المقالات

غزوة أحد

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

كانت غزوة أحد غزوة الدروس والعبر، كانت درساً عملیاً للصحابة الكرام، دفعوا ثمنه غالیاً جراحاً وأرواحاً، آلاما وأتراحاً، إلا أن الدرس ظل باقیاً على مر العصور يتعلم منه المسلمون أسباب النصر، وأسباب الھزيمة، وثمار التوكل على الله والثقة به، وعاقبة التطلع إلى الدنیا، والرغبة في أعراضھا وشھواتھا.

 

كانت قريش قد امتلأت قلوبھا حقداً وغیظاً بعد قتل أئمة الكفر وصناديد الشرك يوم بدر، فعبأت قوتھا، واستعانت بحلفائھا، وخرجت في ثلاثة آلاف مقاتل تريد أن تثأر من المسلمین.


 ولما أرسل العباس رضي الله عنه من مكة يخبر النبي صلى الله علیه وسلم بخبر قريش، جمع النبي أصحابه لیشاورھم، فكان رأى الشباب والمتشوقین إلى ملاقاة العدو ممن لم يتح له ھذا الشرف، ولم يشھد بدراً أن يخرجوا للقاء قريش خارج المدينة، وكان رأى النبي صلى الله علیه وسلم وبعض الشیوخ من أصحابه أن يبقوا في المدينة لیقاتلوا قريشا في الأزقة ومن أسطح البیوت لكن النبي صلى الله علیه وسلم أمضى ما أشار به أغلب الصحابة ترسیخا لمبدأ الشورى.


وظاھر يومئذ بین درعین لیُعلم أصحابه والمسلمین من بعدھم ضرورة الأخذ بالأسباب، وأن ھذا لا ينافي التوكل على الله عز وجل.

 

وخرج رسول الله صلى الله علیه وسلم بأصحابه في جیش على الثلث من جیش المشركین، حیث كانوا ألفاً والمشركون ثلاثة آلاف.

 

وفي الطريق فاجأھم عبد الله بن أبيّ بانسحابه بثلث جیش المسلمین، فكانت ھذه أول فوائد الغزوة، حیث تمیز صف المنافقین عن المؤمنین تحقیقاً لقوله تعالى: {مَّا كَانَ اللهُ لِیَذَرَ الْمُؤْمِنِینَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَیْهِ حَتَّىَ يَمِیزَ الْخَبِیثَ مِنَ الطَّیِّبِ} [آل عمران: 179 ] ولقوله:  {وَلِیَعْلَمَ الْمُؤْمِنِینَ * وَلْیَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ} [ آل عمران: 166،167].

 

وبقى مع النبي صلى الله علیه وسلم المؤمنون الصادقون الذين صار عددھم سبعمائة مقاتل واصل بھم النبي صلى الله علیه وسلم السیر نحو أحد، حیث جعلوا ظھورھم للجبل، ووجوھھم نحو المدينة، ثم عبأ جیشه، وقسمه كتائب ثلاثاً، وھیأھم صفوفاً للقتال، واختار فصیلة من الرماة الماھرين، وعین لھم قائداً ماھراً، وأمرھم أن يكونوا فوق جبل عیْنین المقابل لأحد والذي عرف فیما بعد بجبل الرماة، ووضع خطة محكمة ضمنت لھم أفضل موقع في میدان المعركة رغم أن المشركین سبقوا إلى میدانھا، فأصبح عسكر المسلمین في موضع مرتفع، وألجئ المشركون إلى موضع منخفض يجعلھم منكشفین أمام المسلمین وسھامھم.

 

 ثم شرح النبي صلى الله علیه وسلم خطته للرماة، وأكد لھم خطورة دورھم حتى قال لھم: إن رأيتمونا تخطفنا الطیر فلا تبرحوا مكانكم ھذا حتى أرسل إلیكم، وإن رأيتمونا ھزمنا القوم ووطأناھم، فلا تبرحوا حتى أرسل إلیكم.

 

ثم تدانت الفئتان، وأذن النبي صلى الله علیه وسلم لأصحابه أن يجالدوا أعداءھم، وبدأت مراحل القتال الأولى تثیر الغرابة، كأن ثلاثة آلاف مشرك يواجھون ثلاثین ألف مسلم! لا بضع مئات قلائل! وظھر المسلمون في أعلى صور الشجاعة والیقین كما وصفھم الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَھُم بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152] والحس ھو القتل أي تستأصلونھم قتلا.

 

وسطرت للتاريخ صور بطولیة لجماعات من الصحابة رضي الله عنھم يصعب أن تتكرر، كحمزة رضي الله عنه والزبیر وأبي دجانة وأنس بن النضر

ومصعب بن عمیر وعبد الله بن حرام وغیرھم كثیر ممن وصفھم الله بقوله: {مِنَ الْمُؤْمِنِینَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاھَدُوا اللهَ عَلَیْهِ} [الأحزاب: 23 ].

 

 وقد بذلت قريش أقصى جھدھا لتحطیم عنفوان المسلمین، لكنھا أحست بالعجز وانكسرت ھمتھا أمام ثبات المسلمین وإقدامھم، كما لم تفلح محاولات نسوة قريش اللاتى جئن لاستنھاض الرجال وتحريضھم على القتال كیلا يفروا، ولم تفلح ھذه المحاولات من ضرب الدفوف وإنشاد الأشعار وتحريك المشاعر، فما ھو إلا أن لذن بالفرار خلف رجالھن وفرسانھن !!.

 

وفي لحظة ضعف بشرى عرضت لفريق الرماة الذي كان الدرع الواقي للجیش، في لحظة صورھا الله بقوله: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَیْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْیَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران: 152]، وفي لحظة التفاتة إلى الدنیا ونسیان لطاعة الرسول صلى الله علیه وسلم، رأى الرماة الھزيمة حلت بالمشركین، ورأوا رجالھم يولون الأدبار، ونساءھم يھمن في الجبال، والغنائم تزحم الوادي، قال أكثر الرماة: ما لنا في الوقوف حاجة! الغنیمة الغنیمة، انتصر أصحابكم، فماذا تنتظرون! فذكرھم رئیسھم بأمر رسول الله صلى الله علیه وسلم لكن أكثرھم لم يلتفت إلیه.


 وكانت الكارثة! حیث رأى خالد بن الولید انكشاف مؤخرة المسلمین فاستدار بسرعة خاطفة مع بعض فرسان المشركین، وانقضوا على المسلمین من خلفھم، وعجز قائد الرماة والتسعة الباقون معه من أصحابه الخمسین أن يصدوا خالد ومن معه، ثم صاح خالد ومن معه بالمشركین الفارين، وأسرعت امرأة من المشركین برفع لواء المشركین الذي كان مطروحاً في التراب فالتف حوله المشركون ونادى بعضھم بعضا، وانقلبت الصورة وعظمت الفتنة، وفر كثیر من المسلمین، والله يغفر لھم بفضله ومنه {وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْھُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِیمٌ} [آل عمران: 155 ].

 وثبت مع النبي صلى الله علیه وسلم نفر قلیل من أصحابه كتبوا بدمائھم مواقف من نور، وأبلوا بلاء حسناً لانظیر له، وقتل يومئذ سبعون من الصحابة رضي الله عنھم، وجرح رسول الله صلى الله علیه وسلم بأبي ھو وأمي، وشج في رأسه، وكسرت أنیابه ودخلت حلقتا المغفر في وجنته الشريفة، حتى قال: كیف يفلح قوم أدموا وجه نبیھم وھو يدعوھم إلى الإسلام، ثم لم يلبث أن قال: اللھم اغفر لقومي فإنھم لا يعلمون!

 

وتنتھي الغزوة ويبقى الدرس ماثلاً أمام أعین التاريخ، درس عمیق يتعلم منه المسلمون وجوب طاعة رسول الله صلى الله علیه وسلم وخطورة مخالفة أمره

قال تعالى: {فَلْیَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِیبَھُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِیبَھُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ} [النور: 63 ].


 لكن رسول الله صلى الله علیه وسلم لم يفر، ولم تلن له قناة، ولم تزعزعه الأحداث كما ھو شأنه بأبي ھو وأمي في سائر المواقف الصعبة، وخلص بعض المشركین إلیه يريد قتله، وكان في سبعة من الأنصار، ورجلین من المھاجرين، فقال: من يردھم عنا وھو رفیقي في الجنة؟ فقاتلوا عنه واحداً واحداً حتى استشھد الأنصار السبعة دفاعاً عن رسول الله صلى الله علیه وسلم، ثم قاتل عنه طلحة حتى شلت يده بسھم أصابھا، وقاتل سعد بین يديه، والنبي صلى الله علیه وسلم يناوله السھام ويقول: ارم سعد فداك أبي وأمي! ودافع أبو طلحة الأنصارى عن رسول الله صلى الله علیه وسلم فكان النبي يقول إعجاباً من قتاله: "لصوت أبي طلحة في الجیش أشد على الكافرين من فئة" وحمى أبو دجانة رسول الله صلى الله علیه وسلم بظھره حتى كثر النبل فیه وقاتل مصعب بن عمیر دون لواء المسلمین حتى قتل، وقاتل حمزة قتال الأبطال حتى رماه وحشي بحربته فقتله، وتأتى صفیة لتشاھد أخاھا حمزة وقد مثل به، فیأمر النبي صلى الله علیه وسلم ابنھا الزبیر أن يصرفھا كیلا ترى ما بأخیھا فتقول: ولم؟ وقد بلغني أنه قد مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله !!.

 

وقد كان منظر الشھداء السبعین فظیعاً يفتت الأكباد، فجمعھم النبي صلى الله علیه وسلم لیدفنھم وقال: "أنا شھید على ھؤلاء"، إنه ما من مجروح في سبیل الله، إلا ويبعثه الله يوم القیامة يدمى جرحه، اللون لون الدم والريح ريح المسك.

 

ولم يخسر من ھؤلاء القتلى والجرحى  ممن قاتل يومئذ مع رسول الله صلى الله علیه وسلم  إلا رجل يسمى قزمان، قاتل قتال الأبطال، ورآه الصحابة يحصد المشركین، فأخبروا النبي صلى الله علیه وسلم بحسن بلائه في المعركة، لكن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: ھو في النار،فتعجب الصحابة من ذلك، فتتبع الناس بطولاته، حتى إذا أصابته جراحه احتملوه، وسألوه عن حسن بلائه، فقال: والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي! ولولا ذلك ما قاتلت! فلما اشتد به الجرح تحامل على السیف حتى قتل نفسه!


 وھكذا كل مقاتل في سبیل الوطنیة أو القومیة، وإن قاتل تحت لواء الإسلام، بل وفي جیش الرسول صلى الله علیه وسلم وأصحابه، فمن قاتل لتكون كلمة الله ھي العلیا، فھو في سبیل الله، ومن قاتل لغیر ذلك من الأھداف مھما سمت في نظر الناس، فلیس بشھید، فالله تعالى طیب لا يقبل إلا طیباً.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 2+2=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع