المقالات

أساليب مواجهة الدعوة

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

ظن المشركون أن بطشھم بالمستضعفین، ونیلھم من غیرھم، سوف يصرف الناس عن الاستجابة لداعى الله، وظنوا أن رسائل السخرية والتھكم التي جنحوا إلیھا ستھد قوى المسلمین المعنوية، فیتوارون خجلا من دينھم ، ويعودون كما كانوا إلى دين آبائھم، غیر أن ظنونھم سقطت جمیعا، فإن أحدا من المسلمین لم يرتدَّ عن الحق الذى شرفه الله به، بل كان المسلمون يتزايدون.

 

 ولم تفلح طرق الاستھزاء في الصد عن سبیل الله، بل لم تزد المسلمین إلا استعلاء بدينھم، وثقة بسلامة منھجھم، ووضوح طريقھم.

 

 وكان مما يزيدھم يقینا وثباتا الآيات التي تنزل على رسول الله صلى الله علیه وسلم تحكى نماذج كثیرة من الحق والباطل، وكیف أنه محسوم العاقبة {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَیَاةِ الدُّنْیَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْھَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِینَ مَعْذِرَتُھُمْ وَلَھُمُ اللَّعْنَةُ وَلَھُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر 51،52].

 

بل إن الآيات لتشد من أزرھم، وتقوى عزائمھم، وتسلط لھم الأضواء على من سبقھم في طريق الإيمان، كیف ثبتوا ولم ينھزموا أمام تحدي الباطل وغروره وصلفه {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِیهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَیْهِ عَذَابٌ مُقِیمٌ} [هود 38،39].

 

ومضى رسول الله صلى الله علیه وسلم على ما ھو علیه يُظھر دين الله ويدعوا إلیه ، والمسلمون حوله يكثرون ، فرأت قريش أن تجرب أسلوب العروض والمفاوضات لعلھا أن تحصل على بعض التنازلات التي عجزت أسالیب القھر والاستبداد أن تحققھا، فأرسلوا وفدا إلى أبي طالب عم النبي صلى الله علیه وسلم وقالوا: إن ابن أخیك ھذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا، فانھه عنا! فقال ياعقیل انطلق فأتني بمحمد،

 

فجاء النبي صلى الله علیه وسلم في الظھیرة في شدة الحر فقال أبو طالب: إن بني عمك ھؤلاء قد زعموا إنك تؤذيھم في ناديھم ومسجدھم فانته عن أذاھم، فحلَّق رسول الله صلى الله علیه وسلم ببصره إلى السماء فقال: أترون ھذه الشمس؟ قالو:ا نعم، قال: فما أنا بقادر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منھا شعلة، فقال أبو طالب: والله ما كَذَبَنا ابن أخى فارجعوا !!

 

والعجب من أبى طالب في تصديقه للنبي صلى الله علیه وسلم إلى ھذا الحد ، ووقوفه إلى جانبه بھذه القوة، ثم لا يُسلم ! ولا يجد ابن كثیر- رحمه الله - تفسیرا لھذا سوى أن قال: إن الله تعالى قد امتحن قلبه بحب محمد صلى الله علیه وسلم حبا طبیعیا لا شرعیا، وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسول الله صلى الله علیه وسلم من الحماية، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركى قريش وجاھة، ولا كلمة، ولا كانوا يھابونه ويحترمونه، ولتجرءوا علیه، ولمدوا أيديھم وألسنتھم بالسوء إلیه.

{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص 68].

 

ولما فشلت المفاوضلت انتقلت قريش إلى المساومة ، فعقدوا مجلساً للشورى حضره كبار قادتھم، فقام عتبة بن ربیعة ، وكان سیداً مطاعا في قومه، وقال: يامعشر قريش ألا أقوم لمحمد فأكلمه وأعرض علیه أمورا عَلَّه يقبل بعضھا، فنُعْطِه إياھا ويكف عنا ؟.

 

فقالوا: يا أبا الولید قم إلیه فكلمه.

 فذھب إلى رسول الله صلى الله علیه وسلم وھو يصلى في المسجد وقال : يا ابن أخى ! إنك منا حیث قد علمت، من خیارنا حسباً ونسباً، وإنك أتیت قوما بأمر عظیم فرقت به جماعتھم، وسفھت به أحلامھم، وعِبْت آلھتھم ودينھم وكفَرت من مضى من آبائھم، فاسمع منى أعرض علیك أمورا تنظر فیھا لعلك تقبل منھا بعضھا، فقال النبي صلى الله علیه وسلم: قل يا أبا الولید أسمع!

 

فقال: يا بن أخى ! إن كنت تريد بما جئت به من ھذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفاً سودناك علینا فلا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علینا، وإن كان ھذا الذى يأتیك رِئْیاً من الجن لا تستطیع رده عن نفسك طلبنا لك الطلب وبذلنا من أموالنا حتى تبرأ، فإنه ربما غلب علیك التابع على الرجل حتى يداوى.


 فقال النبي صلى الله علیه وسلم: لقد فرغت يا أبا الولید؟ قال : نعم ! قال: فاسمع ، منى!

فقرأ علیه صلى الله علیه وسلم أول سورة فصلت حتى بلغ قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت 13].

فرجع عتبة خائبا.

 

إن موقف النبي صلى الله علیه وسلم الراسخ من ھذه المساومة يبین لنا طبیعة ھذه الدعوة المباركة التي بعث بھا.

إن ھذا الدين يلاحظ الوسائل، كما يلاحظ الغايات، فالغايات الشريفة لا بد لھا من وسائل شريفة، وعلى أصحاب الدعوة أن يثقوا أن النصر من عند الله، وأن الدين لا يَعز بتقديم بعض التنازلات التي ألجأت إلیھا ما يُسمَّى بمصلحه الدعوة " كما يقولون " بل إن الدين، ومصلحة الدعوة، إنما تكمن في الالتزام بكامل منھجه دون الحیدة يمینا أو شمالا {إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ {[محمد7].

 

 وإلا فقد كان باستطاعة النبي صلى الله علیه وسلم أن يقبل مثل ھذا العرض بدعوى المصلحة، ويقول في نفسه، لو سَودُّونى علیھم وصار لى الحكم والسلطان، لاستطعت من خلال ھذا أن ألزمھم بالتوحید، وأن أحطم الأصنام بما لى من قوة ومنعة ! لكن حاشاه صلى الله علیه وسلم أن يقبل المداھنة في ھذا الدين، وأن يُمیِّع قضیة التوحید إلى ھذا الحد الذى يجعله يسكت عن الصدع بھا في وجه الكافرين والمعاندين، و لیت أصحاب الحلول السیاسیة والبرلمانیة يستفیدون من ھذا الدرس فیكفوا عن المداھنات وما تجلبه من حماقات وتنازلات، وھا ھى تجاربھم في أرض الواقع تتوالى دون فائدة ولا عائدة، إلا ما كان من حسرات.

 

ولما لم تفلح مساومات قريش للنبي صلى الله علیه وسلم، لجأوا إلى أسلوب التحدى والتعجیز، وأرادوا إحراج النبي صلى الله علیه وسلم بمطالبته بالإتیان بالمعجزات التي تثبت نبوته {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِیلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْھَارَ خِلالَھَا تَفْجِیراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَیْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِیلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَیْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِیِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَیْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ}فلم يجبھم النبي صلى الله علیه وسلم إلا بقوله {َقُلْ سُبْحَانَ رَبِّي ھَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً {[الاسراء90:93].

 

وقد تتابع طلب المشركین للآيات والمعجزات حتى قالوا للنبي صلى الله علیه وسلم : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذھبا نؤمن بك ! قال: وتفعلون؟ قالوا : نعم ! فأنزل الله تعالى {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِھَا الْأَوَّلُونَ وَآتَیْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِھَا { [الاسراء59].

 

 وأخبر جبريل النبي صلى الله علیه وسلم أن الله لو أجابھم إلى ما طلبوا ولم يؤمنوا لأھلكھم كما أھلك ثمود، وأمام إلحادھم وعنادھم استجاب الله لھم.

 

و سألوه أن يشق لھم القمر نصفین ! فأراھم القمر شقین حتى رأوا جبل حراء بینھما.

 

ولكن سرعان ما كذبوا واتھموا رسول الله صلى الله علیه وسلم بالسحر فسجل الله موقفھم في القرآن عارا وشنارا {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ {[القمر2،1].

 

ولما رأت قريش أن جمیع وسائلھا وأسالیبھا لم تُجدِ شیئا مع المسلمین، أعادت النظر في سیاستھا لمواجھة الدعوة، وانتھت إلى أشد أسالیب المحاربة قسوة، وأبلغھا ضراوة، لقد اعتمدت قريش أسلوب الحصار الاقتصادى للمسلمین، وقررت المقاطعة العامة لھم ولمن يرضى بدينھم أو يعطف علیھم أو يحمى أحدھم ، ولا يبیعونھم، ولا يبتاعون منھم، ولا يخالطوھم، ولا يزوجونھم ، ولا يتزوجون منھم حتى يُسْلمِوا رسول الله صلى الله علیه وسلم.

 

 وقد دخل مشركو بنى ھاشم وبني عبد المطلب في ذلك الحصار مع المسلمین ، أنفة وحمیة للقرابة والرحم ، وإباء للذل الذى يلحقھم فیما لو أسلموا محمدا صلى الله علیه وسلم، واشتد الحصار على المسلمین وبلغ أقصاه حتى أكلوا ورق الشجر، وتحملوا في ذات الله الويلات، وبقى المسلمون محاصرين لسنوات ثلاثة في شعب أبي طالب ثم خرجوا أصلب عودا، وأثبت يقینا، وأشد تفانیا في نصرة الحق.

 

وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادھا الأجسام.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 2+2=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع