المقالات

دروس من حنين

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

استفاد المسلمون من غزوة حنین دروساً وعبراً يجدر بدعاة الحق وجنوده أن يقفوا عندھا طويلاً، ولیتھم يعقدون مقارنة بین حال المسلمین يومھا من القوة والعزة والمنعة والاستعداد، وبین حالھم يوم بدر من القلة والضعف والذلة وغیاب الأسباب حتى يقفوا على عوامل النصر وأسباب الھزيمة، وحتى يدركوا أثر الإيمان والثبات والصبر والیقین.

 

 فلم يكن المسلمون في يوم أقل عدداً منھم في بدر، ولا أقل أسباباً، وماذا يفعل ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ما معھم فرسان في معركة مصیرية، ما غلب على ظنھم أن يكون فیھا قتال حتى يأخذوا أھبتھم، ومع ذلك فلم تضرھم القلة شیئاً بسبب صدق إسلامھم ونضج إيمانھم، وشدة ولائھم لدينھم ولربھم ونبیھم صلى الله علیه وسلم، كما لم يكن المسلمون في يوم أكثر عدداً منھم في يوم حنین، ولا أكثر أسباباً، كانوا اثنى عشر ألفا معھم

السلاح، حتى قال قائلھم: لن نھزم الیوم من قلة! ومع ذلك لم تنفعھم الكثرة شیئاً بسبب تلك الجماھیر التي لم يتمكن الإيمان بعد في نفوسھم، ولم تتغلغل معاني التضحیة والفداء في قلوبھم، فانقلبوا ھاربین

 

ألا ما أظھر الدرس لمن كان عقل                           ما أبین الصبح لمن فیه مُقل

 

لقد لخص القرآن العبرة في آيتین جلَّى بھما حقیقة الموقف، وبَیَّن أسباب النصر وعوامل الھزيمة: قال في بدر: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران 123]، وقال في حنین: {وَيَوْمَ حُنَیْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَیْئاً} [التوبة 25].

 

 ورجع النبي صلى الله علیه وسلم بعد رفع الحصار عن الطائف إلى الجعرانة حیث جمعت غنائم حنین الھائلة التي غنمھا المسلمون، وجعل يتأنى وينتظر رجاء أن تأتي إلیه ھوزان تائبین مسلمین فیرد علیھم أموالھم، ومكث ينتظرھم بضع عشرة لیلة، فلما لم يأت أحد منھم.

 

 ورأى النبي صلى الله علیه وسلم شدة تطلع الأعراب والطلقاء من حدثاء العھد بالإسلام من أھل مكة إلى الغنیمة، بدأ يوزع الغنائم، وقد سلك النبي صلى الله علیه وسلم في توزيع الغنائم مسلكاً ھو الغاية في الحكمة، وإن خفي ذلك على بعض أصحابه فقد جعل يعالج نقص الإيمان في قلوب الأعراب وحدثاء العھد بالإسلام بالأعطیات الوفیرة التي أغدقھا علیھم يتألفھم بھا، وكأنه يستمیلھم بذلك، ويشتري ولاءھم للإسلام،  ويزرع في قلوبھم محبة الله ورسوله.

 

لقد أدرك النبي صلى الله علیه وسلم بحكمته أن أقواماً كثیرين يقادون إلى الحق من بطونھم وجیوبھم، لا من عقولھم وقلوبھم، فجعل يعطي مائة من الإبل لكل زعیم من زعماء قريش كأبي سفیان، وحكیم بن حزام، وصفوان بن أمیة، وسھیل بن عمرو، والعباس بن مرداس، وعلقمة بن علاثة، ومثل ذلك أعطى الأقرع بن حابس التیمي، وعیینة بن حصن الفزارى، وغیرھم كثیر من رؤساء القبائل وأشراف العرب وفوارسھم، حتى أظھروا الرضا، وازدادت رغبتھم في الإسلام، ومحبتھم للإيمان، وحسنت مواقفھم بعد ذلك وأبلوا بلاءً حسناً، وقال أنس بن مالك: إن كان الرجل لیسلم ما يريد إلا الدنیا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إلیه من الدنیا وما علیھا، وھذا رجل من المؤلفة يخبر عن نفسه، يقول صفوان بن أمیة: لقد أعطاني رسول الله صلى الله علیه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلىّ! فما برح يعطینى حتى إنه لأحب الناس إلىّ!

 

لقد وَسِعَ النبي صلى الله علیه وسلم بحلمه وكرمه ھؤلاء الذين فروا بالأمس عند الجزع، وھاھم الیوم يقبلون عند الطمع، يتسابقون إلیه، ويزدحمون علیه تكاد أعینھم تخرج من المحاجر تطلعاً إلى الدنیا، حتى ألجئوه إلى شجرة فانتزعت رداءه فقال: "أيھا الناس، ردوا على ردائي، فوالذي نفسي بیده، لو كان عندي عدد شجر تھامة نعماً لقسمته علیكم، ثم ما ألفیتموني بخیلاَ ولا جبانا ولا كذاباً".

 

 وقد بلغ من حلمه صلى الله علیه وسلم وصبره على جفاء الأعراب المتطلعة نفوسھم إلى الدنیا أن جذبه أحدھم جذبة شديدة أثرت في عاتقه لخشونة البُرد الذي كان علیه، ثم قال: يا محمد مر من مال الله الذي عندك! فالتفت إلیه النبي صلى الله علیه وسلم وضحك، ثم أمر له بعطاء.

 

 وأعجب من ھذا وذاك مقالة ذلك الأعرابي الذي لم تتضح له الحكمة من توزيع النبي صلى الله علیه وسلم الغنائم على ھذا النحو فقال: اعدل يا محمد! فما زاد النبي صلى الله علیه وسلم على أن قال له: "ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل! لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل"،  ويستأذن عمر النبي صلى الله علیه وسلم في ضرب عنقه، فیقول النبي صلى الله علیه وسلم: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي! فما أصبره وأحلمه، وما أحكمه.

 

وكان من حسن سیاسته صلى الله علیه وسلم وطیب معشره أن جعل يسترضى أصحابه، ويبین لھم الحكمة من إعطاء المؤلفة ھذه العطايا الباھظة دون استحقاق، فقال لھم: "إني لأعطي الرجل وغیره أحب إلى منه، مخافة أن يكبه الله في النار"،  ويقول لھم أيضاً: "إني لأعطي أقواماً لما أرى في قلوبھم من الجزع والھلع، وأَكِلُ أقواماً إلى ما جعله الله في قلوبھم من الغنى و الخیر".

 

 وكانت الأنصار قد نالھم ما لم ينل غیرھم من ھذه السیاسة، فقد حُرِمُوا جمیعاً رغم حسن بلائھم،  في الوقت الذي فر فیه ھؤلاء الذين يرجعون الآن بالغنائم، فكأن الأنصار وجدوا في أنفسھم، وقال قائلھم: يعطى قريشاً ويتركنا وسیوفنا تقطر من دمائھم!

 

فبلغ النبي صلى الله علیه وسلم ذلك فجمعھم لیسترضیھم، ويطلعھم على الحكمة التي غابت عنھم من تصرفه مع المؤلفة، وقال: "أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لُعاعة من الدنیا تألفت بھا قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذھب الناس إلى رحالھم بالشاة والبعیر، وتذھبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بیده لو أن الناس سلكوا شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الھجرة لكنت امرءأ من الأنصار، اللھم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار"، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاھم وقالوا: رضینا برسول الله قسماً وحظاً.

 

إن مقارنة عجلى بین الأنصار وبین المؤلفة من الأعراب والطلقاء تؤكد لنا أھمیة التربیة الجادة وخطورتھا، إن الأنصار قوم تمكنت التربیة من قلوبھم، فھانت علیھم الدنیا، وصار البذل والعطاء والتضحیة والفداء لنصرة ھذا الدين أحب شيء إلیھم، ألم تقم بدر وأحد وما بعدھما على أكتافھم وكانوا أكثر وقودھا، ومازالوا صابرين؟ ألم يفر الناس عن رسول الله صلى الله علیه وسلم يوم حنین ولم تغن عنھم كثرتھم؟ فكان نداء العباس للأنصار مفتاح النصر وتحول الھزيمة إلى فتح مبین، إن مائة تربوا تربیة جادة، استطاعوا أن يحولوا الھزيمة إلى نصر كبیر وثبتوا أمام عشرين ألفا من أعدائھم، بینما لم يستطع ھذا آلاف من الأعراب والطلقاء ممن لم يأخذ بعد حظه من التربیة الجادة، وداخله من حب الدنیا وزخرفھا ما أقعده عن ھذه الھمم وتلكم الطموحات!.

 

وبعد قسمة الغنائم، قدم وفد ھوزان يعلن إسلامھم، ويطلب من رسول الله صلى الله علیه وسلم أن يرد علیھم الأموال والسبي، فخیرھم بین المال والسبي فاختاروا السبي، فخطب النبي صلى الله علیه وسلم في المؤمنین، إن إخوانكم ھؤلاء جاءوا تائبین وإني أردت أن أرد إلیھم سبیھم، فمن أحب منكم أن يطیب ذلك فلیفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطیه إياه من اول ما يفئ الله علینا فلیفعل، فطیب الناس وأذنوا، وقد فرح النبي صلى الله علیه وسلم بإسلام ھوزان، وسأل عن مالك بن عوف زعیمھا، فأخبروه أنه بالطائف مع ثقیف، فوعدھم برد أمواله إن جاء مسلماً، وأن يكرمه بمائة من الإبل كما فعل مع المؤلفة، فجاء وأسلم وحسن إسلامه.

 

 ولما فرغ رسول الله صلى الله علیه وسلم من قسمة الغنائم بالجعرانة أَھَلَّ معتمراً منھا فأدى العمرة، ثم انصرف راجعاً إلى المدينة.

 

 وھاھو ذا بعد ثمانیة أعوام يدخل المدينة التي استقبلته مھاجراً خائفاً لتستقبله مرة أخرى وقد دانت له مكة، وألقت تحت قدمیه كبرياءھا وجاھلیتھا، فأنھضھا لیعزھا بالإسلام وعفا عن خطیئتھا الأولى: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِیعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِینَ} [يوسف90].

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 1+1=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع