المقالات

تأسيس الجتمع المدني

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

كانت الھجرة أھم حدث في تاريخ الدعوة الإسلامیة، حیث ترتب علیھا قیام الدولة، واستقلالیة الكیان السیاسي للأمة، ومن ثَمَّ الدفاع عن الإسلام، ونشره بین العالمین تحقیقاً لعالمیة الرسالة التي بعث بھا النبي  صلى الله علیه وسلم  لذلك لم يتردد عمر رضي الله عنه  لما أراد أن يدون التاريخ تحقیقاً لاستقلالیة الأمة، وتمیز شخصیتھا، وأنھا أمة متبوعة لا تابعة، لم يتردد أن اتخذ مناسبة الھجرة بداية للتاريخ الإسلامي.

 

لقد بدأ رسول الله  صلى الله علیه وسلم  منذ أن وطئت قدماه أرض المدينة يسعى إلى إنجاز المھام الملقاة على عاتقه في مطلع مرحلة جديدة من الدعوة تھدف إلى إنشاء الدولة الإسلامیة على أسس راسخة.

 

فكان بناء المسجد الخطوة الأولى على ھذا الطريق وقد اشترك النبي  صلى الله علیه وسلم  كعادته مع الصحابة  رضي الله عنھم  في بنائه، يحفر كما يحفرون، ويحمل الحجارة على كاھله كما يحملون، ويرتجز كما يرتجزون ترويحاً على أنفسھم من عناء العمل .


وقد ضاعف من حماس الصحابة  رضي الله عنھم رؤيتھم للنبي  صلى الله علیه وسلم وھو يعمل كأحدھم، ويكره أن يتمیز علیھم .


وتم المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمل والحصباء، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت الأرض، وقد تفلت الكلاب إلیه فتغدوا وتروح، بناء متواضع لا تكلف فیه، إذ لم يكن من سنة النبي  صلى الله علیه وسلم  ولا من ھدي أصحابه ھذا التكلف الذي نراه الیوم في مساجدنا من زخرفة وتشیید، وزينة وغلو، وتباه وتفاخر.


 ورغم ھذه البساطة التي بنى بھا مسجد رسول الله  صلى الله علیه وسلم إلا أنه سرعان ما غدا رمزاً لشمولیة ھذا الدين، وكمال منھجه.

 

كان مسجد النبي  صلى الله علیه وسلم  مدرسة يتعلم فیھا المسلمون أحكام دينھم، ومعھداً يتربون فیه فتحسن أخلاقھم، ومركزاً للتجمع، ومحلاً للمؤتمرات، ومكاناً لانعقاد الشورى.

 

كان المسجد على عھد رسول الله  صلى الله علیه وسلم  المحكمة التي يفزع إلیھا المتخاصمون، ويتحاكم إلیھا المختلفون.


وكان دار الإفتاء التي يھرع من أعیاه حكم، أو حیرته مسألة، والنادي الذي يلتقي فیه المسلمون، فیتعارفون ويتآلفون، بل كانت الجیوش تنطلق من المسجد، والغنائم توزع في المسجد، والجرحى ربما يمرضون في المسجد، والأسرى ربما يربطون في المسجد، والزكاة والصدقات توزع في المسجد.

 

 وكان المسافر يبدأ عند عودته بالمسجد، ومن لا مأوى له بات في المسجد ھذا مع كونه مكاناً للعبادة, فما من ساعة تمر من لیل أو نھار إلا وفیه راكع أو ساجد أو قارئ للقرآن، فأين من ھذا مساجد المسلمین الآن؟ التي أصبحت كمعابد الیھود، وكنائس النصارى، تؤدي فیه الصلوات ثم تغلق! وربما لا يدخلھا الكثیرون إلا يوم الجمعة مضطرين !


من أجل ھذه الفروق الجوھرية التي تظھر من المقارنة إن صحت، أخرج مسجد النبي  صلى الله علیه وسلم  جیلاً لم تكتحل عین الزمان بمثلھم، ملائكة البشر ومؤدبو الجبابرة، وملوك الجنة، فتحوا قلوب العباد وحصون البلاد، أبر الأمة قلوباً، وأعمقھم علماً، وأقلھم تكلفاً  رضي الله عنھم .

 

وأما الخطوة الثانیة التي خطاھا الرسول  صلى الله علیه وسلم على طريق تأسیس المجتمع المدني، فقد تمثلت في المؤاخاة التي عقدھا النبي  صلى الله علیه وسلم  بین المھاجرين والأنصار .


وذلك أن المھاجرين لما تركوا أوطانھم وديارھم وأموالھم وأھلیھم وعشیرتھم، واجھتھم مشاكل متنوعة، اقتصادية واجتماعیة وصحیة فقد كانوا متمرسین في التجارة، بینما يقوم اقتصاد المدينة على الزراعة والصناعة، ثم إنھم لا أموال عندھم يتاجرون بھا، فقد تركوا الأموال بمكة، كما تركوا الأھل والأصحاب مما أصابھم ولا شك بوحشة .

 

بل إن مناخ المدينة نفسه لم يوافقھم فأصیب العديد منھم بالحمى كأبي بكر وبلال رضي الله عنھما حتى صرفھا الله عنھم بدعوة النبي  صلى الله علیه وسلم.

 

لقد عالج النبي  صلى الله علیه وسلم  ھذه المشكلات من خلال المؤاخاة التي أقامھا بین المھاجرين والأنصار، والتي كان معناھا أن تذوب عصبیة الجاھلیة، فلا حمیة إلا للإسلام، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد ولا يتأخر إلا بمروءته وتقواه وقد جعل النبي  صلى الله علیه وسلم  ھذه الأخوة عقداً نافذاً، لا لفظاً فارغاً يرتبط بالدماء والأموال، لا تحیة تثرثر بھا الألسنة ولا يقوم بھا أثر.


 وكانت عواطف الإيثار والمودة والمؤانسة تمتزج في ھذه الأخوة وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال فمنذ أول لحظة والأنصار يتنافسون على المھاجرين فلم ينزل مھاجري على أنصاري إلا بقرعة .

 

وقالت الأنصار للنبي  صلى الله علیه وسلم  اقسم بیننا وبین إخواننا النخیل، قال: لا، قالوا: فتكفونا المؤونة، ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا.


 بل قالت الأنصار: يا رسول الله إن شئت فخذ منازلنا، فقال لھم خیراً.


 وابتنى لأصحابه في أرض وھبتھا لھم الأنصار، وأرض لیست ملكاً لأحد، وقد أثرت ھذه المعاملة الكريمة في نفوس المھاجرين، حتى قالوا: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا علیھم أحسن مواساة في قلیل، ولا أحسن بذلاً في كثیر، لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المھنأ، حتى لقد خشینا أن يذھبوا بالأجر كله ! قال: "لا ما أثنیتم علیھم ودعوتم الله لھم".

 

لقد استحق الأنصار أن يخلد الله إكرامھم وإحسانھم في كتابه { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِھِمْ وَلَوْ كَانَ بِھِمْ خَصَاصَةٌ } [الحشر: من الآية 9].

 

ومن أعجب مواقف الآخرة التي تفوق في حقیقتھا المثال، ويغلب الواقع منھا الخیال ما رواه البخاري  رحمه الله: أنھم لما قدموا المدينة آخى الرسول  صلى الله علیه وسلم  بین عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربیع فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً، فھو بیني وبینك نصفین، ولي امرأتان فانظر أعجبھا إلیك! فسمِّھا لي أطلقھا، فإذا انقضت عدتھا فتزوجھا! قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أھلك ومالك! أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قینقاع، فلم يرجع حتى رجع بسمن وأقط، قال: ورأى رسول الله صلى الله علیه وسلم  عليَ أثر صفرة، فقال: مھیم؟ قلت تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: "أولم ولو بشاة".

 

ولا شك أن المرء يقف مبھوراً أمام ھذه الصور الرائعة في الأخوة المتینة والإيثار المتبادل الذي لا نشھد له مثالاً في تواريخ الأمم الأخرى ولیس موقف ابن عوف في أنفته وكرم خلقه وعدم استغلاله لأخیه بأقل روعة من إيثار سعد بن الربیع !

 

وأما الخطوة الثالثة التي خطاھا رسول الله  صلى الله علیه وسلم  على طريق تأسیس المجتمع المدني فقد تمثلت في إصدار وثیقة التحالف التي نظم بموجبھا العلاقات بین المجتمع الإسلامي من جھة وبینه وبین الیھود من جھة أخرى ، باعتبارھم شركاء للمسلمین في سكنى المدينة.

 

لقد ارتفعت ھذه الوثیقة بالمسلمین عن المستوى القبلي المحدود فأقرت بأن المسلمین من قريش ويثرب ومن تبعھم فلحق بھم وجاھد معھم، أنھم أمة واحدة من دون الناس.

 

 وھكذا أصبح الإسلام ملكاً لمن دخل فیه، فانصھرت شعوب كثیرة في الإسلام دون أن يضع النبي  صلى الله علیه وسلم  أمامھم عقبات تحول دون المساھمة في حضارته.



 ولقد أقرت ھذه الوثیقة مفھوم الحرية الدينیة بأوسع معانیه وضربت بعرض الحائط مبدأ التعصب ومصادرة الآراء والمعتقدات .

 

وكان المتوقع أن يرحب الیھود بالإسلام ونبیه الذي يعرفونه كما يعرفون أبناءھم، أو على الأقل فلیكونوا أبطأ من الوثنیین في مخاصمته؛ لأنه يشید بنبیھم ويوقره، وينوه بكتابه، ويطلب من الیھود أن ينفذوا أحكامه، ويلتزموا حدوده، لكن شیئاً من ذلك لم يكن؛ إذ بدا للیھود أن المعاھدة لا تحقق مطامعھم المبتغاة، فاختاروا النقض على الوفاء، والخیانة على الالتزام، والانغلاق على مصالحھم القومیة على الانفتاح على الأھداف العامة الكبیرة للشرائع  السماوية جمعاء .


 حتى إذا رآھم النبي  صلى الله علیه وسلم  مجمعین على التنكیل به وبدعوته، استدار إلیھم وجرى بینه وبینھم من الوقائع ما أخزاھم الله به جزاءً وفاقاً على غدرھم .

 

فأظھر يھود بني قینقاع الروح العدائیة نحو المسلمین فأجلاھم رسول الله  صلى الله علیه وسلم  لا لرفضھم للإسلام، فقد كان يقبل التعايش السلمي معھم، لكنھم خانوا .


 ومن بعدھم حاولت يھود بني النضیر قتل رسول الله  صلى الله علیه وسلم  فأجلاھم.


 ثم خانت يھود بني قريظة العھد في أحرج اللحظات ولم يعتبروا بمن سبقھم، فسعوا إلى حتفھم بأيديھم، وما زالوا يلدغون من نفس الجحر كل مرة! حتى طھرت منھم الجزيرة بعد خیبر.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 3+3=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع