المقالات

غزوة بني قريظة

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

كان يھود بني قريظة في عھد مع النبي صلى الله علیه وسلم عند مجيء الأحزاب، وكانت ديارھم في عوالى المدينة، وكان ھذا العھد يلزمھم أن يكونوا أعواناً للمسلمین على أعدائھم.

 

لكن حیى بن الأخطب زعیم بني النضیر والذي سبق وحرض قريشاً وقبائل العرب على غزو المسلمین جاء إلى كعب بن أسد القرظي يحثه على نقض العھد، ويغريه بقوة الأحزاب، ويمنّیه بالقضاء على المسلمین، ويطمئنه بأنه سیدخل معه حصنه إن رجع الأحزاب، وما زال به حتى نقضت قريظة عھد رسول الله صلى الله علیه وسلم، ولم يتعظوا مما نزل ببنى النضیر، ومن قبلھم بني قینقاع، فھذه طبیعة الیھود التي لا ينفكون عنھا، ولا يستطیعون التخلص منھا.

 

إن مسلكھم بإزاء المعاھدات التي أمضوھا قديماً وحديثاً يجعلنا نجزم أن القوم لا يَدَعون خستھم أبداً، وأنھم لا يراعون إلا المواثیق التي تتماشى مع أطماعھم ومكاسبھم وشھواتھم، ولو تركت الحمیر نھیقھا والأفاعي لدغھا ترك الیھود نقضھم للعھود.

 

وقد نبه القرآن إلى ھذه الخصلة الشنعاء في بنى إسرائیل فقال:  { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَھُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاھَدتّ مِنْھُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَھْدَھُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَھُمْ لاَ يَتَّقُونَ } [الأنفال: 5556].

 

لكن الله تعالى نصر عبده، وأعز جنده، وھزم الأحزاب وحده، فرجع النبي صلى الله علیه وسلم بعد انصراف الأحزاب إلى بیته، ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح ! والله ما وضعناه  فاخرج إلیھم، قال: فإلى أين؟ قال: ھاھنا، وأشار إلى قريظة، فأمر رسول الله صلى الله علیه وسلم مؤذنا في الناس:  من كان سامعا مطیعا فلا يصلین العصر إلا في بني قريظة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأعطى رايته لعلى بن أبي طالب رضي الله عنه.

 

وإنما تعجل النبي صلى الله علیه وسلم الصحابة للخروج قبل أن يتحصنوا بالحصون ويأخذوا العدة لذلك، وقد أدرك جماعة من الصحابة صلاة العصر في الطريق، حاملین أمر الرسول صلى الله علیه وسلم بعدم صلاتھم على قصد السرعة، ولم يُصَلِّھا الآخرون إلا في بني قريظة بعد مضى وقتھا حاملین الأمر على حقیقته، فلم يعنف أحد الفريقین لأن كلاً عمل باجتھاده، فلا يأثم وقد بذل وسعه، لأن لكل مجتھد نصیب، والحق واحد لا يتعدد.

 

وتلاحق جیش المسلمین الذي كان قوامه ثلاثة آلاف إلى ديار بني قريظة، وحاصروھم في حصونھم خمسة وعشرين لیلة، وألقى الله الرعب في قلوبھم، فحاولوا أن يفاوضوا المسلمین وطلبوا منھم أن ينزلوا على ما نزل علیه بنو النضیر من الجلاء بالأموال وترك السلاح، فلم يقبل رسول الله صلى الله علیه وسلم ذلك، فطلبوا الجلاء بأنفسھم من غیر مال ولا سلاح، فلم يرض أيضاً، بل قال:  لابد من النزول والرضا بما يحكم علیھم، خیراً كان أو شراً، فقالوا له: أرسل لنا أبا لبابة نستشیره، وكان حلیفاً لھم، وكانت أمواله وأولاده في منطقتھم، وكان من نقباء الأوس رضي الله عنه، فلما توجه إلیھم استشاروه في النزول على حكم رسول الله صلى الله علیه وسلم، فقال: نعم، وأشار بیده إلى حلقه، يريد أنه الذبح ! ثم انتبه من فوره أنه خان الله ورسوله فمضى على وجھه ولم يرجع إلى النبي صلى الله علیه وسلم حیاءً وخجلاً من مقابلته، وأتى المسجد النبوى وربط نفسه في سارية من سوارى المسجد حتى يقضى الله فیه أمراً، وحلف ألا يحله إلا رسول الله صلى الله علیه وسلم، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدا، ولما بلغ ذلك النبي صلى الله علیه وسلم قال: أما إنه لو جاءنى لأستغفرت له، وأما وقد فعل ما فعل فاتركه حتى يقضي الله فیه، وقد نزل بعد أيام قوله تعالى:  { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِھِمْ خَلَطُواْعَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَیِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَیْھِمْ } [التوبة 102].

 

ثم إن الیھود انھارت معنوياتھم ودب الرعب في نفوسھم وھم في حصونھم المنیعة فبادروا إلى النزول على حكم رسول الله صلى الله علیه وسلم، وقام رجال من الأوس يسألون رسول الله صلى الله علیه وسلم أن يعامل قريظة كما عامل بني قینقاع حلفاء الخزرج، فقال لھم: ألا يرضیكم أن يحكم فیھم رجل منكم؟ فقالوا: بلى، قال: فذاك سعد بن معاذ.

 

 فأرسل رسول الله صلى الله علیه وسلم إلى سعد بن معاذ رضي الله عنه،  وكان بالمدينة ولم يخرج معھم للجرح الذي أصابه يوم الأحزاب،  فأُتِيَ به على حمار قد حُمِلَ علیه وصف به قومه وقالوا له: يا أبا عمرو! حلفاؤك وموالیك وأھل النكاية ومن قد علمت! فلم يرجع إلیھم شیئا ولم يلتفت إلیھم،  فلما أكثروا علیه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم،  ولما انتھى سعد إلى النبي صلى الله علیه وسلم قال له قومه:  يا سعد إن ھؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك،  قال:  وحكمي نافذ علیھم؟ قالوا:  نعم،  قال:  وعلى المسلمین؟ قالوا:  نعم،  قال:  وعلى من ھاھنا؟ وأعرض بوجھه وأشار إلى ناحیة رسول الله صلى الله علیه وسلم إجلالاً له وتعظیماً قال:  نعم،  قال:  فإني أحكم فیھم أن يقتل مقاتلھم، وتسبى ذراريھم،  وتقسم أموالھم،  فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم:  لقد حكمت فیھم بحكم الله ورسوله

 

! وكان سعد في غاية الإنصاف فإن بني قريظة بالإضافة لما ارتكبوه من الغدر الشنیع ونقضھم للعھد، وما استقبلوه به يوم الأحزاب يوم أن ذھب يناشدھم الوفاء فأفحشوا له القول، كانوا قد جمعوا لإبادة المسلمین من الأسلحة ما تعجب المسلمون منه وھم يجمعونه بعد نزولھم من حصنھم، ثم أمر النبي صلى الله علیه وسلم بتنفیذ حكم سعد فیھم.

 

 وھكذا تم استئصال أفاعى الغدر والخیانة الذين نقضوا المیثاق، وأعانوا الأحزاب على إبادة المسلمین في أحرج ساعة مرت علیھم، فصاروا من أكابر مجرمي الحروب الذين يستحقون المحاكمة والإعدام، وقتل معھم شیطان بني النضیر، وجرثومة ھذه الفتن: حیى بن أخطب، الذى أغراھم بنقض العھد، ووعدھم أن يكون معھم في حصنھم إن تخلى عنھم الأحزاب، وقد كان!


والعجب من جلد ھذا الكافر إلى آخر رمق! حیث جيء به لیقتل أمام رسول الله صلى الله علیه وسلم فقال: أما والله ما لمت نفسى في معاداتك! ولكن من يغالب الله يُغلب! ثم قال: أيھا الناس لا بأس بأمر الله! كتاب وقدر، وملحمة كتبھا الله على بنى إسرائیل، ثم جلس فضرب عنقه !

 

وفي بني قريظة أنزل الله عز وجل: { وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاھَرُوھُم مِّنْ أَھْلِ الْكِتَابِ مِن صَیَاصِیھِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِھِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَھُمْ وَدِيَارَھُمْ وَأَمْوَالَھُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوھَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً }  [الأحزاب: 2526].

 

وكان سعد بن معاذ رضى الله عنه قد دعا ربه يوم أن أصابه السھم قبل رحیل الأحزاب فقال: (اللھم لا تمتنى قبل أن تقر عینى من بني قريظة) فلما أقر الله عینه من بني قريظة، دعا ربه فقال: (اللهم إن كنت أبقیت على نبیك من حرب قريش شیئاً فأبقنى لھا، وإن كنت قطعت الحرب بینه وبینھا فاقبضنى إلیك) .

 

فانفجر جرحه وكان قد برأ فلم يلبث أن مات رضي الله عنه !لقد كان دعا ربه أن يبقیه على قید الحیاة من أجل مواصلة طريق الجھاد مع النبي صلى الله علیه وسلم.

 

 أكرم بھا من أنفس  تلك التي لا تقر إلا بالإيمان، أكرم بھا من أنفس  تلك التي لا تقر إلا بالجھاد ! بتحمل المسئولیة وحمل الأمانة، وما أكثر الذين يتمنون طول الحیاة لتقر أعینھم من اللذات والرغبات { ذَرْھُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْھِھِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } [الحجر3]،  { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَھُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ ھُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ ھُمْ أَضَلُّ سَبِیلاً } [الفرقان44].

 

كان سعد بن معاذ في الأنصار كأبي بكر في المھاجرين، ولما حملت جنازته قال المنافقون: ما أخف جنازته! فقال النبي صلى الله علیه وسلم: "إن الملائكة كانت تحمله!"، وقال النبي صلى الله علیه وسلم: "لقد اھتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ!"، واھتزازه فرحاً واستبشارا وسروراً بقدوم روحه، لقد كان له العزم الثابت في جمیع المشاھد التي تقدمت الخندق.


وكان صلى الله علیه وسلم يحبه كثیراً ويبشره بالجنة على عظیم أعماله، وقد أھديت للنبي صلى الله علیه وسلم حلة حرير فجعل أصحابه يمسونھا ويعجبون من لینھا، فقال: "أتعجبون من لین ھذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خیر منھا أو ألین"

 {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْھُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [البینة 8].

 

أولئك آبائى فجئنى بمثلھم                                   إذا جمعتنا يا جرير المجامع

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع