المقالات

الهجرة النبوية

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

بعد أن تمت بیعة العقبة الثانیة، ونجح الإسلام في تأسیس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجھالة، عاد الأنصار إلى المدينة ينتظرون ھجرة النبي  صلى الله علیه وسلم إلیھم بتلھف كبیر.

وأذن رسول الله  صلى الله علیه وسلم  للمسلمین بالھجرة إلى ھذا الوطن الذي اختاره الله مھجراً لرسوله  صلى الله علیه وسلم

ولم تكن الھجرة مجرد التخلص من إيذاء المشركین أو الفرار من الفتنة في الدين، بل كانت كذلك إيذاناً بمیلاد دولة الإسلام، وإقامة مجتمع التوحید الذي تھفوا إلیه نفوس المؤمنین .

 

وإذا كان امتحان المسلمین قبل الھجرة متمثلاً في الإيذاء والتعذيب وتحمل ألوان السخرية والاستھزاء والتكذيب فإن الھجرة كانت تمثل امتحاناً لیس أقل ضراوة، حیث سیترك المھاجر الأوطان والديار والقرابات والأموال، والأصحاب والذكريات، بل سیغامر بنفسه وربما فقدھا في أثناء الطريق.


فقد سعت قريش بشتى الطرق إلى عرقلة الھجرة أمام المھاجرين، مرة بحجز أموالھم ومنعھم من حملھا، ومرة بحجز زوجاتھم وأطفالھم، وثالثة بالاحتیال لإعادتھم إلى مكة، لكن شیئاً من ذلك كله، لم يعق موكب الھجرة، فالمھاجرون كانوا على أتم استعداد للانخلاع من أموالھم وأھلیھم ودنیاھم كلھا تلبیة لنداء العقیدة، ونصرة لدين الله وتأسیساً وإقامة لمجتمع الإيمان .

 

لقد ضرب المسلمون بھجرتھم أروع أمثلة التضحیة من أجل الدين.
فھذه أم سلمة تحكي قصة ھجرتھا مع زوجھا وابنھا، وھم أول أھل بیت ھاجر، فلما رآه أصھاره مرتحلاً بأھله قالوا: ھذه نفسك غلبتنا علیھا ! أرأيت صاحبتنا ھذه؟ علام نتركك تسیر بھا في البلاد فأخذوا منه زوجته !، وغضب آل أبي سلمة لصاحبھم فقالوا: لا و الله لا نترك ابننا عندھا إذ نزعتموھا من صاحبنا ! وتجاذبوا الغلام بینھم حتى خلعوا يده ! وانطلق أبو سلمة مھاجراً وحده إلى المدينة، وحبست أم سلمة عند قومھا وذھب قوم أبي سلمة بالولد! قالت: ففُرِّق بیني وبین زوجي وبین ابني ! فكنت أخرج كل غداة بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبا منھا حتى مر بي رجل من بني عمي فرحمني، فقال لقومه: ألا تخرجون ھذه المسكینة، فرَقتم بینھا وبین زوجھا وولدھا؟ فقالوا لي: إلحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنھا من أعمامه، وارتحلت بعیرھا، فخرجت بولدھا تريد المدينة ما معھا من أحد من خلق الله .


 وفي الطريق لقیھا عثمان بن طلحة، وكان مشركاً فأخذته مروءة العرب ونخوتھم فقال: ما لھذه من متْرَك فانطلق بھا يقودھا إلى المدينة، كلما نزل منزلاً استأخر عنھا مروءة، كما قال صاحبه الجاھلي: وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مثواھا.

 

فلما وصل قباء قال: زوجك في ھذه القرية فادخلیھا على بركة الله ثم انصرف راجعاً إلى مكة.
 فكانت أم سلمة  رضي الله عنھا  تقول: و الله ما أعلم أھل بیت في الإسلام أصابھم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحباً قط أكرم من عثمان بن طلحة .

 

قصة ھجرة عجیبة! وأعجب منھا موقف ذلك المشرك الذي صاحب ھذه المرأة المسلمة التي لیست على دينه لیوصلھا، وأحسن معاملتھا، وغض بصره عنھا طیلة خمسمائة من الكیلو مترات قطعھا في أيام، ثم عاد إلى مكة دون راحة.


 فأي مروءة، وأي شھامة يتعلمھا شباب المسلمين الآن من رجل كافر ملك نفسه وملك إرادته، وغض بصره، إنھا سلامة الفطرة التي قادته أخیراً إلى الإسلام بعد صلح الحديبیة .


ولعل إضاءة قلبه بدأت منذ تلك الرحلة مع المرأة المسلمة .

ومن الصور المضیئة لتضحیات المھاجرين  رضي الله عنھم: ھجرة صھیب  رضي الله عنه  فإنه لما أراد الھجرة قال له كفار قريش: أتیتنا صعلوكاً حقیراً فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك ! و الله لا يكون ذلك ! فقال لھم صھیب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلون سبیلي؟ قالوا: نعم ! قال: فإني قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله  صلى الله علیه وسلم  فقال :ربح صھیب .

 

وھكذا أخذ المھاجرون يتركون مكة تباعاً، حتى كادت تخلوا من المسلمین، وشعرت قريش أن الإسلام أضحت له دار يأرز إلیھا، وحصن يحتمي به، فتوجست خیفة من عواقب ھذه المرحلة الخطیرة في دعوة محمد  صلى الله علیه وسلم  وھاجت في دمائھا غرائز السبع المفترس حین يخاف على حیاته فقررت قتل النبي  صلى الله علیه وسلم  للقضاء على الدعوة التي أقلقت مضاجعھم .

فأخبر الله رسوله  صلى الله علیه وسلم  بمكرھم { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِیُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَ الله خَیْرُ الْمَاكِرِينَ } [الأنفال: 30].

 

وأذن الله لرسوله  صلى الله علیه وسلم  بالھجرة، فجاء منزل أبي بكر نحو الظھیرة، وقد اشتد الحر في وقت لا يخرج فیه أحد عادة .

 

لقد عرف النبي  صلى الله علیه وسلم أن قريشاً ترصده فأراد أن يأخذ حذره، وعندما أُخبر أبو بكر بقدومه في ھذا الوقت، عرف أن الأمر خطیر، ولما أخبر النبي  صلى الله علیه وسلم  أبا بكر أن الله أذن له في الخروج، قال: الصحبة يا رسول الله ؟ قال: الصحبة ! تقول عائشة: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك الیوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي !

 

ووضع النبي  صلى الله علیه وسلم خطة الھجرة مراعیاً ما يمكنه من أسباب دون تواكل على النصر الموعود .

 

فقد اتفق مع أبي بكر على الخروج لیلاً إلى غار ثور، ومن جھة غیر الجھة المعتادة التي يذھب الناس إلى المدينة منھا، وأن يمكثا في الغار ثلاثة أيام حتى يخف الطلب عنھما.


 واستأجرا دلیلاً ماھراً بمسالك الصحراء لیقودھما إلى المدينة ، وقد استأمنه مع كونه مشركاً، ودفعا إلیه راحلتیھما اللتین كان أعدھما أبو بكر لذلك، لكن رسول الله  صلى الله علیه وسلم  أبى إلا أن يدفع ثمن راحلته كي يبذل في الھجرة من ماله كما يبذل من نفسه! وزودتھما أسماء بالطعام .

 

وكان عبد الله ابن أبي بكر يتسمع لما يقوله الناس بالنھار ثم يخبرھما في اللیل، فیعفى عامر بن فھیرة على آثار قدمیه بأن يروح بغنمه علیھا.
 كما أمر النبي  صلى الله علیه وسلم  علیاً أن يبیت في فراشه.


 ومع روعة التخطیط البشري واستفراغ الواسع، وأخذ الحیطة البالغة، إلا أن النبي  صلى الله علیه وسلم  ما كان لیركن إلى الأسباب، وإنما كان واثقاً بربه، متوكلاً علیه، موقناً بحسن تدبیره لنبیه، ونصرته لدينه، فحینما وجد فوارس قريش، وقصاص الأثر في طلب النبي  صلى الله علیه وسلم  وانتشروا في الجبال والوديان، وصل بعضھم إلى فم الغار، حتى رأى الصديق أقدامھم، فخاف على النبي  صلى الله علیه وسلم  لأن مستقبل الأمة متعلق به، فقال: يا نبي الله لو أن بعضھم طأطأ رأسه لرآنا فقال النبي  صلى الله علیه وسلم: يا أبا بكر: ما ظنك باثنین الله ثالثھما؟! وقد أثنى الله على ذلك الیقین والتوكل التام بقوله : { ثَانِيَ اثْنَیْنِ إِذْ ھُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } [التوبة: من الآية 40].

 

ومن عظیم توكله  صلى الله علیه وسلم  وكمال يقینه ما جرى مع سراقة بن مالك، الذي علم أن قريشاً جعلت مائة ناقة لمن يدل على النبي  صلى الله علیه وسلم  حیاً أو میتاً فتتبعھما  بفرسه حتى دنا منھما، وكان أبو بكر يكثر الالتفات خوفاً على النبي  صلى الله علیه وسلم  وإشفاقاً على الأمة أن تصاب في نبیھا صلى الله عليه وسلم.

 

 وكان رسول الله  صلى الله علیه وسلم  ثابتاً لا يلتفت، ولم يزد على أن قال لما علم بقرب سراقة: اللهم اصرعه ! فاستجاب الله له، فساخت قدما فرسه في الأرض، وعلم أن النبي  صلى الله علیه وسلم  ممنوع، وأنه ظاھر، فطلب منه أن يكتب له كتاب أمان، وعرض على النبي  صلى الله علیه وسلم  المساعدة، فقال: اخف عنا !
 فأصبح أول النھار جاھداً علیھما، وأمسى آخره حارساً لھما .

 

وواصل النبي  صلى الله علیه وسلم  رحلته إلى المدينة، وتعددت مظاھر عناية الله له وظھرت دلائل بركته، واشتد شوق أھل المدينة إلیه لما علموا بخروجه.

 

 فكانوا ينتظرونه كل يوم، ولا يرجعون حتى يشتد الحر، فلما شرفت المدينة بمقدمه، لم يفرح الناس بشيء فرحھم برسول الله  صلى الله علیه وسلم  حتى جعلت النساء والصبیان والإماء يقولون: جاء رسول الله، جاء رسول الله .

 

ونزل رسول الله  صلى الله علیه وسلم  على أخواله من بني النجار، وعمت الفرحة أرجاء يثرب التي تغیر فیھا كل شيء منذ ذلك الیوم، حتى اسمھا، إنھا الآن المدينة المنورة، مدينة النبي  صلى الله علیه وسلم  وحتى سكانھا، إنھم الآن أنصار رسول الله  صلى الله علیه وسلم  الذين { يُحِبُّونَ مَنْ ھَاجَرَ إِلَیْھِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِھِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِھِمْ وَلَوْ كَانَ بِھِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ ھُمُ الْمُفْلِحُونَ } [الحشر: من الآية 9].

  1. سماح November 10, 2014

    انا فرحت جداجدا لان هذاالمقال لا اتصور او لا استطيع ان اصف مدي روعته اوغايته في الجمال

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع