المقالات

” العقيدة ومعالجة الخلل التربوي والاجتماعي في المجتمعات الإسلامية ”

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله وحده والصلاة على من لانبي بعده , وبعد .

 فإن أهمية العقيدة تنبع من مصدرها, ومن الآثار التي تحدثها في السلوك .

فهي أساس دعوة الرسل قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ }

 وقال عز وجل : { قل إن صلاتي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } [ الأنعام 162,163 ]

 

ولا يقبل عمل إلاعلى أساس الإيمان كما قال سبحانه : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَة }

 

فكثير من الأحكام الشرعية جاءت مقترنة بالإيمان والتذكير بالجنة والنار لحمل المسلم على الالتزام بما أمر الله,

فبعد ذكره لأحكام الفرائض قال عز وجل : { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13)وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) } [ النساء ] .

 

-وفي تحريم الربا قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ البقرة ] .

 

- وفي آيات الطلاق قال تعالى: { ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } [ الطلاق ] .

 

وفي الحديث عن عدة الطلاق قال تعالى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } [البقرة228] , وفي إقامة حد الزنا قال تعالى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } [ النور2 ] .

 

-وفي السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزل قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } [ النساء10 ] انطلق ممن كان عنده يتيم فعزل طعامه وشرابه من طعامه وشرابه , فجعل يفضل الشيء من طعامه وشرابه , فيحبس له حتي يأكله أو يفسد , فاشتد ذلك عليهم , فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ البقرة ] .

 

وقال تعالى: { لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ* إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } [ التوبة44,45 ] .

 

فأى سلطان يمكن أن يراقب الناس في خلوتهم غير سلطان العقيدة ؟

 وما الذى يمكن أن يفرض على الناس الالتزام الطوعي بالسلوك القويم غير الطمع في الجنة والنجاة من النار؟

 

سلطان العقيدة على النفوس أقوى من سلطان القانون

لم تفلح العقوبة وحدها في القضاء على الظلم والفساد , والواقع المعاصر خير شاهد , ومن هنا قامت دعوة الإسلام على تأصيل الإيمان في النفوس لتجعل من الإنسان رقيباً على أعماله لأن الله الذى يؤمن به مطلع علي خبايا النفوس قال تعالى: { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } .

 

 قال الشيخ نديم الجسر : إن انقياد الإنسان لمكارم الأخلاق إنما يكون:

بالقانون (العقوبة الدنيوية) .

بوازع من القرآن .

برادع من المجتمع .

 

سلطان الإيمان يردع المؤمنين وسلطان الحاكم يردع المجرمين فإذا كان الإنسان بنجوة من سلطان القانون والمجتمع , لم يبق إلا وازع الله تعالى واليوم الأخر , إن العقيدة نابعة من داخل الإنسان وممتزجة بضميره , وارتضاها باختياره , بينما القانون مفروض عليه من خارجه , فإن تيسر له الإفلات منه لا يتردد .

 

ظهرت آثار الإيمان في سلوك الصحابة , فكان مدرسة خلقية , وتربية نفسية تملي على صاحبها الفضائل , وكان أقوى وازع عرفه تاريخ الأخلاق عن الزلات والسقطات , وكان من سقط سقطة حين لا تراقبه عين , ولا تتناوله يد القانون تحركت النفس اللوامة , ووخز الضمير اللاذع  فلا يرتاح صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة , ويتحملها مطمئناً مرتاحاً تفادياً من سخط الله وعقوبة الآخرة .

 

 إن الخوف من الله هو الخوف اللائق بكرامة الإنسان , أما الخوف من السيف والسوط لا يحتاج إليه إلا النفوس الهابطة .

 

 إن رقابة القانون مؤقتة ضعيفة , فهى لا تملك أن تراقب الإنسان كل الوقت , فإذا أفلت منها هان عليه أن يفعل كل ما كان يحذر من قبل , وهي رقابة على الظواهر دون البواطن , ويمكن التحايل عليها بمختلف الوسائل .

 

وتقوى الله هي التي تصاحب الضمير في السر والعلن , وتكف عن الشر حين لا يراها الناس , ولا تتناولها يد القانون , ولا صلاح لنفس ولا صلاح لمجتمع يقوم على القانون وحده , بلا رقابة غيبية وبلا سلطة إلهية .

 

أمثلة على سلطان العقيدة على النفس:-

1)    قال أسلم: بينما أنا مع عمر بن الخطاب –رضى الله عنه- وهو يعس بالمدينة , إذا أعيا فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل , فإذا بامرأة تقول لابنتها : يا بنتاه قومي إلى ذلك اللبن فأمذقيه بالماء, فقالت لها : يا أمتاه أو ما علمت ما كان عزمة أمير المؤمنين اليوم ؟ قالت : وما كان عزمته يابنية ؟ قالت : إنه أمر منادياً فنادى : ألا يشاب اللبن بالماء , فقالت لها : يا بنتاه قومي إلى اللبن فأمذقيه بالماء فإنك بموضع لا يراك عمر , ولا منادي عمر , فقالت الصبية لأمها : يا أمتاه والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلا , وعمر يسمع كل ذلك .

 

  فماذا كانت مكافأة عمر لهذا القلب اليقظ من البنت ؟ لقد خطبها عمر لابنه عاصم فولدت بنتاً فكانت جدة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله- .


2)قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار , فانحدرت عليهم صخرة , فسدت عليهم باب الغار , فتوسلوا إلى الله بأرجى أعمالهم , وكان رجل من بينهم له بنت عم , وكانت أحب الناس إليه , فراودها يوماً عن نفسها فأبت , فقيل له : لاتنال ذلك منها إلا بالمال , فألجأتها الحاجة يوماً إلى طلب المال من ابن عمها , فأعطاها مائة دينار على أن تمكنه من نفسها , فوافقت مضطرة حتي إذا قعد بين رجليها قالت له : اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه, فقام عنها وتركها, ولم يفعل شيئاً [ رواه البخاري] , فما الذى منع الرجل في وقت استحكمت فيه الشهوة أن يقدم على ارتكاب ما حرم الله ؟ إنه الخوف من الله , إنه ليس سلطان القانون أو أحد من الناس إنه سلطان العقيدة .

 

3)يقول أنس بن مالك –رضى الله عنه- : بينما أنا أدير الكأس على أبى طلحة وأبى عبيدة بن الجراح وأبى دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء , بخليط بسر وتمر (خمر) حتي مالت رؤوسهن , إذ سمعت منادياً ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت , قال: فما دخل علينا داخل , ولا خرج منا خارج حتي أهرقنا الشراب وكسرنا القلال , وتوضأ بعضنا , واغتسل بعضنا , وأصبنا من طيب أم سليم , ثم خرجنا إلى المسجد [تفسير ابن كثير] .

 

وفي سنة 1919 منعت الحكومة الأمريكية الخمر , واستعملت كل الوسائل لبيان أضرارها , وأنفقت على ذلك ما يزيد عن ستين مليون دولار , وتحملت 250مليون في مدة 14 سنة , وأعدم نحو 300 شخص , وصادرت 400 مليوناً للردع عن التعاطي الخمر وعناداً في تعاطيها , حتي اضطرت الحكومة الأمريكية سنة1933 إلى سحب القانون وإباحة الخمر .

 

4)يوضح ذلك ما ذكرته أم المؤمنين عائشة –رضى الله عنها-  : لقد نزل أول ما نزل سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار , حتي إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام .

 

5)وعن عبد الله بن دينار قال : خرجت مع ابن عمر وفي رواية مع عمر إلى مكة فعرسنا في الطريق فانحدر علينا راعي غنم مع غنمه فقال له عمر : أعطنا شاة , فقال له الراعي : ليست ملكي ولكنها ملك سيدى , قال له عمر مختبراً : أعطنا شاة بالثمن وإذا سألك سيدك فقل له أكلها الذئب , فقال الراعي : وأين الله يا سيدى ؟ فبكى ابن عمر وقال : وأين الله ؟

 

6)وعند سعيد بن جبير: كان عمر ذات ليلة يَعِسُّ إذ مر على امرأة على سطح وهي تقول :

 

تطاول هذا الليل واخضل جانبه          وراقنــــي ألَّا خليـــــل ألاعبـه

فـــــوالله لــولا الله لا رب غيـــره           لحرك من هذا السرير جوانبـه

مخـــافة ربي والحيـاء يصونني           وإكــرام بعلـي أن تنـال مراكبه

 

فرجع عمر إلى حفصة فسألها كم تصبر المرأة عن زوجها فقالت : أربعة أشهر , فاذن لايدع الجنود هذه المدة .

 

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت              ولــــــــكن قـل عليً رقيب

ولا تحســـــــــــبن الله يغفـل ســــــــاعة             ولا أن ما تخفيه عنه يغيب

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع