المقالات

إبطال التثليث بنصوص التوراة والأنجيل والقرآن

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين و على آله و صحبه أجمعين ، و بعد .

 

 لمّا كان التثليث في الألوهية قولاً متعارضاً مع عقيدة التوحيد التي قالت بها جميع الأديان السماوية - وفي الحقيقة هو دين واحد - و نطق بها الرسل و الأنبياء ، كان لزاماً علينا أن نبطل هذا التثليث جملة و تفصيلاً .

 

و بدايةً أقول : إن الكتب السماوية الثلاثة التوراة و الإنجيل و القرآن هي الكتب السماوية الكبرى ، فإذا كان مصدر هذه الكتب الثلاثة واحد و هو الله تعالى ، و إذا كان الرسل الذين نزلت عليهم هذه الكتب قد التزموا بالتوحيد و الدعوة إليه ، و إذا كان القرآن الكريم الذي جاء مصدقاً بالتوراة و الإنجيل و مهيمناً عليهما قد ندد بالشرك و دعا إلى التوحيد لأنه وحيٌ إلهيٌ نزل من رب العاملين ، وذلك لا يخرج عن عقيدة التوحيد .

 

و أما ما نقرؤه في إنجيل اليوم من ألفاظ تدل على الشرك والوثنية والتثليث فالأديان الحقة مبرأة منها لأن الله لا يغفر أن يشرك به فكيف يأتي في وحيه بألفاظ فيها وثنية ، وشرك ؟! حاشا لله أن يكون هكذا .

 

 و نبدأ بأقوال التوراة ، و النصارى أنفسهم يعترفون بالتوراة و يقدسونها و يرون أنها وحيٌ إلهيٌ واجبٌ عليهم اتباعه و العمل به ، لأن عيسى عليه السلام قال : ( لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض بل لأكمل ) إنجيل متى ( 5 : 17) .

 

1)   نصوص التوراة :-

 جاء في سفر الخروج ، الإصحاح (20) ( أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من دار العبودية لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي و لا تصنع لك منحوتاً ، و لا صورة شيء مما في السماء من فوق، و لا مما في الأرض من أسفل ، و لا مما في المياه من تحت الأرض ، لا تسجد لهن و لا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك إلهٌ غيور ) .

 

 إنه لنص صريح في نفي الشرك عن الله تعالى  و إثبات الوحدانية له ، فلا إله من السماء يكون مع الله ، و لا إله من الأرض يكون شريكاً لله ، و لا إله من المياه يكون معبوداً من دون الله ، فإذا ما جاء النصارى المثلّثون بعد ذلك ليقولون أن عيسى إلهٌ لأنه نزل من السماء أو لأنه يجلس عن يمين الله فدعواهم هذه باطلة لأن التوراة التي يؤمنون بها تنفي الشريك مع الله و تثبت له الوحدانية أيضاً ,

جاء في سفر الخروج ( احفظ ما أنا آمرك به اليوم . . . لا تسجد لإله آخر .  .  . آلهة مسبوكة ، لا تصنع لنفسك ) الإصحاح (34)

 ( و في سفر اشعيا ( الإصحاح (44)) ( أنا الأول و أنا الآخر و لا إله غيري .

 

 هذا النص ناقضٌ لمّا وضعه النصارى في أمانتهم فعيسى الذي قالوا أنه مولود من الأب قبل كل الدهور ينقضه ما في هذا النص من أن الله هو الأول وهو الآخر، وهو صانع الكل بما في ذلك عيسى عليه السلام  .

ونختتم هذه النصوص بقول سفر أشعيا ( الإصحاح 45)

 

( أنا الرب وليس آخر ، ليس من دوني إله .  .  . أنا الرب وليس آخر ، أنا مبدع النور ، وخالق الظلمة ، ومجري السلام . . . أنا صنعت الأرض وخلقت البشر عليها ) .

 

فهكذا رأينا في التوراة نصوصاً تثبت الوحدانية لله تعالى .

 

2)   نصوص الإنجيل :-

وردت بالأناجيل نصوص كثيرة تثبت وحدانية الله تعالى ، وتنفي عنه الشرك بكافة أنواعه ، وحينئذ لا مجال لوجود التثليث لأنه لا يكون الشيء واحداً وثالوثاً في وقت واحد .

 

1-  جاء في إنجيل يوحنا على لسان عيسى ( وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ) يوحنا (3:17) .

 

 فهذا النص قد اشتمل على ثلاث كلمات كلها تثبت الوحدانية لله تعالى وتنفي عنه الشرك والتثليث .

 

أولها : ( أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي ) فعيسى هنا يعرف الناس بالطريق الصحيح لتحصيل الحياة الأبدية ألا وهو معرفتهم بأن الله وحده هو الذي يستحق الإلوهية دون غيره من المخلوقات ،

فقول مجمع نيقيه عن عيسى إنه إلهٌ حقٌ ، من إلهٍ حقٍ ، هو قول مخالف لمّا جاء به عيسى نفسه من أن الحياة الأبدية هي في معرفتهم بوحدانية الله و إيمانهم بها .

 

ثانيها : قوله عليه السلام ( وحدك ) يخرج بهذه الكلمة نفسه من أن يكون مشاركاً لله .

 

ثالثاً : قوله عليه السلام ( يسوع المسيح الذي أرسلته ) اعتراف منه عليه السلام بأنه مرسل من الإله الحقيقي الواحد في هذه الإلوهية .

 

2-   إنجيل مرقس ( 34-28 :12) :

 

(فجاء واحدٌ من الكتبة و سمعهم يتحاورون ، فلمّا رأى أنه أجابهم حسناً سأله : أية وصية هي أول الكل ؟ فأجابه يسوع : إن أول كل الوصايا هي : اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا واحد ، و تحب الرب إلهك من كل قلبك ، و من كل نفسك و من كل فكرك و من كل قدرتك ، و هذه هي الوصية الأولى ، و ثانية مثلها هي أن تحب قريبك كنفسك ليس وصية أخرى أعظم من هاتين ) فقال له الكاتب : جيداً يا معلم بالحق قلت : لأنه الله واحد و ليس آخر سواه و محبته من كل القلب و من كل الفهم و من كل النفس و من كل القدرة ، و محبة القريب كالنفس هي أفضل من جميع المُحرقات و الذبائح ، فلمّا رآه يسوع أنه أجاب بعقل قال له :( لست بعيداً عن ملكوت الله ) .

 

هذا نصٌ امتلأ بإثباتات كثيرة للوحدانية ، و نفي أكيد للشرك و التثليث فكون عيسى يوصي بهذا القول يكون مؤمناً بوحدانية الله ما هو الحق ، بريئاً من القول بالشرك و التثليث ، و هل يعقل أن يوصي عيسى بالوحدانية ثم ينسب إلى نفسه الألوهية بعد ذلك فيكون مخالفاً لأمر الله .

 

و في قول الكاتب لعيسى ( جيداً يا معلم بالحق قلت ) شهادة تبرئ عيسى من دعوى الألوهية ،  إذ لو كان إلهاً لكان قد قال هذا الكاتب : جيداً يا إلهي أو يا رب أو يا ابن الله ، ثم هل يحتاج الإله لمن يشهد له بالإجادة و القول الحق ؟

 

3)   و في انجيل مرقس ( 32:13)

 ( يقول عيسى عليه السلام : ( و أما ذلك اليوم و تلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ، و لا الملائكة الذين في السماء ، و لا الابن إلا الأب ) قال رحمة الله الهندي : هذا القول ينادي على بطلان التثليث لأن المسيح عليه السلام خصص علم القيامة بالله ، و نفاه عن نفسه كما نفاه عن عباد الله الآخرين و سوّى بينه و بينهم في هذا ، و لا يمكن هذا في صورة كونه إلهاً ولا يعقل أن يكون عيسى إلهاً من إلهٍ و لا يعلم بيوم القيامة كما علمه الآله الحق أهـــ .

 

4)   و في إنجيل يوحنا ( 14 : 28 )

 

 يقول فيه ( أمضي إلى الأب لأن أبي أعظم مني ) فهذا النص رد واضح على دعوى مساواة عيسى عليه السلام للإله الحق في ألوهيته .

 

إن القول بالتثليث إفتراء إدَّعاه قوم ليسوا على ملته و إن كانوا ينتسبون إلى رسالته وهو منهم براء والنصرانية الحق بريئة مِن دعواهم الكاذبة .

 

 وأما ما جاء في الإنجيل من تداول كلمة ( ابن ) و ( آب ) فهي بنوة مجازية تعني العبد الصالح (1) ، دون أن تعطيه شيئاً من الخصوصية في خلقه ، أو نسبته إلى الله عز و جلّ .

 

ولهذا يقول يوحنا : ( انظروا أية نصيحة أعطانا الآب حتى ندعي أبناء الله ) الرسالة الأولى ( 3 / 1 ) ،و في متى (5-8،9) ( طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله ، طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون )

 

وفي انجيل يوحنا (20-17،18) ( إني أصعد إلى أبي و أبيكم ، و إلهي و إلهكم ) ففي نص واحد جمع لهم بين اشتراكهم معه في أبوة الله لهم ، و اشتراكهم معه في ألوهية الله للجميع ، فليقولوا إن شاءوا : إن الجميع أبناء الله و أحباؤه كما حكى الله عن أسلافهم و حينئذ فلا خصوصية للمسيح حتى يعبدوه من دون الله تعالى .

 

 وفي سفر الخروج (4 / 22 ) ( تقول لفرعون : هكذا يقول الرب ، إسرائيل ابني البكر ) .

 

 وفي سفر الخروج (28 / 6 ) ( و قال لي إن سليمان ابنك يبني لي بيتي و دياري ، لأني اخترته لي ابنا ، و أنا أكون له أباً ) .

 

وفي انجيل لوقا ( 3 / 23 – 38 ) ( و كان يسوع في نحو الثلاثين من العمر عندما بدأ رسالته ، و كان الناس يحسبونه ابن يوسف ، ابن هالى .......... بن شيث ابن آدم إبن الله ) فهل كان آدم و إسرائيل و سليمان بنين آخرين لله ، قبل المسيح عليه السلام تعالى الله عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً .

 

3-   نصوص القرآن :-

 قال تعالى : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } [ النساء171 ] .

 

 يقول الفخر الرازي :

 واعلم أن مذهب النصارى مجهول جداً، و الذي يتحصل منه أنهم أثبتوا ذاتاً موصوفاً بصفات ثلاثة ، إلا أنهم و إن سمّوها صفات فهي في الحقيقة ذوات متعددة قائمة بأنفسها ،وذلك محض الكفر ،

فلهذا المعنى قال تعالى : { وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةً انتَهُوا }

و قال تعالى :{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ المائدة 73 ] .

 

و هاتان الآيتان تشملان جميع طوائف التثليث ، كما تشملان جميع مذاهبهم ، فسواء قالوا بتثليث الأقانيم أو قالوا بالاتحاد و الحلول ، فكل آية تشمل هذا كله.

 

جاء في دائرة المعارف الأمريكية :

 

( لقد بدأت عقيدة التوحيد – كحركة لاهوتية – بداية مبكرة جداً في التاريخ ، و في حقيقة الأمر فإنها تسبق عقيدة التثليث بالكثير من عشرات السنين ، لقد اشتُقَّت المسيحية من اليهودية ، واليهودية صارمة في عقيدة التوحيد ) .

 

إن الطريق الذي سار من أورشليم ( مجمع تلاميذ المسيح الأول ) إلى نيقيه ( حيث تقرر مساواة المسيح بالله في الجوهر والأزلية عام 325 م ) كان من النادر القول   بأنه كان طريقاً مستقيماً .

 

إن عقيدة التثليث التي أقرت في القرن الرابع الميلادي لم تعكس بدقة التعليم المسيحي الأول فيما يختص بطبيعة الله ، لقد كانت على العكس من ذلك انحرافاً عن هذا التعلم ، و لهذا` فإنها تطورت ضد التوحيد الخالص ، أو على الأقل يمكن القول بأنها كانت معارضة لما هو ضد التثليث ، كما أن انتصارها لم يكن كاملاً ) (27/294) .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال الشهرستاني : أن قول عيسى ( أبي و أبيكم ) هو من مجاز اللغة كما يقال لطلاب الدنيا أبناء الدنيا ، و لطلاب الآخرة أبناء الآخرة و قال ابن تيمية : المراد بذلك أنه الرب المربي الرحيم ، و الإبن هو المربي المرحوم فإن تربية الله لعبده أكمل من تربية الوالد لولده فيكون المراد بالأب الرب و المراد بالأبن العبد الذي أرسله .

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع