المقالات

الوحي والدعوة السریة

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

لم یكن النبي  صلى الله علیھ وسلم  یستشرف للنبوة ولا یحلم بھا، ولا خطر ببالھ یوماً أن یُدعى إلى حملھا وبثھا في العالم كما قال تعالى: { وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } [القصص86].

 

فما كان يدري ما الكتاب ولا الإيمان، وإنما كان يلهمه الله الخلوة للعبادة تطهيراً وإعداداً روحياً، ولو كان يستشرف للنبوة ما فزع من نزول الوحي عليه أول مرة ولما رجع إلى خديجة مضطرباً خائفاً يقول: " يا خديجة مالى؟ لقد خشيت على نفسي!" ولما احتاج إلى طمأنة خديجة ومن بعدها ورقة بن نوفل بأن الله لا يخزيه، وبأن الذي رآه في الغار هو الوحي الذي كان ينزل على موسى.

 

لقد فوجئ محمد  صلى الله عليه وسلم  وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه، حتى يتبين أن شأن الوحي ليس أمراً ذاتياً داخلياً مرده إلى حديث النفس المجرد، وإنما هو استقبال وتلق لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وبداخل الذات، وضم الملك إياه ثم إرساله ثلاث مرات قائلاً في كل مرة: اقرأ يعتبر تأكيداً لهذا التلقي الخارجي، ومبالغة في نفي ما يدعيه محترفوا التشكيك في الإسلام، والتلبيس على المسلمين من القساوسة المستشرقين، ومن سكن إلى آرائهم من الزنادقة المارقين المنتسبين إلى المسلمين، على أن شيئاً من حالات الإلهام، أو حديث النفس، أو الإشراق الروحي، أو التأملات العلوية لا يستدعي الخوف والرعب وامتقاع اللون.

 

قال تعالى : { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } [يونس 94].

 

فلو كان الوحي أمراً ذاتياً لما سكت عن بعض إجابات السائلين، ولما عانى من إشاعة الإفك شهراً كاملاً يؤذي فيه عرضه حتى أنزل الله البيان.

 

ونزل قوله تعالى: { ياأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) } [المدثر 1-7].

 


 فكانت هذه الأوامر المتتابعة القاطعة إيذاناً للرسول  صلى الله عليه وسلم بأن الماضي قد انتهى بمنامه وهدوئه وسلامه، وأنه أمام عمل جديد يستدعي اليقظة والتشمير، والإنذار والإعذار، فليحمل الرسالة وليوجه الناس، وليأنس بالوحي وليقو على عنائه، فإنه مصدر رسالته، ومدد دعوته.

 

وكأنه قيل له : إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاُ، أما أنت فمالك والنوم ؟ ومالك والراحة ؟

 

ومالك والفراش الدافئ ؟ والعيش الهادئ ؟ والنوم المريح ! قم للأمر العظيم الذي ينتظرك والعبء الثقيل المهيأ لك قم للجهد والنصب والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة، وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل، والجهاد الطويل الشاق، قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [يوسف من الآية21].

 

ثم لو كان الوحي أمراً ذاتیاً  كما یقول الزنادقة والمستشرقون لما جاءت آیات في القرآن تعتب على النبي  صلى الله علیھ وسلم  وتلومه على بعض التصرفات!

 

إن أمر الوحي معجزة خارقة للسنن الطبیعیة، حیث تلقى النبي  صلى الله علیھ وسلم  القرآن الذي ھو كلام الله بواسطة الملك جبریل، وقد أخبرنا بھذا.

 

فأما المؤمنون فلا یترددون في قبوله ویقولون سمعنا وأطعنا وصدقنا وآمنا، وأما المستشرقون الزنادقة فلأنھم لا یؤمنون بنبوة النبي  صلى الله علیھ وسلم  لم یُمكَّنوا من تفسیر معنى الوحي، فوقعوا في الحیرة والتناقض والشك والارتیاب، ولجئوا إلى الاتھامات القدیمة التي سبقھم إلیھا إخوانھم الجاھلیون القدماء من أھل مكة الذین قالوا:  إنما یعلمه بشر، وقالوا:  إن ھو إلا إفك افتراه وأعانه علیه قومٌ آخرون!

 

وزاد المستشرقون في ھذا العصر اتھامات مضحكة! كقولھم: إن النبي  صلى الله علیه وسلم  تعلم من ورقة بن نوفل! ومرة یقولون : تعلم من بحیرا الراھب، وأظرف ما قالوا: تعلم من یھود مكة !! ومعلوم أن مكة لم یكن فیھا یھود!!!

 

والرد على هذه الأباطيل أن ورقة بن نوفل مات قبل أن یعاود الوحي رسول الله  صلى الله علیھ وسلم  ویأمره بالبلاغ! وأن لقاءه بحیرا الراھب كان ساعة أو ساعتین وھو غلام في الثانیة عشرة من عمره!

ولما لم یقتنعوا ھم أنفسھم بحقیقة افتراءاتھم وشكوا في صوابھا قالوا: لعل القرآن مقتبس من التوراة والإنجیل! ومعلوم أیضاً أن التوراة والإنجیل لم یترجموا إلا بعد قرون من وفاة النبي  صلى الله علیه وسلم،  ثم لو ترجمت ھذه الصحف في زمانه فإن أمیته تحول دون إفادته منھا.

 

ولقد فتر الوحي بعد ھذه المرة الأولى التي كانت في غار حراء، لیحصل للنبي  صلى الله علیه وسلم  التشوق إلى العودة بعد أن ثبتت لدیه الحقیقة أنه أضحى نبیاً.

ثم حمى الوحي بعد ھذا وتتابع، وأول ما نزل بعد فترة الوحي: { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ } [المدثر1-2].

 

وقد قام رسول الله  صلى الله علیه وسلم، فظل قائماً بعدھا أكثر من عشرین عاماً لم یسترح ولم یسكن ولم یعیش لنفسه ولا لأھله، قام وظل قائماً على دعوة الله، یحمل على عاتقه العبء الثقیل الباھظ ولا ینوء به،إنه عبء الأمانة الكبرى في ھذه الأرض، عبء البشریة كلھا، وعبء العقیدة كلھا، وعبء الكفاح والجھاد في میادین شتى.

 

 عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرین عاماً، لا یلھیه شأن عن شأن في خلال ھذا الأمد منذ أن سمع النداء العلوي الجلیل، وتلقى منه التكلیف الثقیل، جزاه الله عنا وعن البشریة خیر الجزاء.

 

لم تكن الدعوة علنیة في بادئ الأمر، بل قامت على الاصطفاء، فلم یعرض النبي  صلى الله علیه وسلم  دعوته في السنوات الأولى إلا على ألصق الناس به ممن یتوسم قبولھم، وممن لم تخالجھم ریبة في تصدیقه.

 

فآمنت خدیجة زوجته، وعلى بن أبي طالب، وكان غلاماً في كفالة النبي  صلى الله علیه وسلم  معونة منه لعمه ورداً لجمیله، وآمن زید بن حارثة مولاه، وأبو بكر صدیقه الحمیم ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام بین أقاربه، ومعارفه، وأھل ثقته ومودته، حتى لقد دخل في الإسلام ببركة دعوته ستة من العشرة المبشرین بالجنة عثمان، وطلحة، والزبیر، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبیدة بن الجراح، فضلاً عن غیرھم من المسلمین، ومن بعدھم.

 

ومن خلال علاقات ھؤلاء وغیرھم أخذ الإسلام ینتشر في مكة وغیرھا، مع أن الإعلام به كان یقع على استخفاء، ودون مظاھرة في التحمس المكشوف أو التحدي السافر، إذ كانت طبیعة المرحلة تقتضي مثل ھذه السیاسة الشرعیة من التكتم والسریة، لأن مكة كانت تمثل الزعامة الدینیة للعرب، ولم يكن أھلھا یسمحون لغیرھم من الممكنین أن ینازعھم في ذلك، فكیف بحفنة من الضعفاء والموالي ؟

 

واستمرت الدعوة في ھدوء وحكمة، وشاء الله أن تتغلغل في جمیع قطاعات المجتمع بین الأحرار والعبید والرجال والنساء والشیوخ والشباب والأغنیاء والفقراء ومن جمیع بطون قریش، فلا تكاد تخلو عشیرة في مكة من شخص أو أكثر إلا وشاركوا في بناء ھذا المجتمع الولید الذي عُرف أصحابه بالسابقین الأولین والذین حفظ النبي  صلى الله علیه وسلم  لھم مكانتھم فلم یكن یُقدِّم علیھم أحد.

 

 وكان أكثر الذین استجابوا لدعوة النبي صلى الله علیه وسلم  من الضعفاء والموالي، وھم أقرب الناس إجابة لدعوة الرسل، لأنھم لا یصعب علیھم أن یكونوا تبعاً لغیرھم، أما أكثر الكبراء، وأھل الجاه والسلطان فیمنعھم الكبرُ وحب الجاه والرفعة عن الانقیاد غالباً.

 

 وقد ترامت أنباء ھذه الدعوة إلى قریش فلم تعرھا اھتماماً، ربما لأنھا حسبت محمداً أحد أولئك الدیانین الذین یتكلمون في الألوھیة وحقوقھا كما فعل أمیة بن الصلت، وعمرو بن نفیل وأشباھھم وربما لأن المسلمین في ھذه المرحلة لم یتعرضوا لعقائدھم وأصنامھم فلم تكترث بھم، إلا أنھا سرعان ما توجست خیفة من النبي  صلى الله علیه وسلم  لذیوع خبره وامتداد أثره وأخذت ترقب على الأیام مصیره ودعوته.

 

 وبدا أن الصدام بات وشیكاً بین دعاة الحق وأدعیاء الباطل.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 4+4=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع