المقالات

فتح مكة

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

كان صلح الحديبیة فتحاً للمسلمین، مكنھم من التفرغ لنشر الدعوة، وعرض تعالیم الإسلام على جمیع طوائف الدنیا التي أمكنھم الوصول إلیھا، تأكیداً لعالمیة الدعوة، وتثبیتاً لدعائم الحق، قال تعالى: {لِیُظْھِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون} [التوبة 33 ].

 

 ومع مرور الأيام بدأت قريش تزداد يقیناً بأن شروط صلح الحديبیة لم تكن في صالحھا لأنھا لا تزيدھا إلا عزلة عن العالم الخارجي، ولا تجلب لھا إلا المتاعب والمثالب، بینما يسعى المسلمون إلى غايتھم يوماً بعد يوم، وتتسع رقعتھم، ويعلوا نجمھم، مما ملأ قلوب قريش حقداً وضغینة على الإسلام وأھله.


 وقد قادھا ھذا الحقد إلى خطأ فادح جعلھا كالساعي إلى حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه! ذلك أن بنود معاھدة الصلح كانت تقضي بأن من شاء أن يدخل في عقد محمد وعھده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعھدھا دخل، فدخلت خزاعة في عقد المسلمین، ودخلت بنو بكر - أعداء خزاعة الألداء - في عقد قريش، وكان بین بكر وخزاعة عداوات ودماء في الجاھلیة كَمُنْت نارھا بظھور الإسلام، وبعد سنة ونصف فقط من معاھدة الحديبیة، اعتدت بكر على خزاعة فقتلت منھا رجالا، وأمدت قريش بكراً بالمال والسلاح والرجال، مما كان نقضاً صريحاً لمعاھدة قريش مع المسلمین، وسرعان ما استنجدت خزاعة بالمسلمین، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة، وأنشد أبیاتاً يستنصر رسول الله صلى الله علیه وسلم، فأجابه النبي صلى الله علیه وسلم بقوله: "نصرت يا عمرو بن سالم!".

 

وأمر رسول الله صلى الله علیه وسلم أصحابه بالتجھیز للغزو، ولم يعلمھم بوجھته، حرصاً على السرية التامة لئلا تستعد قريش للقتال، واستنفر القبائل التي حول المدينة: أسلم، وغفار، ومزينة، وجھینة، وأشجع، وسلیم، فمنھم من وافاه بالمدينة ومنھم من لحقه بالطريق، ولم يتخلف من المھاجرين والأنصار أحد، وبلغ عدد الجیش عشرة آلاف مقاتل، وھذا العدد يدل على تضاعف قوة المسلمین في ھذه الثمانیة عشر شھراً التي مضت من المعاھدة .

 

وكان حرص النبي صلى الله علیه وسلم على مباغتة قريش، لئلا تتجھز وتستعد، فتستباح حرمة البلد الحرام، وتمتلئ بأشلاء القتلى ودماء الأرحام، لكن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وھو صحابي بدري، أرسل كتابا إلى قريش يخبرھا بأن المسلمین عازمون على غزوھا، وجعل الكتاب مع امرأة توصله إلى أناس بمكة من المشركین، فأخبر الله نبیه صلى الله علیه وسلم بالخبر- وھذا من علامات النبوة - فأرسل النبي صلى الله علیه وسلم علیاً والزبیر والمقداد وقال لھم: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بھا ظعینة معھا كتاب فخذوه منھا" ! ولما وصلوا للمرأة أنكرت أن معھا كتاباً، قالوا لتخرجن الكتاب أو لنلقین الثیاب! فلما ھددوھا أخرجته، فرجعوا به إلى النبي صلى الله علیه وسلم فقال له: يا حاطب ما ھذا؟ فأخبره أنه لم يفعل ھذه الزلة ارتداداً عن الإسلام ولا رضا بالكفر بعد الإيمان، وإنما أراد أن تكون له يد عند المشركین تحمى قرابته بمكة إذ لم يكن له فیھم أصل ولا عشیرة، فقال النبي صلى الله علیه وسلم: أما إنه صدقكم! فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق ھذا المنافق! فقال: إنه قد شھد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على من شھد بدراً فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم ! فأنزل الله سورة الممتحنة: {يَا أَيُّھَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِیَاء تُلْقُونَ إِلَیْھِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ} [الممتحنة :1].

 

 فمنع الله موالاة الكفار وصداقتھم، وأكد على وجوب عداوتھم ومصارمتھم.

 

 وخرج النبي صلى الله علیه وسلم بالمسلمین من المدينة في العاشر من رمضان من السنة الثامنة للھجرة، وكانوا صیاما حتى بلغوا كديداً قرب مكة، فأفطر النبي صلى الله علیه وسلم وأفطر الناس دفعاً للمشقة واستعمالاً للرخصة، وفي الطريق إلى مكة قدم العباس عم النبي صلى الله علیه وسلم مھاجراً، وكان قد أسلم قبل فتح خبیر، وكان عین رسول الله صلى الله علیه وسلم بمكة يخبره أخبارھا، كما كان ملاذاً للمسلمین المستضعفین بمكة، وقد فرح رسول الله صلى الله علیه وسلم بقدومه.

 

 وتجمعت جیوش المسلمین بمر الظھران، ولم تكن أنباؤھم قد وصلت قريشاً التي أرسلت أبا سفیان وحكیم بن حزام وبُديْل بن ورقاء لیتحسسوا أخبار المسلمین، فلقیھم العباس راكباً بغلة الرسول صلى الله علیه وسلم، وكان يريد أن يرسل إلى قريش رسولاً يطلب منھم الخروج لمصالحة النبي صلى الله علیه وسلم، فجاء العباس بھم إلى النبي صلى الله علیه وسلم فأسلموا، وأسلم أبو سفیان بعد تردد منه، وملاطفة من النبي صلى الله علیه وسلم.

 

 وقد أمر النبي صلى الله علیه وسلم العباس أن يحبس أبا سفیان بمضیق الوادى حتى يستعرض قوات المسلمین، وتمر به جنود الله فیراھا، فلا تبقى في نفسه أثارة لمقاومة، وھو سید مكة المتبوع، فجعل أبو سفیان يسأل العباس كلما مرت كتیبة: من ھؤلاء؟ ويعرفُه العباس بھم، حتى مر رسول الله صلى الله علیه وسلم في كتیبته الخضراء وفیھا المھاجرون والأنصار فقال أبو سفیان: سبحان الله يا عباس! من ھؤلاء؟ قال: ھذا رسول الله صلى الله علیه وسلم في المھاجرين والأنصار، فقال أبو سفیان: ما لأحد بھؤلاء من قِبَلٍ ولا طاقة! والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخیك الیوم عظیماً! فقال العباس: ويحك يا أبا سفیان إنھا النبوة! قال: فنعمَ إذاً.

 

ومضى أبو سفیان إلى مكة فأخبر قريشاً بقوة المسلمین ونھاھم عن المقاومة، وذكر لھم الأمان الذي أعطاه النبي صلى الله علیه وسلم لقريش أن من دخل دار أبي سفیان فھو آمن، ومن دخل المسجد فھو آمن، ومن أغلق بابه فھو آمن، فانصرف الناس إلى بیوتھم أو تجمعوا في المسجد الحرام ينتظرون ما يفعل بھم.

 

 وكان النبي صلى الله علیه وسلم قد أمر قادة جیشه ألا يقاتلوا إلا من قاتلھم، فلقى خالد بن الولید وكتیبته الذين دخلوا مكة من أسفلھا بعض المقاومة ممن غاظھم استسلام قريش بلا مقاومة، فقتل منھم رجالاً، وفر الباقون ودخلت بقیة الكتائب من أنحاء مكة دون مقاومة، ودخل رسول الله صلى الله علیه وسلم مكة من أعلاھا خاشعاً لله شاكراً لنعمته متذللاً بین يديه، يقرأ سورة الفتح ويُرَجِّعُ في قراءته، وجعل يطوف بالبیت، ويحطم الأصنام، ويطھر منھا البیت الحرام فتتھاوى صنماً صنماً، وھو يقول: "جاء الحق وزھق الباطل إن الباطل كان زھوقاً"، { قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِیدُ } [سبأ 49 ]، وكانت ستین وثلاثمائة من الأصنام.

 

 ثم أقبل على أھل مكة الذين تجمع أكثرھم في المسجد الحرام ينتظرون الجزاء، ويرقبون القضاء، فعمھم بعفوه الكريم، وامتن علیھم بقلبه الرحیم، رغم إيذائھم له ووقوفھم في وجه دعوته، ورغم قدرته على إبادتھم، فبأبي ھو وأمي ما أرحمه وما أحلمه، وما أكرمه وما أعظمه، ثم اجتمع الناس حول الصفا لیبايعوه، فبايع الرجال ثم النساء، وكانت بیعته لھن كلاماً، ولا والله ما مست يده صلى الله علیه وسلم يد امرأة لا تحل له، مع كمال عفته وطیب نیته ووضوح خصوصیته، ومنزلة عصمته.

 

 ولما طھرت الكعبة من الأصنام دخلھا وصلى فیھا ركعتین، وعلا بلال فوق ظھر الكعبة فأذَّنَ للصلاة منادياً بسقوط الشركاء وتحطیم الأنداد، وأنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم جعل رسول الله يخطب في الناس، يعلمھم مما علمه الله وجھلوه من أحكام الشريعة الغراء.

 

ولما اطمأن النبي صلى الله علیه وسلم بعد الفتح، جعل يبث سراياه لتحطیم الأصنام الأخرى خارج مكة، فأرسل خالد بن الولید إلى بطن نخلة لیھدم العُزَّى - أكبر صنم لقريش - فتوجه إلیھا في ثلاثین من أصحابه وتم ھدمھا ثم أرسل عمرو بن العاص لھدم سواع، وھو أعظم صنم لھزيل، ثم أرسل سعد بن زيد في عشرين فارساً لھدم مناة وھي صنم لكلب وخزاعة.

 

وبفتح مكة سیطر المسلمون على الموقف السیاسي والدينى كلیھما معاً، في طول جزيرة العرب وعرضھا، فقد انتقلت إلیھم الصدارة الدينیة والزعامة الدنیوية، وتم لھم السیطرة على الموقف تماماً ولم يبق لأقوام العرب إلا أن يفدوا إلى رسول الله صلى الله علیه وسلم فیعتنقوا الإسلام، ويحملوا دعوته إلى العالم.

 

{وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم4 ـــ 6].

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع