المقالات

الإيمان بالقضاء والقدر ثمراته وفوائده

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبع هداهم إلى يوم الدين , أما بعد,,,

 

تعريف القضاء شرعاً :-

هو ما قضى به الله تعالى في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير .

والقدر في الشرع :-

هو ما قدَّره الله تعالى في الأزل أن يكون في خلقه بِنَاءً على علمه السابق بذلك .

الفرق بين القضاء والقدر :-

ذكر العلماء في التفريق بين القضاء والقدر :

أن القدر : هو تقدير لشيء قبل قضائه , والقضاء : هو الفراغ من الشيء .

قال ابن الأثير : فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الأخر , لأن أحدهما بمنزل الأساس وهو القدر , والآخر بمنزل البناء وهو القضاء , فمن رَامَ الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه .

والقضاء والقدر إذا اجتمعا في الذكر افترقا في المعنى , وإذا افترقا اجتمعا , كالفقير والمسكين , والإيمان والإسلام .

 

الأدلة على إثبات القدر :-

دل عليه الكتاب والسنة والإجماع , وهو ركن من أركان الإيمان , قال تعالى : {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر49], وقال تعالى : {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوْراً} [الأحزاب 38], وقال تعالى : {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيْراً} [الفرقان2].

وفي حديث جبريل وسؤله للنبي – صلى الله عليه وسلم – عن أركان الإيمان فذكر منها : " الإيمان بالقدر خيره وشره " [رواه مسلم8] , وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً : " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة , وقال : وكان عرشه على الماء " [مسلم2653] , وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً : " كل شيء بقدر حتى العجز والكَيس " والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور [مسلم2655] .

 

مراتب القدر :

للقدر أربع مراتب دلت عليها النصوص وقررها أهل العلم وهى :

 

المرتبة الأولى :-

 علم الله كل شيء , علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون قال تعالى : {  لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [الطلاق12] .

وفى الصحيحين عن ابن عباس قال : سئل النبى – صلى الله عليه وسلم – عن أولاد المشركين فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .

 

المرتبة الثانية :-

 كتابة الله تعالى لكل شيء مما هو كائن إلى يوم قيام الساعة قال تعالى : { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } [الحج70] , وقال تعالى : { وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } [يس12] .

ومن السنة حديث عبد الله بن عمرو المتقدم في كتابة الله مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض .

 

المرتبة الثالثة :-

 المشيئة , فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن قال تعالى : {إنا أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس82] , وقال تعالى : { وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [التكوير29] .

 

المرتبة الرابعة :-

 خَلْقُ الله للأشياء وإيجادها , وقدرته الكاملة على ذلك , فهو سبحانه خالق لكل عامل وعمله , وكل متحرك وحركته , وكل ساكن وسكونه قال تعالى : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [الزمر62] , وقال تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات96] .

وروى البخاري عن عمران بن حصين مرفوعاً  : " كان الله ولم يكن شيء غيره , وكان عرشه على الماء , وكتب في الذكر كل شيء , وخلق السموات والأرض" [البخاري3020].

فيجب الإيمان بهذه المراتب الأربع لتحقيق الإيمان بالقدر, ومن أنكر شيئاً منها لم يحقق الإيمان بالقدر .

 

ثمرات الإيمان بالقدر :-

1-    الاعتماد على الله تعالى عند فعل الأسباب .

2-    راحة النفس وطمأنينة القلب .

3-    طرد الإعجاب بالنفس عند حصول المراد .

4-    طرد الللقلق والضجر عند فوات المراد أو حصول المكروه .

ويقول د/ محمود أحمد طحان : (فوائد الإيمان بالقدر)

إن للإيمان بالقدر فوائد , منها تحصل قبل وقوع القدر , ومنها بعد وقوع القدر .

 

 فأما الفوائد قبل وقوع القدر فهي :-

1-    الشجاعة في قول الحق وفعله .

2-    عدم الخوف من أحد على رزقه أو نفسه .

3-    الإطمئنان إلى أن ما قُدر للإنسان لابد وأن يحدث .

 

فقوله – صلى الله عليه وسلم – : " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك , وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك , رفعت الأقلام وجفت الصحف " [رواه الترمذي] هذا القول يمنح المسلم المؤمن بالقدر الشجاعة على الجهر بالحق , وفعل ما أوجبه الله عليه دون أدنى تردد .

وكذلك قوله تعالى : { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ } [التوبة251] يعطي المسلم دفعة قوية من الجرأة في خوض المعارك , والجهاد في سبيل الله , وقول الحق , لا يخاف في الله لومة لائم .

وقوله – صلى الله عليه وسلم – : " إن روح القدس نفث في روعي : إن نفساً لن تموت حتي تستكمل رزقها وأجلها " [رواه الحاكم] يمنع المسلم من أن يخاف أحداً على قطع رزقه أو قطع أجله , فالمؤمن بالقدر يعلم علم اليقين أنه لن يموت حتي يستوفي رزقه كاملاً , وأجله كاملاً , مهما حاول الظالمون قطع رزقه أو قطع أجله , ولهذا قال – صلى الله عليه وسلم – : " لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه " [رواه الطبراني2825] .

 

أما الفوائد التي يجنيها المسلم بعد وقوع القدر فهي :-

1-    الرضي بما يقع عليه من قدر مكروه له .

2-    عدم الأسى والحزن على ما فاته من خير كان يؤمِلُه .

3-    عدم الفرح الذي يوصل المرء إلى الغرور والبطر .

 

قال تعالى : {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيْبَةٍ فِيْ الأَرْضِ وَلَا فِيْ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِيْ كِتَابٍ مِنْ قَبَلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيْرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوْا بِمَا ءَاتَاكُمْ} [الحديد22,23] فبين سبحانه أن ما يصيب الإنسان من المصائب إنما هو مقدر على العبد في الأزل , ومسجل في اللوح المحفوظ , فليرض المسلم بذلك القدر المكروه بالنسبة له , ولا ييأس ولا يحزن على ما فاته من خير كان يؤمله ولم يحصل عليه , لأن الأسى والحزن على ما فات لا يفيد شيئا , بل يوقع الإنسان في اليأس والإحباط , وينتابه الأمراض النفسية ذات الآثار المدمرة على سير حياته .

كما عليه أن يتلقى القدر الذي يحبه بالشكر لله الذي ساقه له بفضله , فقد قال – صلى الله عليه وسلم – : " عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير , وليس ذلك إلا للمؤمن , إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له , وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له " [مسلم64] .

 

هذا وقد يقول قائل : إذا كانت الأمور كلها مقدرة من الله أزلا , فلماذا نعمل ونجتهد في تحصيل ما ينفعنا , والابتعاد عما يضرنا ؟ .

وهذا الإشكال وقع من بعض الصحابة – رضى الله عنهم - عندما ذكر النبى – صلى الله عليه وسلم – القدر , إذ قالوا : ففيم العمل يا رسول الله ؟ - أى فما فائدة العمل إذن ؟ - فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " [متفق عليه] أى اعملوا بناء على ما كلفتم به من التكاليف الشرعية المعلومة لديكم , ولا تسألوا عن القدر لأنه غيب بالنسبة لكم , وأنتم غير مسئولين عن علم الغيب .

 

هكذا فهم سلفنا الصالح القدر على أن الله المتصرف في الكون وحده , فجعلوا صلتهم بالله متينة , فاعتزوا به , ولجئوا إليه , ونفذوا شرعه , ورضوا بقضائه , فسادوا المعمورة , وأصلحوها بشرع الله .

في حين أننا فهمنا القدر على أنه استسلام وخضوع لكل مستعمر وطامع , فصرنا عبيداً مستضعفين , لا نملك من الأمر شيئاً , ونتذرع بالقدر , مع أن قدر الأمة الإسلامية الذي أعلنه الله في كتابه الكريم : هو انتصار هذه الأمة وتفوقها على جميع الأديان والمِلَلِ , وشهد الله عز وجل على هذه الحقيقة , وكفى بالله شهيداً قال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا } [الفتح28] .

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

  1. حسين مفتاح October 01, 2017

    شكرا كلام طيب يا ليتنا نعود الى دين الحق الله المستعان

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع