المقالات

حقيقة الحسد والعين بين الإنكار والإثبات والوقاية والعلاج

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه والسالكين سبله والداعين بدعوته إلى يوم الدين وبعد,,,

 

فنعرض في هذه المقالة: أقوال المنكرين والمثبتين للحسد والعين, وأدلة كل فريق, ثم نوازن بين هذه الأدلة لمعرفة الرأى الراجح في ضوء السنة النبوية.

 

المنكرين للحسد والعين وأدلتهم:-

أنكر الحسد والعين نفرٌ من الناس، وهم الطبيعيون الماديون الملحدون الذين يقولون: الكون مادة, ولا إله, ولا إيمان إلا بما تدرك الحواس الخمسة, والطبيعة أو الأسباب أو الصدفة, هذه هي التي تحرك كل شيء في هذا العالم, وما دمنا لا نرى اتصالاً محسوساً مباشراً بين الحاسد والعائن, وبين المحسود والمعيون –عند نزول الضرر بكل منهما- فإنا لا نسلم بالحسد والعين, وإنما من قبيل الأوهام والخيالات, فدليلهم إذن الواقع المدرك بالحواس, يقول ابن القيم عن هذا النفر من الناس: فأبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين وقالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها (زاد المعاد3/117) وهؤلاء لا ينكرون أصل الفعل, وإنما ينكرون الأثر المترتب عليه.

 

المثبتون للحسد والعين وأدلتهم:-

أثبت الحسد والعين أهل السنة والجماعة, مستدلين بقوله تعالى: { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } [الفلق 5] وفي الآية دليل على أن الحسد يؤثر في المحسود ضرراً يقع به, إما في جسمه بمرض, أو في ماله, وما يختص به بضرر وذلك بإذن الله تعالى ومشيئته, كما قد أجرى عادته, وحقق إرادته فربط الأسباب بالمسببات وأجرى بذلك العادات, ثم أمرنا في دفع ذلك بالالتجاء إليه, والدعاء والاستعاذه والرقى (القرطبي).

وبقوله تعالى: { وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } [القلم 51,52].

وبقوله –صلى الله عليه وسلم- : "العين حق, ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين, وإنا استغسلتم فاغسلوا" (رواه مسلم 2062), وقوله: "ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" هذا مبالغة في تحقيق إصابة العين, تجري مجرى التمثيل, لا أنه يمكن أن يرُدَ القدر شيء, فإن القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى ونفوذ مشيئته, ولا رادَ لأمره, ولا معقب لحكمه, وإنما هذا خرج مخرج قولهم: لأطلبنك تحت الثرى, أو لو صعدت إلى السماء ونحوه (القرطبي).

كما استدلوا بالواقع نفسه, حيث يقول القرطبي: فكم من رجل أدخلته العين القبر, وكم من جمل أحلته القِدر, لكن ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال: { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } [البقرة102].

 

وبين أهل السنة والجماعة الكيفية التي يتم بها ذلك قائلين: لا يبعد أن تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية من العين, فتتصل بالمعين, وتتخلل مسامَ جسمه فيخلق الله الهلاك عندها, كما يخلق الهلاك عند شرب السُمِ.

وأيدوا هذه الكيفية بما هو مشاهد في الواقع, حيث أجرى الله العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح, كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل, فيرى في وجهه حمرة شديدة, لم تكن قبل ذلك, وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه.

يقول ابن حجر: وقد أشكل ذلك على بعض الناس فقال: كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟ والجواب: أن طبائع الناس تختلف, فقد يكون ذلك من سمٍ يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون, وقد نقل عن بعض من كان معياناً أنه قال: إذا رأيت شيئاً يعجبنى وجدت حرارة تخرج من عيني, ومن ذلك: أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد (انظر فتح الباري10/200).

 ويقول: وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين, وليست هي المؤثرة, وإنما التأثير للروح, والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفيتها, وخواصها, فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث الروح, وكيفيتها الخبيثة (المرجع السابق).

 

تقييم أقوال المنكرين والمثبتين:-

والراجح: ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة إثباتاً وكيفية, لاسيما وقد جاء عن النبي –صلى الله عليه وسلم- ما يصلح أن يقاس عليه, لشرح الكيفية المذكورة آنفاً.

إذ جاء عن ابن عمر –رضى الله عنهما- أنه سمع النبي –صلى الله عليه وسلم- يخطب على المنبر يقول: "اقتلوا الحيات, واقتلوا ذا الطفيلتين والأبتر, فإنهما يطمسان البصر, ويسقطان الحبل" (رواه البخاري ومسلم).

إذ ما يصدق على هذا الصنف من المخلوقات يصدق على الحاسد والعائن, فيكون الضرر والأذى إذا أراده الله تعالى ذلك, وإلا فلا شيء.

وأما المنكرون له, فلا حجة لهم سوى الهوى أو التحكم العقلي المحض, غير أنه لا بد من التأكيد –هنا- أنه لايصح الإفراط في رد كل ضرر أو أذى إلى الحسد والعين, لاسيما وأن تأثيرهما بمشيئة الله عز وجل.

ولعل الأخذ بأساليب الوقاية مما يحمي من آثار الحسد والعين, وكذلك الأخذ بأساليب العلاج, مما يبطل هذا الأثر إن وقع لا قدر الله.

وفي ضوء ما تقدم من إثبات الحسد والعين وتأثيرهما بمشيئة الله تعالى لا يقولن قائل: إذا كان للحسد أو للعين تأثير ضار من غير ملامسة, فلماذا يطير الطيارون بالطائرات الضخمة ولا يصابون بأذى؟ ولماذا يخترع المخترعون وينبغ النابغون في  في قوم كفار ماديين؟ ولماذا بلغت اسرائيل ما بلغت من السيطرة على فلسطين؟ بل العالم العربى والإسلامي, وتسخير الغرب في التحكيم لها؟ لا يقولنَ قائل ذلك, لأن الله تعالى لم يأذن بشيء من ذلك, ولم يشأ.

 

الوقاية والعلاج من الحسد والعين في ضوء السنة النبوية:-

أولاً: الوقاية من الحسد والعين

يمكن الوقاية من الحسد والعين باتباع هذه الخطوات:

1- التحصين بالله والتعوذ به: وذلك بالمواظبة على ذكر الله, والاستعاذة من شر الحاسد إذا حسد وقد أمر الله بذلك في قوله تعالى: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) } [الفلق].

 

2- تقوى الله عز وجل: المتمثلة في توحيده سبحانه، والإقلاع عن المعاصي والمواظبة على فعل الطاعات قال تعالى: { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } [آل عمران 120], وقال النبي –صلى الله عليه وسلم- لابن عمه: "احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك......" (رواه الترمذي).

 

 

3- الصبر والتحمل: فلا يحدث نفسه بأذى الحاسد, فما نصر على حاسده بمثل الصبر عليه, والتوكل على الله.

 

4- التوكل على الله: إن هذا التوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم قال تعالى: { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } [الطلاق3], وقد قيل: لو توكل العبد على الله حق توكله, وكادته السموات والأرض ومن فيهن, لجعل الله له مخرجاً من ذلك وكفاه ونصره.

5- التوبة النصوح: بأن يتذكر نعمة الله عليه, واستخدامه لها في معصية الله فينقدح في قلبه الخوف من الله ومن عقابه فيقلع, ويرد المظالم إلى أصحابها فوراً, ويعزم عزماً أكيداً ألا يعود, عند ذلك يكون العفو من الله وصرف كيد الحُساد.

 

6- الإحسان إلى الحاسد والعائن: وذلك بالكلمة الطيبة, والهدية, والصدقة, وإطعام الطعام, والسؤال والتهنئة, والمواساة في الشدة, وطلاقة الوجه ونحوها قال تعالى: { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [فصلت34,35].

 

7- وقال تعالى: { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [القصص54], ووجه الدلالة أن الإحسان يستلُ سخائم النفوس وحقدها فإذا هي تتحول من عدوٍ إلى صديق.

 

 

علاج الحسد والعين:-

ويتلخص علاج الحسد والعين في اتباع هذه الخطوات:-

1- الرقية الشرعية

 إذ كان جبريل –عليه السلام- يرقي رسول الله –صلى الله عليه وسلم-،  وأمر النبي –صلى الله عليه وسلم-  بها, فعن أبى سعيد: أن جبريل أتى النبي –صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: نعم, فرقاه (رواه مسلم).

 وعن عائشة –رضى الله عنها- : أن النبي –صلى الله عليه وسلم-  كان ينفث على نفسه –في المرض الذى مات فيه- بالمعوذات, فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن, وأمسح بيده نفسه لبركتها (رواه البخاري).

 وعن أم سلمة –رضى الله عنها- أن النبي –صلى الله عليه وسلم-  رأى في بيتها جاريةً في وجهها سفعة -سواد في الوجه- فقال: " استرقوا لها فإن بها النظرة " (رواه البخاري).

 

2- أمر العائن بالاغتسال

 بعد التأكد من أنه صنع ذلك, ثم صب فضل هذا الماء على المعيون, بأن يغسل وجهه, ويديه, ومرفقيه, وركبتيه, وأطراف رجليه, ثم يصب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره, فقد أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- عامر بن ربيعة أن يغتسل لسهل بن حنيف (رواه أحمد).

 وقال –صلى ابن الله عليه وسلم-: " العين حق, ولو شيء سابق القدر سبقته العين, وإذا استغسلتم فاغسلوا " (رواه مسلم 2062).

 يقول ابن القيم: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها, ولا من سخر منها, ولا من شك فيها, أو فعلها مجرباً غير معتقد (بدائع الفوائد 2/245).

 وقال ابن حجر: هذ الغسل ينفع بعد استحكام النظرة, فأما قبل الاستحكام فقد أرشد الشارع إلى ما يدفعه في قصة سهل بن حنيف " ألا بركت عليه "، وفي رواية ابن ماجة " فليدع بالبركة " (الفتح10/251).

 

 

نسأل الله الهداية والتوفيق، وأن يصرف عنا السوء، والحمد لله رب العالمين.

  1. asim shendy February 24, 2013

    جزاك الله خيرا يا شيخ محمد

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع