المقالات

رمضان موعظة من الله

فضيلة الشيخ /  طارق منير


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

 

فيأتي رمضان وقلوب الموحدين تهفوا إليه لتصافح أيامه بالصيام وتعانق لياليه بالقيام، وبين الصيام والقيام يُتلى القرآن ويُطعم الطعام، يأتي رمضان وقد استبشرت بمقدمه الكائنات وعم خيره السبع الطباق، كيف لا؟ وأبواب الجنة فتحت كلها فلم يغلق منها باب، داعيةً إلي الغرس والبدار.

 

وأبواب النار مغلقة فلم يفتح منها باب، قد آذنت بسعة رحمة الله تعالى وعظيم جوده علي عباده ومنادي الله قد نادى في أرجاء هذا الكون الفسيح "يا باغي الخير أقبل وياباغي الشر أقصر". ولله عند كل فطر عتقاء ولكل مسلم ومسلمة دعوة مستجابة في كل يوم وليلة، ومن صامه إيماناً بالله واحتساباً للأجر غير كاره ولا مستثقل لصيامه غفر له ما تقدم من ذنبه، وفي القيام مثل ذلك.


بل وفيه ليلة القدر ومن يقم ليلة القدر إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه .

 

فهل يشبه هذا الزمان زمان؟ أو تشاكل تلك الأيام أيام؟

 

جاء رمضان موعظة من ربكم، يذكركم الله عز وجل فيه بحقه عليكم من التوحيد والعبودية وإخلاص العمل له سبحانه .

 

وجاء في الحديث القدسي الذي في الصحيح: " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي يدع طعامه وشرابه من أجلي ".

 

هذا المعني الذي يعظكم به ربكم في الصيام، فهذا حق الله عز وجل علي عباده أن يفردوه بالعبودية والوحدانية لا رب لنا سواه ولا إله لنا غيره {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} والإخلاص لا يتحقق في شيء من العبادات تحققه في الصيام، ومن ثم اختصه الله جل وعلا من بين سائر الأعمال.

 

والإخلاص هو إكسير حياة الأعمال وقطب رحاها، وكم من عمل لم يقم علي ساق الإخلاص لله جل وعلا صار هباءاً منثوراً، هبط من أعلى عليين إلي أسفل سافلين {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان23].

 

يأتي الصيام وناهيك بها من عبادة تكف النفس عن شهواتها وتخرج العبد من شبه البهائم إلي شبه الملائكة المقربين فتحلق روح العبد بالصيام في الملأ الأعلى، وهذا هو سر الصيام العظيم، ومن ثم ما استعان أحد علي تقوى الله عز وجل بمثل الصيام لأنه يكسر شهوة النفس، ويفرح القلب، ويزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، ويظهر الصائم بصورة من لا حاجة له في الدنيا، فهو قد أعرض عن شهوات الحياة وملذاتها من طعام وشراب وشهوة، ومن ثم كان الصيام قائداً لا محالة للتقوى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}ِ [البقرة183].

 

جاء رمضان موعظة من ربكم؛ ليذكركم عز وجل فيه بجناته، فما أن يقبل رمضان حتي يدخل الناس جنة الدنيا ألا ترون هذا الخير العظيم؟! فالعيون رقراقة والقلوب مشفقة والصدور منشرحة والخير منتشر هنا وهناك، وهذا أثر من فتح أبواب الجنان، وأحس الناس بعبير الجنة وهم في الدنيا.

 

فشمروا عن ساعد الجد، وأنتم في جنة الدنيا  فمن لم يدخل جنة الدنيا فهو بعيد من جنة الآخرة.

 

أيها المسلمون:


يأتي رمضان موعظة من ربكم؛ كي يعظ الناس ألا ينخدعوا بالظواهر دون النظر إلي الحقائق والمآلات، فرب مكروه عند الناس مستحسن عند رب الناس؛ ففي الحديث الصحيح "ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".

 

فإذا كان مستكرها عند الناس فهو محبوب عند الله لأنه أثر طاعة ويكون يوم القيامة أطيب من ريح المسك، مثل دم الشهيد، فتظهر يوم القيامة الحقائق وتظهر أنوار المؤمنين فينبغي أن يصحح الناس موازينهم فلا يزنونها إلا بميزان الشريعة، فليست الأمور بظواهرها، وأحداث سورة الكهف شاهدة على ذلك.

 

جاء رمضان موعظة من ربكم؛ ليعظ الله جل وعلا عباده في قضية تربية النفوس علي مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات وفي الحديث: "والصيام جنة يستجن بها العبد من النار" "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن امرؤ شاتمه أو سابه فليقل إني امرؤ صائم"، وقد أقسم الله عز وجل علي هذا الأمر أحد عشر قسماً متتالياً ثم قال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس 9،10] فقد أفلح من زكي نفسه ونماها بطاعة الله وقد خاب من دنسها ونجسها بمعصية الله.

 

جاء رمضان موعظة من ربكم، يعظ الله فيها بقضية البذل والإنفاق، بذل المال والطعام وبذل النفس لإعلاء كلمة الله.

 

روى الطبراني من حديث أبي أمامة الباهلي مرفوعاً: " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام وأدام الصيام وصلي بالليل والناس نيام"  وعند أحمد زيادة "وألان الكلام".

 

قال مالك رحمه الله: (إذا جاء رمضان فهو لتلاوة القرآن وإطعام الطعام)، ولذلك شرعت صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

 

وفي الصحيح: "كان صلي الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان يدارسه القرآن وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة".

 

يأتي الصيام موعظة من الله تعالى؛ لبيان قضية بذل النفس لإعلاء كلمة الله ففي هذا الشهر كانت الفتوحات العظيمة بدايةً من غزوة بدر ومرورا بفتح مكة، والمواقع العظيمة كحطين وعين جالوت وغيرها.

فرمضان ليس شهر الكسل بل هو شهر العمل والجد وبذل النفس لخالقها وبارئها {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة 111].

 

يأتي الصيام موعظة للناس جميعاً حكاماً ومحكومين ليرفعوا شعار الجهاد في سبيل الله الذي هو شعار العزة والكرامة، الذي إذا لم يرفعوه أصيبوا بالذل والشنار وسلط عليهم أعداؤهم.

 

جاء رمضان موعظة من ربكم، يعظكم الله جل وعلا باجتماع الكلمة وائتلاف الصف، وأن يكون الناس جميعاً صفاً واحداً؛ ففي الحديث: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، فالمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يصومون معاً ويفطرون معاً أمة ربها واحد، وكتابها واحد، ونبيها واحد، فعلام التفرق؟ وعلام التشرذم؟ قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران103].

 

فهذه رسالة الصيام لأمة المليار ليوحدوا الصفوف وتجتمع كلمتهم.

 

يأتي رمضان يعظ الناس أن يطبقوا أمر الله عز وجل، ويعيشوا في منهجه يأتي يذكر الناس بفضل القرآن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .....} [من الآية185].

 

لله درك يا شهر الصيام والقرآن والقيام، ما إن أتى إلا وتصالح الناس مع القرآن بعد هجران ونكران.


الجميع يتسابق علي ختم القران ليلاً ونهاراً، فقد جاء رمضان يُذَكِّر الناس بحق القرآن عليهم فيرجعوا إلي حلال القرآن فيحلوه وحرامه فيحرموه، ويتحاكمون إليه، وتطيب نفوسهم بحكمه.

 

جاء رمضان موعظة من ربكم؛ ليبين أن الأعمال تتضاعف في رمضان فعمرة في رمضان تعدل حجة وفي رواية في الصحيح حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد شرع الاعتكاف لترك الانشغال بالدنيا عن الله فيقبل العبد بقلبه علي مولاه ليس له هم إلا مرضاته في ليله ونهاره.

 

اللهم تقبل منها ووفقنا لما تحبه وترضاه.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 2+2=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع