المقالات

صلح الحديبية

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

كان النبي صلى الله علیه وسلم قد رأى في المنام أنه دخل ھو وأصحابه المسجد الحرام آمنین محلقین رؤوسھم ومقصرين وطافوا واعتمروا فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا واستبشروا، وفي مستھل ذى القعدة من السنة السادسة للھجرة خرج رسول الله صلى الله علیه وسلم إلى مكة معتمراً، واستقر الأعراب حول المدينة فأبطأ عنه أكثرھم خوفاً من المواجھة مع قريش.

 

فخرج رسول الله صلى الله علیه وسلم في ألف وأربعمائة من المھاجرين والأنصار، شوقا إلى البیت العتیق، وتمھیداً لإقرار حق المسلمین في أداء عباداتھم، وإبطالا لزعم قريش أن المسلمین لا يعظمون حرمة البیت.

 

وقد أحرم النبي صلى الله علیه وسلم من ذى الحلیفة والمسلمون معه، وساق الھدى لیُعْلم الناس أنه لم يخرج للحرب، ولما علمت قريش بخروج النبي صلى الله علیه وسلم وأصحابه، جمعت جموعھا لصد المسلمین عن دخول مكة، وخرج خالد بن الولید بخیلھم إلى كُراع الغمیم طلیعة لھم، وبلغ ذلك النبي صلى الله علیه وسلم فاستشار أصحابه كعادته، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:  يا رسول الله ! خرجت عامداً لھذا البیت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجْه له، فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: "امضوا على اسم الله".

 

وتحاشیاً للصدام مع جیش خالد، قال النبي صلى الله علیه وسلم لأصحابه: ھل من رجل يأخذ بنا على غیر طريقھم؟ فجاء رجل من أسْلم فسلك بھم طريقاً وعرا، أفضى إلى أرض سھلة، وانتھى بھم إلى الحديبیة، فلما رأى خالد ما فعل المسلمون أسرع إلى قريش يخبرھم الخبر.

 

وعند الحديبیة بركت ناقة النبي صلى الله علیه وسلم فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله علیه وسلم: "ما خلأت وما ھو لھا بخلق، ولكن حبسھا حابس الفیل"، ثم قال: "والذي نفسي بیده لا يسألونني خطة يعظمون فیھا حرمات الله إلا أعطیتھم إياھا " ثم عدل عن دخول مكة إلى أقصى الحديبیة، فنزل إلى بئر قلیلة الماء، فاشتكى المسلمون العطش، فأخرج سھماً من كنانته وأمرھم أن يجعلوه فیھا، فمازال يجیش بالرى حتى كفى جمیع أھل الجیش، فكان من بركته صلى الله علیه وسلم وعلامات نبوته تكثیر الماء بین يديه.

 

ثم جرت الرسل والسفراء بین رسول الله صلى الله علیه وسلم وبین قريش، وطال التنازع، وجعل رسول الله صلى الله علیه وسلم يتعجب من عناد قريش ويقول: "يا ويح قريش أكلتھم الحرب، ماذا علیھم لو خلوا بیني وبین سائر الناس ! فإن أصابوني كان الذى أرادوا، وإن أظھرني الله علیھم دخلوا في الإسلام وھم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبھم قوة، فماذا تظن قريش! والله إني لا أزال أجاھدھم على الذي بعثني الله له حتى يظھره الله أو تنفرد ھذه السالفة  يعني حتى الموت".

 

 وسعى رسول الله صلى الله علیه وسلم لبیان موقفه لقريش والناس جمیعاً، فأرسل خراش بن أمیة الخزاعي الذي كادت قريش أن تقتله لولا أن منعھم الأحابیش، ثم أرسل عثمان بن عفان يبلغھم مقصد النبي صلى الله علیه وسلم من مجیئه مكة، ولما أبلغھم رسالة النبي صلى الله علیه وسلم سمحت له قريش أن يطوف بالبیت، فامتنع أن يسبق النبي صلى الله علیه وسلم بالطواف، ثم إن قريشاً احتبسته فشاع بین المسلمین أن عثمان قتل، فدعا رسول الله صلى الله علیه وسلم أصحابه إلى البیعة، فبايعوه تحت الشجرة على الموت فأثنى النبي صلى الله علیه وسلم علیھم وقال: "أنتم خیر أھل الأرض" رواه البخاري، وعند مسلم قال النبي صلى الله علیه وسلم: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتھا".

 

وقد عرفت ھذه البیعة ببیعة الرضوان، وعد من أھلھا عثمان بن عفان رضي الله عنه إذ بايع عنه النبي صلى الله علیه وسلم بیده الأخرى وقال ھذه لعثمان وفي ھؤلاء نزل قوله تعالى: { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِینَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِھِمْ فَأَنزَلَ السَّكِینَةَ عَلَیْھِمْ وَأَثَابَھُمْ فَتْحاً قَرِيباً } [الفتح17].

 

على أن عثمان لم يطل احتباسه فإن قريش جزعت أن تصیبه بأذى وھو من سراتھا بمكان، وسارعت إلى بعث سھیل بن عمرو لیعقد مع النبي صلى الله علیه وسلم صلحاً، ولما رآه النبي صلى الله علیه وسلم قال متفائلاً: وكان يعجبه الفأل، لقد سھْل لكم أمركم ! ولم يكن أھم لقريش في ھذا الصلح من عودة المسلمین من عامھم ھذا، على أن يعودوا بعد إن شاءوا، حفظاً لماء الوجه، وإبقاءً لمكانة قريش في العرب.

 

 وقد جرت مفاوضات طويلة بین النبي صلى الله علیه وسلم وبین سھیل انتھت إلى عقد صلح الحديبیة الذى اتفق فیه الطرفان على وضع الحرب بینھما عشر سنین يأمن فیھا الناس القتال ويكف بعضھم عن بعض، ومن جاء محمداً ھارباً من قريش رده إلیھم، ومن جاء قريشاً ھارباُ من محمد لم يردوه إلیه!  ومن أحب أن يدخل في عقد محمد وعھده من قبائل العرب دخل فیه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعھدھم دخل فیه، وأن يرجع المسلمون عامھم ھذا على أن تخلى قريش بینھم وبین الكعبة العام القادم ثلاثة أيام معھم سلاح الراكب فقط.

 

  ودعا النبي صلى الله علیه وسلم علیاً لكتابة بنود المعاھدة، وصبر على مماحكة سھیل في صیاغة البنود حیث أبى سھیل كتابة البسملة،  ووصف النبي صلى الله علیه وسلم بالرسالة وأمضى له النبي صلى الله علیه وسلم ما أراد.

 

وقد شق ھذا الصلح ببنوده على كثیر من المسلمین وظنوه مجحفاً، ويظھر ھذا من موقف عمر رضي الله عنه كما في الصحیح، حیث راجع النبي صلى الله علیه وسلم في ھذه المعاھدة التي لم يدرك الحكمة منھا، قال عمر: فأتیت نبي الله صلى الله علیه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال:  بلى ! قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال:  بلى ! قلت: فلم نعطى الدنیة في ديننا إذاً؟ قال: "إني رسول الله ولست أعصیه وھو ناصرى"  قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البیت فنطوف به؟ قال: بلى! فأخبرتك أنك تأتیه العام؟ قال قلت: لا! قال: فإنك آتیه ولمطوف به، لكن عمر رضي الله عنه لم يكتف بذلك ! بل أعاد الكلام أمام أبي بكر رضي الله عنه بمثل كلامه مع رسول الله صلى الله علیه وسلم فقال أبو بكر: يا عمر إلزم غرزه حیث كان، فإني أشھد أنه رسول الله، قال عمر وأنا أشھد، وقد ظھر من ھذا الموقف رسوخ أبي بكر الذي لا يدانیه أحد فیه من الصحابة، واستحقاقه للسبق، وجدارته بالصديقیة، وأن إيمانه بإيمان الأمة كلھا.

 

على أن عمر رضي الله عنه إنما راجع النبي صلى الله علیه وسلم لا على الاعتراض، وإنما للوقوف على الحكمة، وتقديم المشورة، واستفراغ الوسع في تحقیق مصلحة المسلمین، وإذلال الكافرين، وكان عمر يقول بعدھا: مازلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ !

 

وكان أكثر المسلمین يومئذ يرون أن في الصلح إجحافاً بھم، حتى أن النبي صلى الله علیه وسلم لما أمرھم أن يحلقوا رؤوسھم وينحروا ھديھم تباطئوا رجاء أن يغیر الله من شأن المعاھدة، فدخل النبي صلى الله علیه وسلم على أم سلمة مغضباً فنفعه الله بمشورتھا حیث أشارت علیه أن يبدأ بنفسه،  فخرج أمامھم ونحر وحلق فلما رأوه فعل ذلك، زال عنھم الذھول وأسرعوا بالامتثال لأمره.

 

وفي طريق عودة المسلمین إلى المدينة، أنزل الله على رسوله صلى الله علیه وسلم سورة الفتح {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِیناً } [الفتح1] قال أنس: الحديبیة، وأسرع الناس إلى رسول الله صلى الله علیه وسلم يقرؤھا علیھم، قال رجل: يا رسول الله أفتح ھو؟ قال: "نعم والذي نفسي بیده إنه لفتح".

 

 فانقلبت كآبة المسلمین إلى فرحة غامرة، وأدركوا أنھم لا يمكن أن يحیطوا بالأسباب والنتائج، وأن التسلیم لأمر الله ورسوله خیر كله، وكان من نتائج ھذا الصلح الذي سماه الله فتحاً أن أتاح الفرصة أمام للمسلمین لیتفرغوا لیھود خیبر ولأعراب المدينة، كما أتاح لھم الفرصة لنشر الإسلام عن طريق مكاتبة الملوك والرؤساء وعرض دعوة الإسلام علیھم، استغلالاً للأجواء الآمنة.

 

 قال الزھري رحمه الله: فما فُتح في الإسلام فتح قبله أعظم منه،  إنما كان القتال حیث التقى الناس، فلما كانت الھدنة ووضعت الحرب، وآمن الناس بعضھم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعْقل إلا دخل فیه ! ولقد دخل في ھاتین السنتین مثل من كان في الإسلام قبل ذلك!

 

قال ابن ھشام: والدلیل على قول الزھري: أن رسول الله صلى الله علیه وسلم خرج إلى الحديبیة في ألف وأربعمائة ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتین في عشرة آلاف ،وقد استمرت ھدنة الحديبیة سبعة عشر شھراً، أو ثمانیة عشر شھراً ثم نقضتھا قريش حین أعانت حلفاءھا من بني بكر على حلفاء المسلمین من خزاعة، الذين استنصروا بالمسلمین فكان الفتح الأعظم، فتح مكة الذى أعز الله به الإسلام ورسوله صلى الله علیه وسلم وجنده.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع