المقالات

بيعة العقبة الثانية

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

لما أرسل رسول الله صلى الله علیه وسلم مصعب بن عمیر إلى أھل يثرب يعلمھم القرآن ويفقھھم في الدين، انتشر الإسلام في المدينة قبل ھجرة النبي صلى الله علیه وسلم ولم يبق بیت من الأنصار إلا دخله الإسلام.


وبقى رسول الله صلى الله علیه وسلم بمكة يلاقي عنت المشركین وأذاھم، فتحركت مشاعر الأخوة الإيمانیة في قلوب الأنصار وتساءلوا فیما بینھم: حتى متى نترك رسول الله صلى الله علیه وسلم يطُوف ويُطردُ في جبال مكة ويخاف؟!

 

فخرج منھم بضع وسبعون نفساً جاءوا ضمن حجاج قومھم من المشركین في موسم حج السنة الثالثة عشرة من البعثة، ولما قدموا مكة جرت بینھم وبین النبي صلى الله علیه وسلم اتصالات سرية أدت إلى اتفاق الفريقین على أن يجتمعوا لیلاً في أوسط أيام التشريق.


 وكان ھذا الاجتماع الذي تمخضت عنه بیعة العقبة الثانیة ھو الأساس الذي ھاجر رسول الله صلى الله علیه وسلم إلى المدينة بناء علیه.

 

قال كعب بن مالك الأنصاري رضى الله عنه: فنمنا تلك اللیلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث اللیل خرجنا من رحالنا لمیعاد رسول الله صلى الله علیه وسلم، نتسلل تسلل القطا مستخفین، حتى إذا اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا ننتظر رسول الله صلى الله علیه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وھو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخیه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، قال: إن محمداً منا حیث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن ھو على مثل رأينا فیه، فھو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحیاز إلیكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إلیه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إلیكم، فمن الآن دعوه، فإنه في عز ومنعة من عشیرته وقومه وبلده.


فقلنا له: قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت قال: فتكلم رسول الله صلى الله علیه وسلم فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغَّب في الإسلام، فأجبناه بالإيمان والتصديق له، وقلنا له: خذ لربك ولنفسك، فقال: "أشترط لربي أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شیئاً، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم متى قدمت علیكم"، وفي رواية جابر عند الإمام أحمد قلنا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: "على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر والیسر، وعلى الأمر بالمعروف والنھي عن المنكر، وعلى "أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إلیكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، وأزواجكم، وأبناءكم ولكم الجنة.


قال جابر: فقمنا نبايعه رجلاً رجلاً، فأخذ بیده أسعد بن زرارة فقال: رويداً يا أھل يثرب! إنا لم نضرب إلیه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه الیوم، مفارقة العرب كافة، وقتل خیاركم، وأن تعضكم السیوف، فإما أنتم تصبرون على السیوف إذا مستكم، وعلى قتل خیاركم، وعلى مفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله عز وجل، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خیفة فذروه فھو أعذر لكم عند الله !
قالوا يا أسعد بن زرارة: أمط عنا يدك، فو الله لا نذر ھذه البیعة ولا نستقیلھا ولا نسلبھا أبداً.


ثم قال أبو الھیثم بن التیھان: يارسول الله، إن بیننا وبین الرجال عھوداً  يعنى الیھود  وإنا لقاطعوھا، فھل عسیت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظھرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله علیه وسلم وقال: "بل الدم الدم، والھدم الھدم، أي إذا طالبتم بدم طالبت به، وإذا أھدرتموه أھدرته، أنا منكم، وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم".

 

 فبايعه الأنصار على ما طلب، ثم قال: "أخرجوا إلى منكم اثنى عشر نقیباً لیكونوا على قومھم بما فیھم"، فأخرجوا منھم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقبل انصراف الأنصار إلى رحالھم سمعوا الشیطان يصرخ منذراً قريشاً بأن القوم اجتمعوا لحربھم فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: "أى عدو الله، و لله لأفرغن لك"، ثم قال: "ارجعوا لرحالكم"، فقال له العباس بن عبادة الأنصاري: والذي بعثك بالحق، إن شئت لنمیلن على أھل منى غداً بأسیافنا، فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: "لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالك".

 

فرجعوا وناموا حتى أصبحوا، وفي الصباح جاء وفد من زعماء قريش وصناديد كفرھا للاحتجاج على ما سمعوه من المعاھدة، وقالوا: يا معشر الخزرج ! بلغنا أنكم جئتم لصاحبنا تخرجونه من أرضنا وتبايعونه على حربنا، ولما كان مشركوا الخزرج لا يعرفون شیئاً عن ھذه البیعة لأنھا تمت في سرية تامة وفي ظلام اللیل، أخذ ھؤلاء المشركون من أھل يثرب يحلفون بالله ما كان من شيء، وما علمناه.


وجعل عبد الله بن أبيّ كبیر الخزرج يقول: ما كان ھذا، أما المسلمون فنظر بعضھم إلى بعض ولاذوا بالصمت، فلم يتحدث أحد منھم بنفي أو إثبات.

 

 وھكذا أتم الله الصفقة للأنصار الذين أووا إلى الله بإيمانھم وثباتھم، وآووا رسوله وأصحابه المھاجرين بتضحیاتھم، واستطاعوا بمواقفھم أن يسجلوا على صفحات الدھر عزاً، ومجداً، وشرفاً، وسؤدداً، فرضى الله عن أصحاب رسول الله صلى الله علیه وسلم أجمعین.

 

وبعد هذا الموقف العظيم من الأنصار فإن معاني الأخوة والمحبة، والموالاة والنصرة، والبذل والعطاء، وغیرھا من مقتضیات الإيمان الصادق، الذي تحلى به ھؤلاء الأنصار ھو الذي جعلھم يقفون ھذه المواقف التي لم تكتحل عین الزمن بمثلھا، لقد كان بوسعھم أن يكتفوا بإيمانھم وتصديقھم، وصلاتھم وزكاتھم، ويبقوا آمنین في ديارھم وأوطانھم، ولا علیھم مما يحدث لغیرھم من المسلمین المستضعفین، وما عساھم أن يفعلوا، والكفر غالب، والباطل ظاھر، والمسلمون مستضعفون.


لكن الروح الإيجابیة التي اكتسبوھا من النصوص القرآنیة التي قرأھا علیھم مصعب بن
عمیر خلال ھذه الأسابیع القلیلة التي مرت على إسلامھم، ھذه الروح الإيجابیة جعلتھم يتحملون مسئولیة نشر الدين، والدفاع عنه، والتضحیة في سبیله.

 

إن تحملھم للمسؤولیة جعلھم لا يبالون بمشركي يثرب وھم أغلبیة في ذلك الوقت، ولا يخشون كفار مكة، وھم من قوة وبأس وكثرة وطولا.

 

 إن استعلاء الإيمان لدى ھذه الفئة المؤمنة القلیلة التي لم تتجاوز السبعین إلا قلیلا، جعلھم يعلنون منذ اللحظة الأولى استعدادھم للتضحیة بأنفسھم، والمغامرة بأرواحھم: إن شئت لنمیلن على أھل منى غداً بأسیافنا! غیر ھیابین ولا مترددين.

 

ألا ما أحوجنا أن نسترخص أرواحنا ونفوسنا، وأموالنا وأوقاتنا، ومناصبنا ووجاھتنا في سبیل نصرة ھذا الدين الذي يحتاج إلى أمثال ھؤلاء الرجال الذين صدقوا الله فصدقھم، ونصروا الله فنصرھم {وَمَنْ أَوْفَى بِعَھْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: من الآية111]

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع