المقالات

المنهج التربوي في هدى النبي صلى الله عليه وسلم

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه ، وبعد .

 

فقد كان من نتاج تربية النبي صلى الله عليه وسلم قيادات فذة - من خلفاء وعلماء ، ومصلحين ، ومربين - قادوا أمة عظيمة سادت مشارق الأرض ومغاربها ، بدينها ، وأخلاقها ، وعلومها ، وجهادها .

 

 مكث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى الله ويربي المؤمنين  ، وعلى الرغم مما يبدو أن الإسلام لم يُكتَب له الظهور في هذه المرحلة التي انتهت بالهجرة إلى المدينة ، فإن الواقع يثبت أنها حققت أعظم نصر للإسلام .

 

ملامح وأسلوب هذا المنهج :-

 

تعويدهم على منهج السؤال وأدبه1- 

 

قال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } وقال : { لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } .

أولا  توخي السؤال النافع .

 يقول صلى الله عليه وسلم : " ألا سألوا إذ لم يعلموا ؟ فإنما شفاء العي ( الجهل ) السؤال " رواه أبو داوود .

وقال : " لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك ، لما رأيت من حرصك على الحديث " رواه البخاري .

 

ثانياً  البعد عما لا فائدة في السؤال عنه

يقول صلى الله عليه وسلم : " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم من أجل مسألته " البخاري .

ويقول : " إن الله كره لكم ثلاثاً : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال " رواه البخاري ويقول : " دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " .

 وكان صلى الله عليه وسلم لا يقتصر في إجابته على موضع السؤال ، بل يزيدهم حُكماً آخر ، سأله رجل : إنا نركب البحر ، ومعنا القليل من الماء ، فإذا توضأنا به عطشنا ، أنتوضأ بماء البحر ؟ قال : " هو الطهور ماؤه ، والحل ميتته " الترمذي .

 

2)   غرس أصالة المنهج والنهي عن التقليد والبدع

 

فقد غرس صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه التمسك بكتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم ، وحذرهم من التفريط بهما ، قال صلى الله عليه وسلم : " إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً : كتاب الله ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم " رواه أحمد .

 

و قال : " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم من حرام فحرموه ، وإنّ ما حَرَّم رسول الله كما حرم الله " .

 

وعن جابر أن عمر رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقال : يا رسول الله ، إني أصبت كتاباً حسنا ، من بعض أهل الكتاب قال : فغضب وقال : " أَمُتَهَوِّكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ، لقد جئتكم بها بيضاء نَقِيَّة ، لا تسألوهم عن شيء فيحدثوكم بحق فتكذبونه ، أو بباطل فتصدقونه ، والذي نفسي بيده  لو أن موسى كان حَيَّاً ما وسعه إلا أن يتبعني " رواه أحمد .

 

و قال : " فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عَضُّوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " الترمذي .

 

3)  التربية على منهج كيفية التعامل مع النصوص

 

خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ، وهم يتمارون في القدر ، هذا ينزع آية وهذا ينزع آية ، فغضب حتى كأنما فُقِئَ في وجهه حب الرمان من الغضب وقال : " ألهذا خُلقتم ، أم بهذا أُمرتم ؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا , انظروا الذي أُمرتم به فأعملوا ، والذي نُهيتم عنه فانتهوا " رواه أحمد .

 

وتمثلت هذه التربية واضحة في أصحابه ، فهذا عبد الله ابن عباس – حبر الأمة – يقول :  يوشك أن تسقط عليكم حجارة من السماء ، أقول لكم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وقال عمر .

 

4)   تدريبهم على معرفة العلة و مناط الحكم

 

فلما سئل صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر ، قال : " أينقص الرطب إذا يبس ؟ قالوا : نعم قال : " فلا إذن " .

 وحين نهاهم عن بيع الثمر قبل بدو صلاحها ، قال لهم : " أرأيتك إن منع الله الثمرة بما تستحل مال أخيك " رواه مسلم , فلم يقتصر على الحكم حتى بيّن لهم علة الحكم .

 

5)   تعويدهم على التفكير وحل المسائل

 

سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم  أصحابه يوماً : " إنّ من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ، وإنها مثل المسلم حدثوني ما هي ؟ قال ابن عمر : وقع الناس في شجر البوادي ، ووقع نفسي أنها النخلة فجعلت أريد أن أقولها ، فإذا أسنان القوم ، فأهاب أن أتكلم ، ثم قالوا : حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ قال : " هي النخلة " البخاري .

 وعن رفاعة بن رافع قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه و سلم   قال : ما تعدون أهل بدر فيكم ؟ قال : " من أفضل المسلمين " ، قال :  وكذلك من شهد بدراً من الملائكة ، رواه البخاري .

 وجاء في الحديث " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ؟ " رواه مسلم ، " أتدرون ما الكوثر " ؟ فقلنا الله و رسوله أعلم ، رواه مسلم .

 

 فوائد طرح السؤال :-

 

1) إثارة انتباه المستمع نحو الإجابة فلا تنشغل الحواس بشيء آخر .

2) إثارة التسابق والمنافسة في اكتساب المعلومات .

3) يكسب المعلومة قوة .

4) يحقق الأهداف التربوية الثلاثة  ( المعرفي ، والوجداني ، والنفسي ) . 

 

 وفي مجال التودد إلى النفوس ، تجد خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حيث أخذ بيده وقال له : " والله إني لأحبك " ثم قال : " لا تدع في دبر كل صلاة  أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " رواه أبو داوود .

 

6)   تعويدهم الحرص على الوقت

 

1-  عن ابن عمر قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بمنكبي وقال : " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " ، وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك  رواه البخاري .

 

2-  وقوله صلى الله عليه و سلم : " من كانت عنده مظلمة لأحد من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم ، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم " البخاري .

 

7)   الحث على القيام بواجب تبليغ العلم

 

1-    فعن أبي هريرة مرفوعاً  : " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار " رواه أبو داوود .

 و قال : " بلغوا عني ولو آية " رواه البخاري .

 و قال : " نَضَّرَ الله أمرءًا سمع مقالتي فوعاها ، فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع " رواه الترمذي .

 

8)   تعليمهم الأدب في كل شيء

 

قيل لسلمان الفارسي : علمكم نبيكم كل شيء حتى قضاء الحاجة ، قال : أجل ، نهانا أن نستنجي باليمين ، أو أن نستقبل القبلة ببول أو غائط ، أو أن نستنجي بعظم أو روث .

 وقال صلى الله عليه وسلم : " نظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود " .

وقال : " اتقوا اللاعنين " ، قالوا : وما اللاعنان ؟ قال : " الذي يَتَخَلَّى في طرق الناس أو ظلهم " رواه مسلم .

 

9)   تهذيب حديثهم وإبعادهم عن الغيبة

 

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة : " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " رواه أبو داوود .

وقال لأبي ذر عندما عَيّر بلالاً بأمه : " إنك امرؤ فيك جاهلية " .

   

أسلوب تربوي فريد لا يدع فرصة إلا واستغلها في صالح الفرد والمجتمع .

 

10) الإرشاد بدلاً من التعنيف

 

قال أبو هريرة : بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء ، أو ذنوباً من ماء ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين " رواه البخاري .

 

 

11) تعميق الإحساس والشعور نحو الخطأ

 

وهو أسلوب تربوي عظيم يترك للمتعلم التفكير في عمله ، والشعور بخطئه ، بوقفة طويلة ، بصمت عميق ، بنظرة حادة ، بعبوس معبر ، وهذا يجعل المتعلم أكثر فطنة ، فينطلق للبحث عن خطئه ، فيبتعد عنه ، وهذا ما تنشده التربية اليوم .

 

عن عائشة قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر ، وقد سترت سهوة - طاقة نافذ في الحائط - بقرام ( الستر ) فيه تماثيل ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلون وجهه وقال : " يا عائشة أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله "، قالت : فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين ، متفق عليه .

 

 

12) توكيد ما يحتاج إلى تأكيده ، بأساليب متنوعة

 

فقد حلف صلى الله عليه وسلم على مسائل كثيرة مثل " و الله لا يؤمن .... " و يكررها مرات   ، " والذي نفسي بيده " ، " وأيم الله .... " ، " والذي لا إله إلا هو ... " .

 وكان يكرر ما يريد تأكيده " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ " قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : " الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين  ، وكان متكئاً فجلس ، قال : " ألا وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت " رواه البخاري .

 

13) ترغيب أصحابه بالعلم وتحذيرهم من الإعراض عنه

 

 جاء نفر – وهو جالس مع أصحابه – فجلس أحدهم خلف الحلقة ، والثاني وجد فرجة فجلس فيها ، وأما الثالث فأعرض فقال صلى الله عليه و سلم : " أما الأول فأوى فآواه الله ، وأما الثاني  فاستحيا ، فاستحيا الله منه ، وأما الثالث  فأعرض ، فأعرض الله عنه " رواه البخاري .

 

14) تشجيع الطالب والثناء عليه  

 

 سأله أبو هريرة يوماً : من أسعد الناس بشفاعتك ؟ فقال صلى الله عليه و سلم :  " لقد ظننت أن لا يسألني أحد عن هذا الحديث أول منك " رواه البخاري .

 وحين سأل أُبَيُّ ابن كعب : " أبا المنذر ، أيُّ آية في كتاب الله أعظم ؟ قال أُبَيُّ : آية الكرسي ، فقال له : ليهنك العلم أبا المنذر " رواه مسلم .

 وقال له : " إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ، قال أُبَيٌّ : الله سماني لك ؟ قال : نعم ، فجعل أُبَيٌّ يبكي ، رواه البخاري .

 

لا مجال للضعف ، ولا للملل للدخول إلى القلب بعد تلك المحادثة ، إنها جرعة منشطة لن ينتهي مفعولها أبداً .

 وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه : "  أرجو أن تكون منهم " أي من الذين يُدْعَوْنَ من جميع أبواب الجنة لدخولها .

 وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه : " ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا وسلك فجاً غير فجك " رواه البخاري .

 وقال للأنصار بعد قسمة غنائم حنين : " ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ لو سلك الناس شِعْبَاً وسلك الأنصار شِعْبَاً لسلكت شِعب الأنصار، ستلقون بعدي أَثَرَةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض , الأنصار شعار , والناس دثار ، اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار " رواه أحمد .

   

15) معرفة قدرات الأَتْبَاع ، والعلم بأحوالهم ، وتوجيههم بما يناسبهم

               

عن أنس مرفوعاً : " أرحم أمتي أبو بكر , وأشدها في دين الله عمر , وأصدقها حياءً عثمان , وأقضاهم علىّ بن أبى طالب , وأقرؤهم لكتاب الله أُبَىّ بن كعب , وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل , وأفرضهم زيد بن ثابت , ألا وإنّ لكل أمةٍ أميناً , وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح "  رواه ابن ماجة .

 

وقال صلى الله عليه و سلم يوم خيبر : " لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه " ... فدعا علياً فأعطاه إياها .

 

وقال صلى الله عليه و سلم : " من يأخذ مني هذا بحقه ؟ " - أي السيف - فقام أبو دجانه فقال : أنا آخذه بحقه ، ففلق به هام المشركين ، رواه مسلم .

 

وروى البخاري تعليقاً ، والترمذي عن زيد ابن ثابت : أن قومه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : هاهنا غلام من بني النجار ، حفظ بضعة عشرة سورة ، فاستقرأني فقرأت سورة (ق) فقال : " إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا عليّ أو ينقصوا ، فتعلم السريانية " ، فتعلمها في سبعة عشر يوماً  .

 

ولمّا رأى ذكاء عبد الله ابن عباس دعا له فقال : " اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل " رواه أحمد ، فكان حبر هذه الأمة .

- ولمّا طلب منه أبو ذر الإمارة ، ضرب على منكبيه ثم قال : " يا أبا ذر ، إنك ضعيف ، وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها " رواه مسلم ، هكذا يوجه صلى الله عليه و سلم أصحابه ، كُلَاً حسب قدرته .

 

16) استغلال المواقف في التعليم

     

قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ فإذا إمراة من السَّبْي وجدت صبياً فأخذته فألصقته ببطنها و أرضعته فقال : " أترون هذه طارحة ولدها في النار ، وهي تقدر ألا تطرحه ؟ " قالوا : لا ، قال : " الله أرحم بعباده من هذه بولدها " رواه البخاري .

 

17) استخدام الوسائل التعليمية

النبي صلى الله عليه وسلم لم يَألُ جهداً في استخدام الوسائل المتاحة للتوضيح والبيان ، فمثلاً يشير تارة بقوله : " أنا وكافل اليتيم كهاتين – وأشار بإصبعيه يعني السبابة والوسطى - "  رواه الترمذي .

 

 وقوله : " الفتنة هاهنا ، من حيث يطلع قرن الشيطان " وأشار بيده إلى المشرق .

 وقوله صلى الله عليه و سلم : " التقوى هاهنا "، ويشير إلى صدره ثلاث مرات .

 وقوله :" المؤمن للمؤمن كالبنيان " و يشبك بين أصابعه .

 

وتارة يستعمل الرسم للتوضيح ، فعن ابن مسعود قال :  خَطَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ، ثم قال هذا سبيل الله مستقيماً ، قال : ثم خط عن يمينه وشماله ، ثم قال : " هذه السُّبُل ، وليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعوا إليه ثم قرأ { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .

 

18)  مراعاة الفروق الفردية

 

ونعني به أنه صلى الله عليه وسلم كان يراعي احتياج الأفراد وقدراتهم ، ومستوى تفكيرهم .

 

 جاء رجلٌ فقال يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت ، فأخبرني بأمرٍ جامع أتشبث به ولا تُكْثِر عَلَيَّ فأنسى فقال له : " لا يزال لسانك رطباً بذكر الله " رواه الترمذي .

 

ويسأله آخر :  قل لي في الإسلام قولاً ، لا أسال عنه أحداً غيرك ، فقال : " قل أمنت بالله ثم استقم " رواه مسلم .

 

 بينما نراه يسترسل في الجواب ، إذا رأى رغبةً من السائل كما في حديث معاذ قال : قلت يا رسول الله ، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار ؟ قال : " لقد سألت عن عظيم ، وإنه ليسير على من يسره الله عليه ، تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جُنَّة ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ، وصلاة الرجل في جوف الليل قال : ثم تلا { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُوْنَ رَبَّهُمْ خَوْفَاً وَطَمَعَاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءَاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون } .

 

ثم قال : ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد ، ثم قال : ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت : بلى يا رسول الله . قال : فأخذ بلسانه ، وقال : كُفَّ عليك هذا ، فقلت يا نبي الله ، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال : ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم " رواه الترمذي .

                

19)  الاستعداد النفسي والفعلي لتلقي العلم

 

كان استعداد المتعلم جبريل عليه السلام استعداداً يدل على الصورة الحقيقية التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم وهي :-

1) لبس الثياب البيضاء

 

فاللون البيض لونٌ مرغوبٌ لدى الجميع ، يدل على الصفاء ، ويعكس على الناظر إليه الهدوء والطمأنينة النفسية .

 

2) تحري الوقت المناسب للتعليم

 

فجبريل لم يأت الرسول صلى الله عليه وسلم في وقت الظهيرة وقت القيلولة ، ولا في وقت الطعام أو عندما يكون بين أهله .

 

3) اقتراب المتعلم من المعلم

 

فقد حرص جبريل على الجلوس بقرب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا فيه شدة الانتباه واليقظة الفكرية وعدم تشتت العقل ، والاستماع الواضح ويقظة السمع والبصر .

 

4) هيئة الجلوس

 

للجلوس الصحي أثر في القدرة على الاستيعاب ، وهي صحية للبدن والفكر .

 

5) ترتيب أسئلة المتعلم ترتيباً علمياً

 

فجبريل عليه السلام أجاد في تنظيم وترتيب الأسئلة قال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ؟ فأخبرني عن الإيمان ؟ فأخبرني عن الإحسان ؟ فأخبرني عن الساعة ؟ فهو ترتيب ينتقل من الكل إلى الجزء .

 

6) التأني في طرح الأسئلة

 

إن طرح الأسئلة سؤالاً سؤالاً يعطي المعلم الفرصة الكافية للتفكير ، والإجابة عن السؤال على أكمل وجه .

 

7) حسن الاستماع لدى المتعلم

 

يجب على المتعلم أن يتحلى بحسن الإصغاء بعد أن يطرح سؤاله فلا يقاطع المعلم في أثناء إجابته ، وهذا ما وجدناه في المتعلم جبريل عندما طرح أسئلته .

 

8) قصر سؤال المتعلم

 

يجب أن يتعود المتعلم على طرح أسئلته مختصرة مفيدة ، وهذا يؤدي إلى استيعاب السؤال كاملاً ، والاستفادة من الوقت .

 

9) يجب على المتعلم أن يطرح أسئلة ذات فائدة

 

فقد طرح جبريل أسئلة جميعها ذات فائدة عظيمة .

 

10) مرحلة الشباب أسمى مرحلة للنضج الفكري للتعلم   

 

أخبر عمر رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام كان شديد سواد الشعر ، وهو يدل على الشباب والحيوية .

 ومرحلة الشباب تعتبر مرحلة النضج الفكري للإقبال على فهم العلم ، ويمتلك القدرة على الاستيعاب ، والتحليل والمناقشة .

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

    

 

 

 

                                                                                                                                                                                         

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 2+2=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع