله وأقواله وحركاته وسكناته وجميع أفعاله في  كتابٍ {لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف49].

 

أولاً: "عن عمره فيما أفناه؟"

فالعمر هو رأس مال العبد الحقيقي، الذى ينبغي أن يحرص علي اغتنامه في طاعة الله عز وجل قبل فوات الأوان، وفي الحديث "اغتنم خمس قبل خمس ..... ومنها "وحياتك قبل موتك" (أخرجه الحاكم وصححه الألباني) وقال الله عز وجل : {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر 37].

يحكى أن جمال الدين القاسمي - رحمه الله - مر على أناس يجلسون على مقهى يلعبون ويمرحون ويضيعون أوقاتهم في المعاصي، فبكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: لو أعلم أن هؤلاء يبيعون أوقاتهم لاشتريتها منهم .

 

فيُسأل العبد عن عمره فيم أفناه ؟

 هل أفناه في الطاعة أم في المعصية ؟

هل أفناه فيما يقربه من ربه عز وجل أم فيما يباعده منه ؟

هل أفناه فيما ينفعه في الدنيا والأخرة أم فيما يضره ؟

هل أفناه في القِيل والقال أم أفناه في العمل والجد والاجتهاد فيما يرضي به خالقه ؟

وغيرها من الأسئلة الكثيرة، فإاذا كان الأمر كذلك فليُعِدَّ للسؤال جواباً .

 

ثانياً: " وعن شبابه فيما أبلاه؟"

وهذا كما يقال مِن ذكر الخاص بعد العام، فمرحلة الشباب هي إحدى مراحل العمر التي يمر بها الإنسان، ولكن لخطورتها وأهميتها يُسأل عنها العبد سؤالاً خاصاً.

 قيل: (من شبَّ على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه) فتكون المحصلة من شَبَّ على شيء بُعث عليه .

 

وربما ذكر مرحلة الشباب وتخصيصها بالسؤال بعد السؤال عن العمر لمعنىً مهم وهو أن الكثير قد يغتر بشبابه، ويظن أن الموت بعيد عنه، وأنه لابد وأن يستمتع بشبابه، فالعمر ما زال فيه بقية مما يجعله يُسوِّف التوبة والاستقامة، وما درى هؤلاء المساكين أن الموت إذا أتى لا يفرق بين كبير وصغير، ولا يفرق بين شاب وشيخ، ولا بين صحيح وسقيم .

هذا وقد بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ مِنَ الذين يُظِلُّهم الله في ظله يوم القيامة " شاب نشأ في طاعة الله " (والحديث متفق عليه).

 

فالعبد سيسأل عن شبابه فيما أبلاه ؟

هل أبلاه في الطاعة، أم في المعصية ؟

هل أبلاه في الإقبال على الله عز وجل، أم في التسويف ؟

هل أبلاه في اغتنام الأوقات والحرص على الاستفادة منها، أم في تضيعها فيما لا ينفع، بل فيما يباعده عن ربه عز وجل ؟

هل أبلاه في المساجد وحلق الذكر وتلاوة القرآن، أم أبلاه على المقاهي والتسكع في الشوارع ؟

هل أبلاه في مصاحبة الأخيار وأهل الاستقامة، أم أبلاه في مصاحبة الفجار وأهل المعاصي ؟

وغير ذلك من الأسئلة الكثيرة، أيضاً التي لابد أن يعد لها جواباً .

 

ثالثاً ورابعاً:  " وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟"

فالمال سلاح ذو حدين له في الخير مجال طويل، وله في الشر ذيل كبير، فينبغي على العبد أن يتحرى الحلال في مكسبه، وكذا في نفقته، وعليه أيضاً أن يبتعدَ ويَفِرَّ مما فيه شبهة، فقد قال صلى الله عليه وسلم : "الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن وبينهما أمور متشابهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" (رواه البخاري ومسلم) وفي   الحديث " إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يمد يده إلى السماء يقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذى بالحرام فأنَّى يستجاب لذلك؟ " (رواه مسلم) أي فكيف يستجاب لذلك .

 

 وكان الصحابة يتركون تسعة أعشار الحلال خشية الوقوع في الحرام .

والآن الكثير مع الأسف الشديد يقع في الكثير من الحرام لعله أن يكون حلالاً!!!

 

 وتهاونَ كثير من الناس في المعاملات المحرمة كالتعامل بالربا في البنوك، وبيع العِينَة والغش وإخفاء العيوب في السلع، والرشوة، وتطفيف الميزان، وغير ذلك.
ثم ينفق كسبه في ما حرَّم الله من خلال شراء ما يغضب الله عز وجل من المخدرات أو الدخان أو الأغاني الماجنة، أو الإنفاق في السهرات الحمراء ولا حول ولا قوة إلا بالله .

 

فالعبد لابد وأن يستشعر أنه سيسأل عن ماله هذان السؤالان العظيمان: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟

هل كسبه من الحلال، أم من الحرام؟

هل اكتسبه من الأعمال المباحة، أم مما فيه شبهة أو محرم؟

وفيما أنفقه هل أنفقه فيما يرضي ربه عز وجل، أو فيما يغضبه؟

                  فليعد للسؤال جواباً .

 

خامساً: " وماذا عمل فيما علم؟"

 إذا كان على العبد أن يتعلم أمور دينه وما تصح به عقيدته وعبادته لقوله تعالى : {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر 9]، وقوله عز وجل : {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}  [طه 114] ولقوله صلى الله عليه وسلم : "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (صححه الألباني)، فالأولى من ذلك أن يعمل بما تَعَلَّمه.
وإلا فكما قيل: علم بلا عمل كشجرة بلا ثمر، أى لا فائدة منه .

وقيل أيضاً: يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل .

وقال بعض السلف: لا يزال الرجل جاهلاً بما علم حتي يعمل به، فإذا عمل به فهو عالم .

 

وانظر إلى هدى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قالوا: كنا لا نتجاوز العشر آيات من القرآن حتي نعمل بها - أى لا يحفظون الآيات التي تليها حتي يتعلموها ويعملوا بما فيها من أحكام – قالوا : فحفظنا القرآن قولاً وعملاً .

والعلم حُجَّةٌ على صاحبه إن لم يعمل به .

 

ومما انتشر في هذه الأيام أنك حينما تُذِّكر واحداً أو تنصحه فيقول: أنا أعلم وأعرِف ذلك، ثم لا يفعل بالنصيحة، فنقول له: إذا كنت تعلم ولم تعمل بما علمت فسيكون ذلك وبالاً عليك يوم القيامة، فسوف تسأل: ماذا عملت فيما علمت؟ 

فأعدَّ للسؤال جواباً .

 

وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، ونَفَعَنا بأعمارنا وشبابنا وأموالنا وعلمنا، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .

 وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

 

  1. ماشاء الله يا شيخ سيد .. بارك الله فيك ونفع بك

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع