المقالات

مدينة الإيمان

المهندس /  أحمد وهبة


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

هل زرت مساكن الإيمان ؟ .... أنا أعرف أنك زرت مساكن الأطباء ومساكن المهندسين ومساكن البترول , ولكن ... هل زرت يوما مساكن الإيمان ؟ .. أنا زرتها , سأحكي لكم عنها ...

 

طرقت البوابة الحديد الضخمة, فانفتحت عن شيخ وجهه كالقمر يبتسم ابتسامة هادئة, فانشرح صدري بمجرد أن رأيته وكنت قبل منقبضا, ألقيت عليه التحية, فرد علي – بتؤدة وبطء – بأحسن منها , ثم قال: من تريد ؟ فتلعثمت شيئا, ثم قلت: أريد الزيارة ..., سكت هنيهة وكأنه يفكر في شيء ما، ثم لم يلبث أن أفسح لي مرحبا وقال: تفضل .

 

دخلت المدينة – أقصد المساكن – فأصابني الذهول من أول وهلة, ما هذا المكان الغريب, أشجار متشابكة الأغصان منثورة في كل مكان, وثمارها اليانعة متدلية من أغصانها, وأزهارها من كل نوع ولون, وطريق مفروش بالحصباء ممتد بين الأشجار والأزهار, وأرض خضراء تغطيها حشائش يقطعها جدول ماء متلوٍّ تحت الأشجار.

وبينما أنا أحملق ولا أكاد أصدق, إذ سمعت صوته – صوت الشيخ الذي فتح لى – يدلف إلى أذني بانسيابية حالمة: تفضل , فانتبهت من ذهولى، وتقدمت أخطو بجواره على الطريق وكأني في حلم.

وبينما نحن نمشي عرضت لنا منطقة متسعة بين الأشجار, فسألته: ما هذا؟ فأجابني: هنا يتريض أهل القرآن , فإذا بملاعب من كل نوع منظمة على أحسن ما يكون, بجوارها حمام سباحة رائق, فازداد تعجبي, فقال: تفضل, تقدمنا حتى دخلنا بين الأشجار ثانية, ثم انكشفت الأشجار بعد فترة من المشي عن بناء عظيم, قال لي : هذا مسجد الإيمان , دخلت المسجد فإذا الناس متحلقة حلقا , أمام كل عمود حلقة يجتمع فيها الناس حول شيخ وقور, فحلقة لتفسير القرآن العظيم, وحلقة لشرح أحاديث نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم, وحلقة و .....

 

خرجت من المسجد وأنا مشبع بالإيمان, حقا إنه مسجد الإيمان, مشينا على الطريق فاسترعى انتباهي شيء لم أنتبه إليه من قبل, إنني منذ دخلت وعلى طول الطريق, هناك أكواخ صغيرة تلوح لي متناثرة هنا وهناك بين الأشجار, سألته عنها, فقال: هذه محاضن أهل القرآن, فنظرت إليه متسائلا, فتقدم نحو كوخ منها وفتح الباب شيئا, وقال لي: انظر, فنظرت من الفرجة فإذا شيخ جالس حوله أطفال أتراب – في سن واحدة – يتلو عليهم آيات الله وعلمهم الكتاب والحكمة, فطفقت أنظر إليهم والدموع تنساب من عيني من فرط تأثري, فقال الشيخ: هذه محاضن أهل القرآن, ثم قال لي: انطلق, فانطلقنا شيئا بين الأشجار ثم لاحت لنا المساكن – مساكن مدينة الإيمان, بناء جميل ... بسيط ... مجموعة من البنايات المتجاورة ذات الطوابق المتعددة, تقدمت منها أتأملها, إنها تقبع في سكينة عجيبة, أكاد أجزم أن هذا المكان تحفه الملائكة بأجنحتها, سمعت القرآن, نعم سمعته يتردد بعمق في المكان كله كأزيز النحل أو كغلي المرجل, فأجابني الشيخ وكأنه قد قرأ تساؤلي في أعماقي, فقال: يا أخي إن القرآن لا ينقطع عن هذا المكان أبدا في أي لحظة من ليل أو نهار نحن نتنفس قرآنا.

 

ثم أشار لي إلى بعض المحلات أسفل البناية, وقال لي: هذه بقالة الإيمان, وهذا فرن الإيمان, وهذا حلاق الإيمان, وهذا ... الإيمان .

رحت أدقق النظر في وجوه أصحاب هذه المحلات, إنها ليست أقل بهاء من وجه الشيخ الذي يصاحبني, سبحان الله .. ما هذا المكان العجيب !!

رحت أتأمل هذه الحديقة الغناء, والمسجد والأكواخ – محاضن أهل القرآن – ثم راعني علوِّ الأسوار المحيطة بالمكان, إنها عالية جدا .. لماذا !! .. ثم ومض الجواب في عقلي .. نعم عرفت ..

 

أدركت لماذا يجب أن تكون عالية, إن هذا المكان ليس من هنا, إنه قطعة من جنة الخلد تقبع في عالمنا, يجب أن تصان من دنس الحياة التي نحياها , إننا نحن البشر نعيش في الدنيا خارج هذه الأسوار في تعاسة وشقاء, وإن هذا المكان باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.

 

رحت أمشي متثاقلاً على الطريق عائداً إلى البوابة, بوابة مدينة الإيمان, ومشى الشيخ بجانبي متثاقلا مثلي تماما, وكأنه يدرك مشاعري, خرجت من البوابة, وقفت قليلا لأستوعب ما يدور بداخلي, ثم استدرت إلى الشيخ وقد وقف يشيعني من خلف البوابة, مبتسماً نفس الابتسامة الهادئة التي استقبلني بها عند الدخول, إلا أنها كانت تغلغلها هذه المرة لمسة إشفاق, إشفاق على رجل مطرود من باب الجنة, استدرت إليه مسرعا وقلت بصوت مختنق: المحلات ... قال: أي محلات؟ ... قلت: محلات مدينة الإيمان ... قال مالها؟ قلت: هناك محل ناقص .. غير موجود , قال: ما هو ... !!

 قلت: الأحذية .. أنتم تحتاجون صانع أحذية .. وأنا....... !!!

  1. أبو عمير March 28, 2013

    أحسنت ، والله لقد حركت المشاعر بداخلنا ، وجعلتنا ندخل معك إلى داخل المدينة وننظر إلى محتوياتها وكأنها رأي عين ، ولكن في النهاية خرجنا معك خارج البوابة ووقفنا معك على الباب ، فأرجوا منك أن تسأل الشيخ هل يوجد عمل بالمدينة (لعامل نظافة) ؟ فنسأل الله أن يدخلنا فيها ولا يخرجنا منها حتى نلقاه سبحانه وتعالى .

  2. abomarym March 30, 2013

    اللهم اقر اعيننا وعين الشيخ احمد بهذة المساكن فى الدنيا عاجلا غير اجل

  3. أحمد زغلول April 01, 2013

    مقال مدينة الإيمان يحمل من صدق المشاعر ما جعلنا نتحسسها و ننشدها بعد غيبتنا عنها.
    بارك الله فيكم و سددكم .

  4. خالد نعيم April 06, 2013

    حقا جزاك الله خيرا

  5. المقاله جميله جدا وتزيد فى قلوبنا شوقنا لله
    (والله ما فى هذه الدنيا الذ من اشتياق العبد للرحمن) وتزيد من شوقنا للجنه الله يكرمنا فيها وجزاكم الله خيرا

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع