المقالات

غزوة بني المصطلق

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

لما أصاب المسلمین ما أصابھم في غزوة أحد، تجرأت علیھم قبائل العرب المحیطة بالمدينة، وقد بلغ رسول الله صلى الله علیه وسلم أن الحارث بن ضرار المصطلقي أخذ يجمع الجموع لحرب المسلمین، ويؤلب علیھم القبائل المجاورة.

 

وقد سبق أن أعان الحارث وقبیلته قريشا على النبي صلى الله علیه وسلم في غزوة أحد، فلما تأكد للنبي صلى الله علیه وسلم أن بني المصطلق يجمعون لقتاله، جھز جیشه وخرج في شعبان من السنة الخامسة للھجرة وقیل السادسة، وأغار علیھم وھم غارون، وأنعامھم تستقى على الماء، فقتل مقاتلتھم، وسبى ذراريھم، وكان في السبي من نساء المشركین برة بنت الحارث سید القوم، وقد أُخِذَ من قومھا مئتا أھل بیت أسرى، وزعت على المسلمین، وھنا يظھر حسن سیاسة النبي صلى الله علیه وسلم وعظم كرمه، فإن ھذه القبیلة من أعز قبائل العرب فأسر نسائھم بھذه الحال يصعب جداً على نفوسھم، فأراد النبي صلى الله علیه وسلم أن يجعل المسلمین يمنون على النساء بالحرية من تلقاء أنفسھم، فتزوج برة بنت الحارث وسماھا جويرية، وجعل عتقھا صداقھا، فقال المسلمون: أصھار رسول الله صلى الله علیه وسلم لا ينبغي أسرھم في أيدينا، فمَنُّوا علیھم بالعتق.

 

فكانت جويرية أيمن امرأة على قومھا، تقول عائشة رضي الله عنھا: فما كانت امرأة أعظم بركة منھا!

 

وكان لزواج رسول الله صلى الله علیه وسلم من جويرية وإطلاق السبي أثر بالغ في تألیف قلوبھم، فبدؤوا عھداً جديداً من المشاركة في الجھاد ذوداً عن الإسلام، ومن الطاعة لله، والإنقیاد لأحكامه، وتسبب ھذا الكرم العظیم، وھذه المعاملة الجلیلة أن أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبیھم، وكان يمكن لھذه الغزوة أن تنتھى بھذا النصر المیسر، ويعود المسلمون دون كبیر تعب، لولا ما وقع فیھا من الأحداث الخطیرة التي سببھا خروج المنافقین مع المسلمین على غیر عادتھم، وإنما خرجوا ھذه المرة لثقتھم بانتصار المسلمین فرغبوا أن يصیبوا من عرض الدنیا، والمنافقون شؤم كما وصفھم الله تعالى: {لَوْ خَرَجُواْ فِیكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَة} [التوبة 47 ].

 

 فكان من الفتن التي وقعت واستغلھا المنافقون لإثارة الشقاق بین المسلمین ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله وھو من شھد ھذه الغزوة، قال: كسع رجل من المھاجرين رجلا من الأنصار يعنى ضرب دبره برجله أو بیده  فقال الأنصارى: يا للأنصار، وقال المھاجري: يا للمھاجرين، فسمع ذلك رسول الله صلى الله علیه وسلم فقال: "ما بال دعوى الجاھلیة وأنا بین "أظھركم؟" قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المھاجرين رجلا من الأنصار فقال: "دعوھا فإنھا منتنة.

 

 فسمع ذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوھا! يعنى المھاجرين: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة لیخرجن الأعز منھا الأذل! فسمع ذلك غلام من الأنصار فبلغ النبي صلى الله علیه وسلم فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق ھذا المنافق فقال النبي صلى الله علیه وسلم: "دعه! لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه".

 

  فھذا الذي وقع بین الرجلین من الخلاف وأدى إلى قولھما: يا للأنصار ويا للمھاجرين سماه النبي صلى الله علیه وسلم دعوى الجاھلیة، رغم شرف اسم المھاجرين والأنصار، وإقرار الله تعالى لھذه التسمیه وثنائه علیھا بقوله: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُھَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوھُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْھُمْ} [التوبة100]، إلا أن استغلال الرجلين لهذه المسميات الشريفة بحيث تستعمل استعمالا خاطئا يفرق بين المسلمين ويحيي عصبیاتھم الجاھلیة التي قضى علیھا الإسلام، ھو الذي جعل النبي صلى الله علیه وسلم ينكر علیھم ذلك ويقول: "دعوھا فإنھا منتنة"  أى قبیحة أو خبیثة، وسماھا دعوى الجاھلیة، ولا شك أنه يلتحق بھذا كل دعوة إلى العصبیة لغیر منھج الإسلام كالتعصب للأحزاب أو الفرق أو الجماعات والموالاة والمعاداة فیھا وفي أشخاصھا على حساب المنھج الذي يجتمع علیه المسلمون وألا يتفرقوا، فكیف إذا أصبح المسلمون يتعصبون إلى أسماء غیر شريفة ومعان تافھة غیر محمودة كمن يتعصبون إلى الأجناس والأعراق والقومیات، أو يتعصبون لمناھج الغرب التي صاغھا من لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة.

 

  وكل حمیة لغیر الله ودينه ورسوله داخلة في دعوى الجاھلیة ومن ذلك الحمیة لمجرد اللھو واللعب، والموالاة أوالمعاداة على الألعاب المختلفة كالكرة وغیرھا بحیث تخرج من حد اللعب إلى حد الجد، لتصبح من الحمیة الجاھلیة التي ھي من سمات الكافرين كما قال تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِھِمُ الْحَمِیَّةَ حَمِیَّةَ الْجَاھِلِیَّةِ} [الفتح 26 ].

 

  وقد استغل رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول ھذه المخالفة التي وقعت من الرجلین، وأراد أن يوقع الفتنة بین الأنصار أھل المدينة  وبین رسول الله صلى الله علیه وسلم والمھاجرين من خارج المدينة، فقال كلمته الشنعاء: (لئن رجعنا إلى المدينة لیخرجن الأعز منھا الأذل)،  فجعلھا الله علیه عاراً وشنارا حیث أنزل الله سورة المنافقین تفضح أفعالھم وتكشف نواياھم، وترد الأمور إلى نصابھا فتجعل العزة لله ولرسوله وللمؤمنین، والذل والصغار للمنافقین.

 

ولا أذل لعبد الله بن أبي من قول ابنه لرسول الله صلى الله علیه وسلم يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبي، فإن كنت تريد قتله فمرني بقتله، فوالله إن أمرتني بقتله لأقتلنه - وكان باراً بأبیه - ولكن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال له: بر أباك ولا يرى منك إلا خیراً.

 

 فلما رجع المسلمون إلى المدينة وقف له ولده على الطريق وقال له: والله لا تدخل المدينة حتى يأذن لك رسول الله صلى الله علیه وسلم بالدخول، فأذن رسول الله صلى الله علیه وسلم بدخوله، فتبین بذلك من العزيز ومن الذلیل.

 

 وإنما تحمل النبي صلى الله علیه وسلم دسائس ھذا المنافق وصبر على غدارته دفعاً ومنعاً للمفسدة الأكبر، أن يتحدث الناس وفیھم من لیس من أھل الإسلام ممن لم يطلع على حقیقة النفاق والمنافقین  أن يتحدثوا أن محمداً يقتل أصحابه.

 

لقد أراد النبي صلى الله علیه وسلم أن يؤصل للمسلمین قاعدة ھامة جداً، ما أحوج الدعاة التي تفھمھا، والتأدب بأدبھا، فكثیراً ما تتعارض المصالح في الموقف الواحد، فواجب الداعیة أن يكون حكیماً ذا بصیرة كما كان رسول بأدبھا، فكثیراً ما تتعارض المصالح في الموقف الواحد، فواجب الداعیة أن يكون حكیماً ذا بصیرة كما كان رسول الله صلى الله علیه وسلم، فیحرص على تحقیق أعلى المصلحتین الشرعیتین ولو بتفويت إحداھما إذا تعذر الجمع بینھما، كما يحرص على دفع أقوى المفسدتین الشرعیتین ولو بارتكاب أدناھما لدفع المفسدة الأكبر، وذلك إذا عجز عن دفعھما معاً، إن ھذا مقتضى حكمة النبي صلى الله علیه وسلم في دعوته  وخلاصة درسه الذي نتعلمه من صنیعه مع المنافقین أن نقول لقد استحق ابن أبيٍّ القتل بسبب نفاقه وكیده للإسلام، وقتلُهُ مصلحة عظیمة وردع لأمثاله، لكن النبي صلى الله علیه وسلم رأى أن ھذه المصلحة تفوت مصلحة أخرى أعظم منھا وھي الحاجة إلى أن يظھر المسلمون كالجسد الواحد، مجتمعین حول رسول الله صلى الله علیه وسلم ومتفقین على منھج الإسلام، فلو قتل ابنُ أبيٍّ لتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ولكان في ھذا صرف للناس عن الإسلام وصد لھم عن سبیله، ولظھر المسلمون بصورة منفرة لتنازعھم وشقاقھم وخلافاتھم، بینما لو تحمل النبي صلى الله علیه وسلم مرارة أفعال المنافقین كابنِ أبي وأمثاله، وصبر على مكايدھم، ورأى الناس علو أمر الإسلام لدخلوا في دين الله أفواجا، وھذا ھو المقصد الصحیح للدعاة، ولن يضر المنافقون إلا أنفسھم.

 

ومثل ھذا الدرس يكرره لنا النبي صلى الله علیه وسلم مرة أخرى حین يقول لعائشة: "لولا أن قومك حديثو عھد بشرك لھدمت الكعبة ولبنیتھا على قواعد إبراھیم"  أي أنه كان يجب أن يعید بناء الكعبة على قواعد إبراھیم وھذه مصلحة، لكن تحصیلھا سیؤدى إلى مفسدة أكبر حین لا يحسن حدثاء العھد بالإسلام فھم ھذا الموقف على حقیقته ولا يتحملون رؤية الكعبة وھي تھدم وتسوء بھم الظنون.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع