المقالات

تأملات في عبادة الصيام

فضيلة الشيخ /  محمد لبيب


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

لقي رجل رجلا فقال: أترضى حالتك التي أنت عليها للموت؟ قال: لا.

 

قال: فهل عزمت علي توبة من غير تسويف؟ قال: لا.

 

قال: فهل تعلم داراً تعمل فيها سوى هذه هذه الدار؟ قال: لا.

 

قال: فهل للإنسان نفسان إذا ماتت واحدة عمل بالأخرى؟ قال: لا.

 

قال: فهل تأمن هجوم الموت علي حالتك هذه؟ قال: لا.

 

قال: فما أقام علي ما أنت عليه عاقل.

 

     لله در تلك القلوب الطاهرة ..... أنوارها في ظلام الدجى ظاهرة

         رفضت حلية الدنيا وإن كانت فاخرة ...... كم تركت من شهوة وهي عليها قادرة

         باتت عيونها والناس نيام ساهرة ...... زفرات الخوف تثير سحائب الأجفان الماطرة

         يندبون علي الذنوب وإن كانت نادرة ....... كم بينكم وبينهم يا بائع الآخرة

         شيب وعيب أمثال سائرة ....... آمال مع هرم هذه نادرة

 

أخواني: هذه أيام تصان، هي كالتاج علي رأس الزمان  {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

 

ياله من وقت عظيم الشأن تجب حراسته فما إذا حل شان كأنكم به قد حل وبان ووجه الصلح ما بان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

 

من اللازم فيه أن تحرس العينان ومن الواجب أن يحفظ اللسان، ومن المتعين أن تمنع من الخطى في الخطا القدمان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

 

زنوا أفعالكم في هذا الشهر بميزان، واشتروا إخلاصكم بما عز وهان, فإن عجزتكم فسلوا المعين وقد أعان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

 

قد ذهب نصف البضاعة في التفريط والإضاعة، والتسويف يمحق ساعة بعد ساعة والشمس والقمر بحسبان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

 

يا واقفاً في مقام التحير هل أنت علي عزم التغير؟ إلي متي ترضى بالنزول في منزل الهوان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

 

هل مضى من يومك يوم صالح سلمت فيه من جرائم القبائح، تالله قد صدق المتقي الرابح, وأنت راض بالخسران {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

 

عينك مطلقة في الحرام، ولسانك منبسط في الآثام، ولأقدامك علي الذنوب إقدام والكل مثبت في الديوان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

 

قلبك غائب في صلواتك وفكرك ينقضي في شهواتك {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

 

أكثر كلامك لغو وهزر، والوقت بالتفريط شذر مذر، وإن اغتبت مسلما لم تبق ولم تذر، الأمان منك الأمان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

 

خلوف أفواه الصائمين لهو أطيب من ريح المسك، ولبس المحرمين لزيارة بيته أجمل من لباس الحلل، ونوح المذنبين علي أنفسهم من خشيته أفضل من تسبيح المدلين، وانكسار المخبتين لعظمته هو الجبر، وذل الخائفين من سطوته هو العز، وبذل النفوس للقتل في سبيله هو الحياة، وجوع الصائمين لأجله هو الشبع، وعطشهم في طلب مرضاته هو الري، ونصب المجتهدين في خدمته هو الراحة.

 

عبادة الصيام

فريضة الله في كل دين أنزله الله، فيه واقعية وسهولة ونفع وآثار طيبة علي الحياة .


فرض الصيام في شهر نزول القران وبدء دعوة الإسلام وفيه معني الشكر.


جعل له علامة كونية فلا تستطيع سلطة أو جماعة أو كهنوت أن تخفيه وتحرف المسلمين عنه.


اختيار السنة القمرية في التوقيت له فيها حكم عظيمة فهي تقل عن السنة الشمسية عشرة أيام.


تعيين الشهر دون ترك التعيين للإنسان فيه إشعار للمسلمين لوحدتهم والنظام.


في الصيام ضبط لجوارح الإنسان، سمع وبصر ولسان، واليدان والقدمان.


وفي الصيام كف للنفس عما يشينها من الأقوال والأعمال والأخلاق، قال صلى الله عليه وسلم: "الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم" متفق عليه .
 وقال صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قال الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعانه وشرابه" متفق عليه.


في الصيام حبس النفس عن الإسراف في الشهوات وتعويد لها علي الانضباط وشهوة البطن والفرج أعتي شهوات الإنسان فمن قدر عليها كان علي غيرها أقدر قال صلى الله عليه وسلم : "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة" رواه البخاري.


ومن رحمته سبحانه بعباده أن علق الصوم والإمساك على علامتين سماويتين يسهل تمييزهما هما طلوع الفجر وغروب الشمس، فينضبط الوقت لأي إنسان في العالم.


والله تعالى أعطي الإنسان وقتا يعوض فيه ما فقده في صيامه من حاجة البدن، فليس المقصود الإضرار بالبدن، بل المقصود التقوى لذا رخص للمريض والمسافر بالفطر؛ كي لا يجمع بين ضعف الصيام مع ضعف المرض فيضر بالبدن والحامل والمرضع.


الطرق المؤدية إلي التقوى: الصيام ... والقيام ... الأذكار .... الدعاء ... وقراءة القرآن .... الإنفاق ... الاعتكاف ... التوبة ... الاستغفار، وشهر رمضان يجمع كل ذلك ففيه تفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين، فما أن ينتهي الشهر إلا وقلب المسلم قد امتلأ نورا وإيمانا وتقوى وتحلى بأحسن الأخلاق.


وفي الصيام تصفو النفس وتخلص الروح من صفة البهيمية، وترتقي إلي صفة الملائكية.


وفي الصوم صحة البدن وخلوصه من الأخلاط الرديئة، وعطف علي الفقراء والمساكين.


والبدن مع العمل يكل، فيجب أن تستريح الأعضاء وقتا من الأوقات لتستعيد نشاطها وقوتها مرة أخرى فمن رحمة الله تعالى أن جعل للمعدة وقتا تستريح فيه.


وفي الصوم امتناع عن المباح وفيه تدريب علي ترك الحرام.


كثير من الناس يشكون من سوء التغذية، وسببها عند الأغنياء يرجع إلى زيادتها، وعند الفقراء إلي نقصها المعيب.


فما أعظم منافع شهر الصيام، وما أكثر بركاته، وإن الناس في حاجة إلى العلم بحكمة العبادات قبل التعبد بها أكثر من حاجتهم إلي معرفة أحكامها.


وفي الصيام تشعر النفس أن هؤلاء البشر كلهم علي تفاوت درجاتهم متساوون في الاحتياج إلي الطعام والشراب.


والصوم الذي فرضه الله علي المسلمين جميعا الغني منهم والفقير والأمير والحقير والذكر والأنثى يعظ بوجوب تغليب سلطان العقل علي سلطان البطن، وسلطان البصر والسمع علي سلطان الشهوات.


والمقصود من الصوم التقوى التي يحصل بها كف جميع الجوارح عن مباشرة كل ما يحرم فعله شرعاً، بغض النظر عما يشغل القلب من ذكر الله، وحفظ اللسان عن النطق بالفحش والهذيان والغيبة وكف السمع عن سماع الغيبة والنميمة والفحش وقول الزور، وحفظ البطن عن الشبهات والمحرمات، ولا يكثر من الطعام وقت الإفطار بما يبعث فيها الشهوة التي كانت خاملة طول النهار أن يكون قلب الصائم بعد فطره بين الرجاء والخوف {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون].


وصوم الخواص هو حبس القلب والفكر عما سوى الله تعالى.


وقد خص الله تعالى الصوم بأنه له وهو يجزي به، وإن كانت أعمال البر كلها له وهو يجزي بها، لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل فتكتبه الملائكة الحفظة وإنما هو بنية مع إمساك عن الطعام والشراب.


والصوم منه ماهو واجب كصيام رمضان ومنه ماهو تطوع، وقد رغب في النفل تكميلاً للفرض وسداً لما عساه أن يقع من خلل في الصوم الواجب وقد كان الأنبياء يكثرون من صيام التطوع، فداوود عليه السلام كان يصوم يوما ويفطر يوما وهو أحب الصيام إلي الله ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتي يقال لا يفطر والعكس.


ولقد كان من رحمة الله أن فرض الصوم علي هذا الأمة التي فرض عليها الجهاد في سبيل الله لتقرير منهجه في الأرض، وللقوامة علي البشرية {...فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ.....} [البقرة من الآية 249].


والصوم هو مجال تقرير الإرادة والعزيمة ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد، ومجال الاستعلاء علي ضرورات الجسد كلها، واحتمال ثقلها؛ إيثاراً لما عند الله وفيه تربية المسلم علي تقديم أوامر الله علي محبوبات النفس، وفيه اعداد له للثبات أمام الأعداء في الخارج كما أن فيه قمع الشهوات في الداخل.


والصائم لصفاء روحه وقلبه أحسن الناس توجها إلي ربه وأقربهم لاستجابة دعائه؛ لذا قال تعالى في ثنايا الحديث عن الصيام: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة 186].


وصلاح القلب واستقامته بإقباله بالكلية علي ربه، وأنسه به، ولما كان فضول الطعام والكلام والنوم والمخالطة مما يقطعه عن ربه ويشتته في كل واد اقتضت رحمة الله بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات التي تعوقه عن سيره إلي الله تعالى.


وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده عكوف القلب علي الله، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن غيره.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع