المقالات

الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.

 

فقد شاء الله عز وجل أن يكون نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، ورسالته خاتمة الرسالات.

وشاء أن تكون الرسالة – وهي القرآن الكريم – هي ذاتها الدليل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وبما أن الرسالة عامة للناس باقية ما بقوا، كان اللازم أن تكون المعجزة كذلك باقية ما بقي الناس.

وعليه كان القرآن الكريم الرسالة الباقية والمعجزة الخالدة، به تحدى الله تعالى الإنس والجن على الإتيان بمثله أو ببعض منه، فلا جاؤوا بمثله ولا ببعضه، مع أنه كلام عربي،  ذلك حير الأعداء والأصدقاء، حاروا في إعجازه، فمنهم قائل: معجز ببيانه، ومنهم قائل معجز بأخباره الصادقة، ومنه قائل: بتشريعاته، ومنه قائل: بكل ذلك.

 

تعريف البلاغة :

البلاغة هي إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ , وأعلى طبقات البلاغة في الحس هي بلاغة القرآن, وهذا وجه من وجوه الإعجاز .

 

أقسام البلاغة :

قسم العلماء البلاغة إلى عشرة أقسام هي :

1-   الإيجاز .

2-   التشبيه .

3-   الاستعارة .

4-   التلاؤم .

5-   الفواصل .

6-   التجانس .

7-   التصريف .

8-   التضمين .

9-   البلاغة .

10-  البيان .

 

أولاً الإيجاز : 

هو تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى .

أقسام الإيجاز : يقسم العلماء الإيجاز إلى قسمين :

  • إيجاز حذف .
  • إيجاز قصر .

إيجاز الحذف :

هو إسقاط كلمة للاجتزاء منها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام , ومثاله قوله تعالى : { وَاسْأَلِ القَرْيَةَ } [ يوسف : 82 ] أي اسأل أهلها , وقد حذفت لدليل معنوي , وهو أن القرية لا تعقل وبالتالى فالسؤال إلى أهلها وليس لها ومثله { وَاسْأَلِ العِيْرَ } [ يوسف  ] .

وهناك نوع آخر من إيجاز الحذف وهو حذف الأجوبه, ومنه قوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ... } [ الرعد : 31 ] .

إيجاز القصر :

وهو التعبير عن المعاني الكثيرة بألفاظ دقيقة, وهذا الوجه أدق من سابقه, وإيجاز القصر أبلغ من إيجاز الحذف, ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ... } [ البقرة : 179 ] مقارنة بما استحسنه الناس من إيجاز في قولهم القتل أنفى للقتل , ومقارنته كانت من أربعة وجوه :

 

الأول : أنها أكثر في الفائدة ففي الآية زيادة عن القول المأثور, والإشارة إلى العدل لذكرها القصاص, وإبانة الغرض المرغوب فيه وهو الحياة .

الثاني : إيجاز العبارة, فالآية عشرة حروف والقول أربعة عشر .

الثالث : البعد عن التكرار, حيث كرر في القول لفظ القتل .

الرابع : حسن التأليف بين الحروف, فالانتقال من الحرف إلى الذي بعده في الآية أسلس .

 

ثانيا : التشبيه
 وهو العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حس أو عقل , والمعنى: إقامة الكلام على وصف شيء بشيء لصفة مشتركة بينهما .

والتشبيه البليغ على مراتب يتفاضل بها أصحاب القول , وهي :

 

الوجه الأول : إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه, كقوله تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } [النور : 39 ], فهذا بيان قد أخرج مالا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه, وقد اجتمع في بطلان المتوهم مع شدة الحاجة, ولو قال يحسبه الرائي ماء ثم يظهر على خلاف ما قدر لكان بليغا, وأبلغ منه لفظ القرآن, لأن الظمآن أشد حرصا عليه, وتعلقا بقلبه ثم بعد هذه الخيبة حصل على الحساب الذي يصيره إلى العذاب .

 

الوجه الثاني: إخراج ما لم تجر به عادة إلى ما قد جرت به, كقوله تعالى: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا  } [ الحديد : 20 ] .

 

فقد اجتمعا في شدة الإعجاب ثم في التغير بالانقلاب وفي ذلك الاحتقار للدنيا والتحذير من الاغترار بها والسكون إليها .

 

ومنه كذلك قوله تعالى { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ } [ القمر : 19 , 20 ] , وقد اجتمعا في قلع الريح لهما وإهلاكها إياهما وفي ذلك الآية الدالة على عظيم القدرة والتخويف من تعجيل العقوبة .

 

والوجه الثالث : إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها , كقوله تعالى : {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا... } [ الجمعة : 5 ] .

 

وقد اجتمع في الجهل بما حمل , وفي ذلك العيب لطريقة من ضيع العلم بالاتكال على حفظ الرواية من غير دراية, الوجه الرابع إخراج مالا قوة له في الصفة إلى ما له قوة فيها كقوله تعالى: { وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ } [ الرحمن : 24 ] , وقد اجتمعا في العِظَم إلا أن الجبال أعظم , وفي ذلك العبرة من جهة القدرة في ما سخر من الفلك الجارية مع عظمها, وما في ذلك من الانتفاع بها وقطع الأقطار البعيدة فيها .

 

ثالثاً: الاستعارة:
وهي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النفل للإبانة.

ومعيار التفريق بين التشبيه والاستعارة أن التشبيه يكون بأداة ملفوظة أو مفهومة وهو على أصله, أما الاستعارة فهي استعمال الكلمة على غير ما وضعت له.

أركان الاستعارة:-

 

1-   المستعار، ويقصد به الكلمة.

2-   المستعار منه، ويقصد به المعنى الذي وضعت له الكلمة في أصل اللغة.

3-   المستعار له، ويقصد به المعنى الذي استعملت فيه الكلمة.

أمثلة تطبيقية على الاستعارة من القرآن:-

 

  • قوله تعالى: { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } [الحجر94] حقيقته بلغ ما تؤمر به، والاستعارة أبلغ من الحقيقة إذا أدت بياناً أقوى؛ لأن الصدع بالأمر لابد له من تأثير، فيصير بمنزلة ما لم يقع، والمعنى الذي يجمعهما الإيصال، إلا أن الإيصال الذي له تأثير كصدع الزجاجة أبلغ.
    ومن بلاغة الاستعارة: الإيجاز، ويمثل بقوله تعالى: { إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ } [الملك: 7] فحقيقته صوت كشهيق الباكي والاستعارة أبلغ منه وأوجز.
  • وفي قوله تعالى: { تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } [الملك: 8] حقيقته: الغليان، والاستعارة أبلغ منه؛ لأن مقدار شدة الغيظ على النفس محسوسة، وفي ذلك أعظم الزجر.
  • وقوله تعالى: { وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً } [الإسراء: 12] فمبصرة هنا استعارة وحقيقتها مضيئة.

رابعاً: التلاؤم:
ويعرف بأنه تعديل الحروف في التأليف وهو نقيض التنافر، وتوضيح هذا أن مخارج حروف اللغة العربية مختلفة، تبدأ من أقصاها بعداً إلى الداخل وهو الحلق، إلى أقربها إلى الخارج وهو الشفتين، فإذا كان الانتقال من حرف إلى الذي بعده سهلاً سلساً فإن هذا من التلاؤم.


وأما إن كان في الانتقال صعوبة قد تؤدي إلى التلعثم فهو التنافر، ويضرب لذلك مثالاً قول الشاعر:

 

وقبر حرب بمكان قفر                          وليس قرب قبر حرب قبر


وانظر إلى التباعد والتقارب بين مخارج الحروف في قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا....} [البقرة 245] فالميم والنون والذال متقاربان جداً والألف بعيد المخرج عنها ومع ذلك فإنك لا تحس بتنافر في الآية.

 

خامساً: الفواصل:
وهي حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني.

وفواصل القرآن بلغت أعلى رتبة في البلاغة، وهي تشبه ما يسمى بالسجع من جهات، لكن السجع دونها في الرتبة.
وليس السجع إلا مشاكلة صوتية لذا سمي سجعاً من سجع الحمام الذي ليس فيه إلا المشاكلة الصوتية.

والفواصل نوعان:-

1-   الحروف المتجانسة، نحو: { وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ }

2-   الحروف المتقاربة نحو: { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } ومزية بلاغة الفواصل المتقاربة أنها تزيد الكلام بياناً بتمييز الفواصل والمقاطع، ولما فيه من حسن العبارة.

 

سادساً: التجانس:
ويعرف بأنه بيان بأنواع الكلام الذي يجمعه أصل واحد في اللغة، وهو قريب مما يسمى عند علماء البديع بالجناس، ولكنه أعم منه، وهو نوعان:-

1-   مزاوجة ومثاله قوله تعالى : {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ...} [البقرة: 194] أي جاوزه بما يستحق على طريق العدل، إلا أنه استعير للثاني لفظ الاعتداء لتأكيد دلالة المساواة في المقدار، فجاء على مزاوجة الكلام لحسن البيان، وهذا النوع يقع في الجزاء غالباً.

2-   مناسبة وهي تدور على فنون المعاني التي ترجع إلى أصل، ومنه قوله تعالى: { ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ...} [التوبة: 127] فجونس بالانصراف عن الذكر صرف القلب عن الخير، والأصل فيه واحد وهو الذهاب عن الشيء، أما هم فذهبوا عن الذكر.

 

سابعاً: التصريف:
ومعناه تصريف المعنى في المعاني المختلفة، كتصريفه في الدلالات المختلفة.
ولعل المقصود هو ما يعبر عنه  بتقديم المعنى المراد بعدة اعتبارات، نحو القصة في القرآن تذكر أكثر من مرة بأكثر من عبارة، وكلها تخدم المعنى وتثريه وتكمله من غير تكرار مخل.

 

ثامناً: التضمين:
ومعناه حصول معنى في الكلام من غير اسم له أو صفة، ومثاله قوله تعالى { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } يتضمن عدة معان منها: تعليم الاستفتاح بها، والتبرك بها، وتعظيم الله بها، وإقرار بالعبودية، واعتراف بالنعمة، ومعان أخرى محتملة وصحيحة وكلها مرادة.

 

تاسعاً: المبالغة:
وهي الدلالة على كبر المعنى على جهة التغيير عن أصل اللغة لتلك الإبانة.
ومنه إخراج الممكن إلى الممتنع للمبالغة، نحو قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ...} [الأعراف: 40].

ومنه إخراج الكلام مخرج المشكوك فيه نحو قوله تعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } [الزخرف: 81].

ومنه حذف الأجوبة، نحو حذف جواب لو في قوله تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [الأنعام: 27] وجواب لو: رأيت أمراً عظيماً.

 

عاشراً: البيان:
وهو الإحضار لما يظهر به تميز الشيء من غيره في الإدراك، ومعنى ذلك: إيصال المعنى إلى الذهن بحيث يتميز الشيء عن غيره.
والبيان أربعة أقسام: كلام وحال وإشارة ووعلامة.

وقد بلغ القرآن نهاية الحسن في البيان فلا سبيل لمعارضته.

 

والحمد لله رب العالمين.

  1. جزاك الله خيرا
    وجعله الله تعالى فى ميزان حسانتك شيخنا

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 3+3=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع